الفصول السابقة
https://www.miraclenovela.com/2026/01/blog-post_9.html
عهد الحب
بقلم أسماء ندا
الفصول ٧ / ٨ / ٩/ ١٠/ ١١/ ١٢
الفصل ٧
بعد لحظة، استيقظ جسور من غفلته وغادر مبنى الطلاب الأصغر سناً، قاد سيارته إلى مبنى الطلاب الأكبر سناً، لكنه اعترض طريقه حشد كبير في موقف السيارات.
بعد نزوله من السيارة، ترك جسور السيارة مع السائق، ثم سار نحو المدخل غير مكترثٍ بالحشد.
كان من الغريب رؤية الطلاب الأثرياء الذين يولون أهمية كبيرة لآدابهم وسلوكهم يتصرفون فجأة بهذه الطريقة.
لكن جسور لم يكلف نفسه عناء ذلك، في اللحظة التي وطأت فيها قدمه المدخل، امتدت إليه فجأة ذراع، وبشكل لا إرادي، أمسك جسور بذراعه وكاد يكسرها عندما صرخ صاحب الذراع.
"مرحباً، جسور ! أنا هو! صديقك العزيز!"
تعرّف جسور على الصوت، ترك ذراع الصبي الذي أعلن أنه "صديقه العزيز" وتجاهله، واستمر في سيره، أطلق الصبي نظرة ألم.
"جسور، انتظر! لماذا تتعامل ببرود شديد مع صديقك العزيز؟ أنا الصديق الوحيد الذي تملكه، عليك أن تعتز بي."
نظر إليه جسور أخيراً ببرود بتعبير يقول: "لا تزعجني".
تجاهل الصبي ذلك واستمر في تصرفاته الغريبة، بدا مألوفًا له سلوك جسور البارد. في الواقع، كان جسور باردًا مع الجميع وظل بعيدًا عنهم.
حتى وإن كان مساعداً، فقد كان يحظى بالاحترام والتبجيل، لقد احتل المرتبة الأولى في مجلس إدارة المدرسة، وبفضل مواهبه الفريدة ووسامته الفائقة، كان مشهوراً، وخاصة بين الفتيات.
ترغب العديد من الشابات في الايقاع به كمساعد لهن، لكن عائلة عزيز كانت متعنتة، فبالإضافة إلى ثراء عائلتهم الذي ينافس ثراء عائلة عزيز فإن ولاءهم كان مقتصراً على سليل عائلة عدنان من الفرع الأول.
كانت هناك معاهدة لا يمكن نقضها بين هاتين العائلتين، وقد تم تناقلها عبر الأجيال، يُخدم أول سليل لعائلة عدنان من قِبَل أول سليل لعائلة عزيز. وبخلاف ذلك، لا يحق لأي فرد من أفراد العائلة من غير السليل الأول إجبار أول سليل لعائلة عزيز على خدمته، وينطبق الأمر نفسه على عائلة عزيز فلا يحق لهم إجبار أنفسهم على خدمة أول سليل، ولكن لهم حرية اختيار سيدهم حتى من خارج عائلة عدنان.
كان هذا هو حال جسور الابن الوحيد لأبيه، والابن الأكبر لجده الأكبر، مما جعله أول سليل، لم يكن أمامه خيار سوى خدمة أول سليل ل عائلة عدنان وهى اسماء والولاء لها
لكن جسور لم يستسلم لمصيره،لم يُرد أن يلعنه أحفاده كما لعن جده الأكبر وذريته لجبنهم وخضوعهم ل عائلة عدنان، أرادهم أن يحلقوا بحرية في السماء يفعلون ما يحلو لهم، ويسعون لتحقيق ما يستطيعون.
لكن الأمر يمكن أن ينتظر الآن، سيُقوّي نفسه أولاً، كان يُخطط لشيء ما، شيء أكبر لدرجة أن عائلة عدنان نفسها ستُصاب بصداع في المستقبل، لحق به الصبي مسرعاً.
"ربما سمعتَ الخبر، ولهذا أنتَ في مزاجٍ سيء؟ سيخطف ذلك الوغد فتياتك، سمعتُ أنه موهوبٌ جدًا ووسيمٌ ، من يدري، ربما وجدتَ منافسك؟"
ظل جسور يتجاهله.بينما اكمل هو
"آه! سمعتُ أيضاً أنه جاء إلى هنا من أمريكا ليجد زوجته المستقبلية، كما تعلم، ليختار من بين فتياتك." واصل الصبي مشاكسة جسور .
لكن جسور لم يكترث، بل عامل الصبي وكأنه لا شيء، وأخيراً توقف الصبي عن مضايقته وقال بنبرة جدية.
"كان يعمل في مجموعة مهران."
توقف جسور للحظة،ثم واصل سيره وكأنه لم يسمع شيئاً، لكنه لم يستطع منع نفسه من أن يعقد حاجبيه، مجموعة مهران ،هاتان الكلمتان تعنيان شيئاً واحداً، كان يجادل نفسه ليحذر الآنسة الصغيرة.
في النهاية، وقبل أن يصل إلى غرفته، قرر ألا يخبر أحداً بالأمر، لم تكن مشكلته، ووعد نفسه بأنه لن يبقى مساعدها إلى الأبد، فليكن هذا الأمر من مسؤوليتها في المستقبل.
لكن مشهد ابتسامتها له طفا على السطح بشكل خفيف في ذهنه فردد لنفسه (لا، ليست مشكلتي)لم يكن قلقاً، لم يكن منزعجاً، لم يكن له أي علاقة بالأمر، حاول أن يواسي نفسه بتذكير نفسه بذلك.
دخلت اسماء غرفتها دون أن تعلم أن العاصفة التي أرادت تجنبها كانت تتشكل وتتجه نحوها.
كانت الغرفة كبيرة وواسعة، تتسع لـ 200 شخص، لكن عدد الطلاب الموجودين في الغرفة لم يتجاوز 20 طالباً.
جلست في الصف الأخير، وبما أنها التحقت بالمدرسة الثانوية بالفعل، فلا داعي للاهتمام بالأمر بعد الآن.
عندما دخلت المدرسة الثانوية لأول مرة، تساءلت عن سبب قيام جدها، الذي سمح لها بالتعليم المنزلي حتى بلغت الخامسة عشرة من عمرها، بتسجيلها فجأة في المدرسة.
الآن، وبعد أن خضعت لعملية إعادة الميلاد عرفت السبب، وهو مقابلة الوحش وجذب انتباهه، وقد فعلت، لكنها حتى الآن لم تستطع فهم كيف استطاعت جذب انتباهه وجعله يوافق على الزواج منها.
فكرت في البداية بالانتقال، لكن الوضع الآن مختلف، ستستغل كل الموارد المتاحة لها، بما في ذلك هذه المدرسة.
نظرت أمامها وتأملت كل زميل من زملائها، لم يكن عددهم يتجاوز 17 في الوقت الحالي، كانت تعلم أن أعمارهم 18 عامًا وأن آخرهم انتحر بعد شهرين.
لقد تذكرت ذلك الخبر لأنه استمر لمدة شهر قبل أن يهدأ، رأت أبناء وبنات من الحكومة، ومحامين ورجال أعمال مثلها، كانت تبحث عن هدفها، لمحته عند زاوية الصف الثالث.
ياسر على الابن الوحيد لجنرال الجيش في الدولة ج، كان يكتب على حاسوبه بلا توقف، كانت عيناه البنيتان ورموشه الطويلة مخفية خلف نظارته السميكة وشعره الأسود المجعد،لم يكن طويل القامة، لذا كان من السهل نسيان وجوده.
لا أحد يتوقع أن هذا الشاب الضعيف المهووس بالدراسة ينتمي إلى عائلة عسكرية صارمة، لكن اسماء تعلم أن داخل هذا الصبي الذي يبدو ضعيفاً كان يوجد مبرمج كمبيوتر عبقري ومطور ألعاب.
ولأنه كان الابن الوحيد لعائلة على العسكرية، فقد عارض والده أن يصبح مبرمجًا محترفًا على الكمبيوتر.
لذا كان تقدمه نحو مهنته المختارة بطيئًا، ولم يُعرف كأصغر عبقري في مجال التكنولوجيا المتقدمة إلا عندما بلغ العشرين من عمره، حين ابتكر شركتي SSS وGMA. وقد حققت ابتكاراته شهرة عالمية واسعة، حتى أن والده لم يستطع إيقاف مسيرته.
بعد ثلاث سنوات، أصبح مليارديرًا، كان لدى اسماء قائمة بالأهداف،قبل أن تتصرف، أرادت أن تجس النبض أولاً،راقب وانتظر.
(ملاحظة: لا تخلطوا بين الأمور، فعقلية جسور هكذا دائمًا، في الحاضر والماضي، كان يرغب بشدة في التحرر من عائلة عدنان، لكن في حياته السابقة وقع في حب اسماء فاختار البقاء بجانبها وتخلى عن خطته ، 🥺 انا سربت احداث )
الفصل ٨
مر أسبوع بسلام، واصلت اسماء مراقبة كل هدف من أهدافها، منتظرةً اللحظة المناسبة للهجوم على هدفها الأول - ياسر.
بعد أن اكتملت استعداداتها، قامت أخيراً بخطوتها، أرسلت رسالة نصية إلى جسور تخبره فيها أنه لم يعد مضطراً لمرافقتها لتناول الغداء، فضلاً عن ذلك، سيستغرق وصوله إلى مبنى الابن ثلاثين دقيقة.
في كافتيريا الطلاب الصغار، اتجهت اسماء حاملةً غداءها، نحو أقصى زاوية حيث كان ياسر يجلس وحيدًا وكالعادة، كان الفتى يكتب على لوحة المفاتيح أثناء تناوله الغداء، جلست اسماء بهدوء في الجهة المقابلة له ووضعت غداءها على الطاولة وتناولته بهدوء.
استغرق الأمر عشر دقائق بعد أن أخذ ياسر استراحة من الكتابة حتى لاحظ أخيرًا أن شخصًا ما كان يشاركه الطاولة.
نظر حوله، كانت هناك طاولات كثيرة فارغة لأن الكافيتريا كانت واسعة جدًا، نظر باستغراب إلى اسماء التى كانت لا تزال تأكل بوجه خالٍ من التعابير.
بعد فترة، لم يعد ياسر يهتم بالأمر واستمر في القيام بمهام متعددة، انتهت اسماء أخيرًا من تناول الطعام، حدقت به وانتظرت حتى انتهى، عندما رأت أنه لم يعد هناك طعام في طبق ياسر تكلمت.
"سيد ياسر لقد كان من دواعي سروري تناول وجبة معك."
نظر ياسر إلى اسماء،كان يتساءل سابقاً عن سبب تناول هذه الفتاة الطعام معه.
يبدو أنها تحتاج شيئاً مني أو من والدي؟ لكن هذه الفتاة من عائله عدنان
قال ياسر وهو يطوي حاسوبه المحمول وينهض: "علاقتي بوالدي ليست جيدة في الوقت الحالي، لذا مهما كان طلبك، لا أستطيع مساعدتك"
وبينما كان على وشك المرور من جانبها، سمعها تقول:
"لم تكن حاجتي إلى معروف من والدك، بل منك ومن موهبتك."
توقف ياسر ونظر إلى أسماء، لم يكن ياسر يعرف عما كانت تتحدث عنه، لم يكن أحد يعلم سبب سوء علاقته بوالده في تلك الفترة، فقبل بدء الدراسة، أخبره والده أنه بعد تخرجه من الثانوية، سيُلحقه بالمدرسة العسكرية ليتدرب كجنرال مستقبلي، سائرًا على خطى والده، ولما سمع ذلك، أفصح له عن حلمه بأن يصبح مصمم ألعاب، غضب والده ودخلا في جدال، والآن، بعد مرور أسبوع، لا يزالان على خلاف.
باستثناء والده والخادمات المخلصات اللواتي استمعن إلى حجته أمام والده، لم يكن أحد يعلم بحلمه أو ما هو بارع فيه، من الخارج، لم يكن يبدو إلا كصبي ضعيف ينتمي لعائلة عسكرية ذات خلفية قوية.
لذا شعر بالحيرة عندما أرادت اسماء أن تطلب منه معروفًا، ماذا يستطيع فتى ضعيف مثله أن يفعل؟ بدون والده وخلفيته؟ظن أنه سمعها بشكل خاطئ.
أضافت اسماء بوجه صارم "إذا تعاونت معي، فسأساعدك في تحقيق أحلامك والأشياء التي تريد القيام بها".
التفت ياسر إليها أخيرًا، وحدق بها محاولًا معرفة ما إذا كانت تمزح، لكن وجهها الجامد الخالي من التعابير حال دون ذلك، عاد ياسر إلى الطاولة وجلس أمامها ثم سخر منها قائلاً:
"تسألني وكأنك تعرفين ما أريد، ماذا لو كان حلمي خوض حرب في الدول الغربية؟ هل ستساعدني في تحقيقه حينها؟ بدعم عائلة عدنان ربما تستطيع المساعدة في تعزيز القوة العسكرية ل عائلتى لكن ذلك لن يكون كافياً لكسب الحرب ضد الدول الغربية.
حدقت به اسماء وقالت
"هل هذا ما تريده حقاً؟ أن تقود الجيش، وأن يُطلق عليك لقب الجنرال ياسر ؟"
فوجئ ياسر، كان يعرف الإجابة بالتأكيد، لم يكن يرغب في الانضمام إلى الجيش، منذ صغره، لم يلعب قط بمسدس لعبة أو يلعب دور الجندي أو الشرطي، على حدّ ذاكرته، كان يلعب بجهاز الكمبيوتر في غرفته، لم يلعب قط بأي شيء سوى الأجهزة الإلكترونية والكمبيوتر. في سن التاسعة، كان يعرف كل جزء من أجزاء الكمبيوتر، تعلّم كيفية الاختراق، وإنشاء الفيروسات، وأشياء أخرى كثيرة، واستمتع بها جميعًا،لذا، كانت طفولته التي اعتبروها مملة وروتينية مليئة بالحياة بالنسبة له، حتى وإن لم يُكوّن صداقات في المدرسة الإعدادية، لم يكن يكترث، وحتى الآن، لم يكن يهتم بتكوين أي علاقات، كان مشغولاً بشؤونه الخاصة، كان يصنع عالمه الخاص، نظر إلى حاسوبه المحمول.
عالمه الذي بناه كان موجودًا، بناه عندما كان في العاشرة من عمره، لم يُجرِ عليه سوى بعض التعديلات الآن، لكنه كان يعلم أنه مستعد للمضي قدمًا نحو تحقيق حلمه.
حدّق ياسر ملياً في اسماء، لكنه ظلّ ثابتاً، إلا أن عينيه اللتين كانتا تختبئان خلف النظارات والشعر الداكن كانتا تشتعلان غضباً.
"إذن أخبريني يا آنسة ، بصفتي ابنًا لعائلة جنرالات ما هو حلمي إن لم يكن قيادة الجيش؟"
"إذا كان السؤال هو ما ستفعله في المستقبل، فأنا لست بحاجة إلى تعاونك، ما أحتاجه هو موهبتك وشغفك بها، أنا لا أطلب منك بصفتك ابن عائلة جنرال بل أطلب منك بصفتك ياسر ."
تفاجأ ياسر مرة أخرى، لم يفهم ما قصدته، سئم من السخرية، فسألها مباشرة.
"ماذا تريدين مني حقاً؟"
"تعاونكم."
"في ماذا؟" بدأ ياسر ينفد صبره، حتى مع جمال اسماء النادر، لم يكترث هو لذلك. فبالنسبة له، كانت أجهزة الكمبيوتر والأدوات الإلكترونية هي الأكثر سحراً.
ابتسمت اسماء في داخلها بدا الأمر كما لو أن ياسر قد تم استدراجه، وبدأ ينفد صبره الآن.
"حسنًا، سأخبرك مباشرةً، أنا بحاجة إلى مهاراتك وموهبتك في برمجة الكمبيوتر، أنا بصدد إنشاء شركتي الخاصة وأحتاجك كأحد شركائي"
"ها... هل تمزحين معي؟ تحدثي معي عن هذا الأمر مرة أخرى بعد تخرجنا من المدرسة الثانوية، وربما أستطيع التفكير في الأمر."
حاول ياسر النهوض مجددًا،لم تكن هذه الفتاة جادة، كيف لفتاة مدللة منذ صغرها أن تؤسس شركتها الخاصة في هذا العمر؟ كان الأمر مجرد لعبة بالنسبة لها، لكنه لم يكن بحاجة إلى ذلك.
ما كان يحتاجه هو مدرب محترف، شخص يمكنه مساعدته على تطوير مهاراته، ليجعلها تسديدة حاسمة.
بدأ بالابتعاد عندما سبقته اسماء، مرت بجانبه وأعطته بطاقة.
"حسنًا، سأعطيك هذا الآن، اتصل بي إذا غيرت رأيك."
كانت اسماء تقف على بعد خطوات قليلة منه عندما توقف ونظر إليها قالت
"سنة واحدة، سأمنحك سنة لتقرر وفرصة لإثبات نفسي، في العام المقبل، سأجدك وستعطيني جوابك."
قالت ذلك ثم انصرفت، نظر ياسر إلى البطاقة التي كانت في يده وتسايل داهله (إيهزي)
أسفل هذه الرسالة كان يوجد رقم هاتف وعنوان، حدّق بها في ذهول، هل كان لديها اسم لشركتها بالفعل؟حسناً، كان ذلك سريعاً.
لم يكن ياسر يعلم أن هذه الشركة بالذات كانت قائمة بالفعل في وسط المدينة مع عدد قليل من موظفيها، لم يكن يعلم أنه سيشعر بالسعادة في المستقبل لأنه احتفظ بهذه البطاقة.
عاد ياسر إلى فصله الدراسي بمفرده، لم تكن اسماء و ياسر يعلمان أنه في اللحظة التي سارت فيها اسماء إلى طاولة ياسر في وقت سابق، كانت هناك عيون بنية اللون تحدق بهما وتراقب تفاعلهما طوال الوقت بغضب
الفصل ٩
كانت الساعة تدق وتشير إلى الثانية، في هدوء الليل، كان يُسمع صوت دقات الساعة في غرفة واسعة مظلمة دقات منتظمة ، جلست اسماء على سريرها وجهاز الكمبيوتر المحمول على حجرها،كانت تتصفح موقعًا إلكترونيًا معينًا.
منذ أن أبرمت صفقة مع جدها، لم تضيع أي وقت، لم يكن أمامها سوى أربع سنوات لتوسيع شركتها، بعد تناولها الطعام مع جدها آنذاك، استذكرت جميع الشركات والمشاريع التي حققت نجاحًا في عالم الأعمال، بما في ذلك الشخصيات البارزة التي ستبرز خلال سبع سنوات، استغلت اسماء ولادتها الجديدة، لم تكن تهتم إن بدت وكأنها تغش.
كانت ستستغل كل شيء فيه،كانت ممتنة لأنها رغم عدم اهتمامها أو اتخاذها أي إجراء في مجال الأعمال، إلا أنها كانت تحرص على البقاء على اطلاع دائم.
كان من حسن حظها أنها تتمتع بذاكرة قوية، فبمجرد أن تقرأ أو تستمع إلى شيء ما، لا يُمحى من ذاكرتها حتى لو لم تُعرْه أي اهتمام، كانت تظن أن لديها ذاكرة فوتوغرافية.
عندما رأت شركة نفط تذكرت شيئاً، أخذت دفتر ملاحظاتها الصغير وكتبت بعض الكلمات، خرجت من الموقع الإلكتروني وقرأت بعض الأخبار.
"أُدين السيناتور لونغ في قضية فساد تتعلق بفتح منازل جديدة للمستوطنين غير الشرعيين!"
تم الكشف عن فساد كبير أمناء الدولة زيم! ويجري التحقيق مع 21 شخصًا متورطًا.
"فضيحة رئيس القضاة: ألماس مزيف؟ السكرتيرة شياو مي هي العقل المدبر"
موعد زواج فينسنت كو وكو لو: الشهر القادم؟
ابتسمت اسماء ابتسامة خفيفة، لقد وجدت ما كانت تبحث عنه، كتبت بعض الملاحظات في دفتر ملاحظاتها، بعد أن بحث عن المزيد، شعرت بالنعاس وقررت إنهاء يومه.
كانت ترتدي اليوم بنطال جينز بسيط، وقميصاً داخلياً أبيض، وسترة سوداء، وحذاء رياضي مطاطي، وقبعة،لم تكن هناك دراسة اليوم.
كانت تنظر إلى الهاتف الذي أعطاها إياه جسور . كانت تفكر فيما إذا كان ينبغي عليها الاتصال به وإخباره بأنها ستخرج وما إذا كان يرغب في مرافقتها.
بعد فترة، أعادت هاتفها إلى جيبها وقررت عدم الاتصال، كانت حياتها منفصلة عن حياة جسور في الوقت الراهن، فجميع مساعدي عائلة عدنان لا يُسمح لهم بالبقاء في قصرها إلا بعد بلوغهم الحادية والعشرين، لذا، لم يكن جسور مُلزماً بتلبية طلباتها. كما أنها أرادت له أن يعيش حياته كما يشاء، كان لديها شعور بأنه يُخطط لشيء ما، وكأنه يُحضّر لأمرٍ ما، كانت نظراته تُوحي بأنه لن يبقى حبيساً لعائلتها ومثلها، ربما كان يُقوّي نفسه.
"جسور... مع مرور الوقت... سأرتب أموري من أجلك، فقط انتظر، انتظرني."
ذهبت اسماء إلى سائقها ثم غادرت، في الطابق العلوي، كان رجل عجوز يتكئ على النافذة، ينظر إلى السيارة التي غادرت.
قال العجوز عدنان: "عزيز هل كلف أحداً بمتابعة اسماء؟ ابقَ بعيداً واحمها، لا تدعها تعلم، لا تقاطعها في أي من شؤونها."
"إن."
أجرى عزيز بعض المكالمات السريعة.
"سأبلغ ابني--" بدأ عزيز حديثه.
"لا داعي لذلك، لم يبلغ الحادية والعشرين من عمره بعد، دعه يتمتع بحريته الآن."
بعد فترة قال العجوز " هل تعتقد أن حفيدتي ستنجح؟ في غضون أربع سنوات فقط... كيف لها أن تجعل شركة أسستها بنفسها تصبح كبيرة في أربع سنوات فقط؟ هل من الممكن أن تنجح شركة أسستها فتاة في السادسة عشرة من عمرها، ناهيك عن نجاحها في أربع سنوات فقط؟"
أجاب عزيز: "لا أشك في الآنسة الشابة، الآنسة الشابة اسماء ذكية وموهوبة جدا، ومما رأيته من تلك الصفقة، فقد كانت مصممة جدا،ستنجح بالتأكيد."
"هاهاها! أثق بحكمك، هل تعلم لماذا وافقت على عرضها؟ بسبب تصميمها، بعد التفكير مليًا، بدا من المستحيل تحقيق هدفها، كانت لا تزال صغيرة، لكن هذا جيد، يمكنها أن تثبت جدارتها، إذا فاجأتني، فلن أحتاج على الأرجح إلى حفيد ذلك العجوز مهران بعد الآن، سيكون لديّ خليفتي الخاص." قال العجوز عدنان وهو شارد الذهن.
"لكن... ماذا عن اتفاقك مع عائلة مهران؟"
تجمدت ابتسامة عدنان العجوز عندما أدرك فجأة شيئاً ما.
"آه! لقد نسيت أن أذكر هذا الأمر للشيخ مهران اتصل به وأخبره أن يجد وقتًا لتناول العشاء معي، علينا أن نحسم هذا الأمر."
"لقد سمعت بعض الأخبار، قبل أيام قليلة، جاء حفيده إلى هنا من الخارج."
قال عزيز ملمحاً إلى شيء ما.
"كيف لي أن أنسى! هذا هو السبب الذي دفعني لإرسال اسماء إلى المدرسة. إذا علمت اسماء بهذا، فستظن أنني أخلّ بالاتفاق."
فهم عدنان ما كان عزيز يلمّح إليه، لقد أبرم صفقة قبل سنوات مع معران العجوز، رئيس عائلة مهران.
لقد رتبوا زواجاً لتوسيع أعمالهم والسيطرة على عالم الأعمال، تم اختيار حفيده، أول سلالة له، وحفيدته الأصغر كأداة في أيديهم.
صحيح أن الجد عدنان لم يكن يكترث لأي من أفراد عائلته، فإذا أحسنوا التصرف أبقاهم، أما إذا أحرجوه، قطع علاقته بهم دون تردد، لم يكن الجد عدنان يكنّ أي ودٍّ لأي من أبنائه أو بناته، ولا لأحفاده أو حفيداته، لكنه أبرم صفقة مع حفيدتها الكبرى، اسماء. وكان رجلاً يفي بوعوده، لكنه ايضا أبرم صفقة مع مهران العجوز، وكان حفيده موجودًا بالفعل في البلاد، يدرس في نفس مدرسة اسماء، كان يعلم ما يعنيه ذلك، اتخذ مهران العجوز خطوة الآن.
قال العجوز عدنان: "أحتاج إلى مقابلة معران العجوز في أقرب وقت ممكن، ربما ذكر ذلك لحفيده".
"حسنًا، سأستعد لذلك." امتثل عزيز
كانت سيارة سوداء متوقفة أمام مركز الشرطة، داخل مركز الشرطة، كان شاب وسيم يجلس أمام أحد ضباط الشرطة. وبجانبه كان يجلس رجل في منتصف العمر ذو بنية جسدية ضخمة، دخل رجل طويل القامة يرتدي بدلة الغرفة وهو يحمل حقيبة سفر سوداء.
"صباح الخير، أنا محامي السيد خالد اسمي احمد " قال الرجل الطويل وهو يصافح ضابط الشرطة.
قال المحامي في جملة واحدة: "مساء أمس، تحرش السيد سفيان بموكلي. أراد إقامة علاقة مع السيد خالد ليتمكن الأخير من الاستثمار في مشروعهما. لكن السيد خالد رجل مستقيم، ولم يرغب في ذلك، فرفض طلبه، مع ذلك، اعتدى السيد سفيان على السيد خالد بالضرب لولا النادل الذي كان يخدمهما، لكان السيد خالد قد تعرض للإهانة من هذا الرجل."
"كاذب! أنت تتحدث هراءً! أنا من تعرض للاعتداء من قبل السيد خالد!" قال الرجل الوسيم بغضب.
كان هذا الرجل الوسيم هو سفيان راغب الذي تم اتهامه بأنه الجاني، ضغط على أسنانه، لم يصدق أن هذا الوغد عديم الحياء سيذهب إلى هذا الحد.
لقد التقى بهذا الوغد قبل شهرين بسبب اقتراح مشروع، لم يكن ذلك الوغد سوى الرجل في منتصف العمر الموجود في الغرفة، السيد خالد.
كان السيد خالد يلح عليه لمدة شهرين.وهو ممثلاً لشركة استثمارية، أما هو، بصفته محاسباً في شركة النفط، فلم يكن له أي علاقة بتمثيل المشروع أمام المستثمرين.
لكن هؤلاء الحمقى عديمي الحياء، رؤساءهم، استخدموه لإغراء هذا الوغد، طُلب منه فقط تسليم الملف لأحد المديرين في غرفة الاجتماعات. لم يكن يعلم أنه يُضحّى به كقربان لهذا الوغد.
عندما ذهب إلى المكتب، لم يُخيّب آمال مديريه. لقد لفت انتباه السيد خالد بالفعل. كان هؤلاء الأوغاد يعلمون أن السيد خالد كان مُغرمًا بالشباب الوسيمين مثل سفيان إذا نالوا رضا السيد خالد بإعطائه مثل هذه الهدية، فسيوافق بكل سرور على اقتراحهم.
وكما هو متوقع، اقترح السيد خالد أنه إذا اعطاه ما يريد فسيكون من المضمون استثمار مقترح مشروعهما.
لكن سفيان كان رجلاً صاحب مبادئ، ولن يفعل مثل هذا الشيء المقزز أبداً، منذ صغره، عمل بجد من أجل نفسه، أصبح يتيماً عندما كان في السادسة عشرة من عمره، كانت الحياة قاسية عليه.
كان يعمل أثناء دراسته، أنهى دراسته الجامعية غارقاً في العرق والدماء، لم يكن ينام سوى ساعتين يومياً طوال تلك السنوات.
ظنّ أن حصوله على شهادة جامعية سيُسهّل عليه حياته، لكن بسبب مظهره، اكتشف صعوبة إيجاد وظيفة مناسبة، قبل التحاقه بشركة النفط، عمل في شركتين، طُرد من الأولى بعد أن لكم مديرها، كان غاضباً جداً حينها لأن ذلك الرجل العجوز كان يُضايقه، في البداية، لم يُبدِ أي رد فعل عندما كان يقرصه لكن عندما حاول لمس مكان خاص بجسده ووجّه إليه كلاماً بذيئاً ومقززاً، مثل رغبته في به، لم يتمالك نفسه ولكمه، ونتيجة لذلك، طُرد في اليوم التالي.
وفي الشركة الثانية، استقال، الآن، وقد بلغ الثالثة والعشرين من عمره، ظنّ أنه وجد شركة جيدة لا يتعرض فيها للمضايقة، كان يعمل فيها منذ عامين تقريبًا، ولذلك لم يصدق أن الشركة قد تفعل مثل هذا الأمر الشائن، لكن الحقيقة كانت أمامه، والآن، هذا الوغد الوقح خالد كان يحرف الحكاية!
الفصل ١٠
دخلت اسماء مركز الشرطة، جلست في منطقة الانتظار وانتظرت، بعد فترة، رأت رجلاً في منتصف العمر ورجلاً طويلاً يحمل حقيبة يخرجان من إحدى الغرف.
عندما فُتح باب الغرفة، لمحت شاباً بداخلها، عندما رأت الشاب، شعرت اسماء بالارتياح، لقد كان هدفها هناك، يبدو أن توقيتي كان مناسباً، انتظرت اسماء خروج الرجل. وبعد فترة، رأته يخرج واقتيد إلى سجن مؤقت، جلس على الأرض وكتفاه منحنيتان، شاهدته وهو يضرب الأرض بلكمة ويخفي وجهه بين يديه، سارت باتجاه السجن، فجأةً، اعترض أحد الضباط طريقها.
قال الضابط: "معذرةً، هل أنت تائه؟ لا ينبغي أن يكون القاصرون هنا".
أخرجت اسماء بطاقة هويتها من جيبها ومدّتها للضابط ليرى.
"أنا لست قاصراً."
حسناً، هي لم تكن كذلك في الواقع، لقد زوّرت هوية شخصية تدّعي أنها تبلغ من العمر 19 عاماً. على أي حال، لن يتحققوا منها، نظر ضابط الشرطة إلى البطاقة، وعندما رأى عمرها، نظر مرة أخرى إلى اسماء.
كانت اسماء أطول من الفتيات العاديات، إذ كانت تتمتع بساقين طويلتين، في سن السادسة عشرة، بلغ طولها 168 سم. لكن وجهها الشاب الجميل غير الناضج والبارد كان يوحي للآخرين بأنها في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمرها.
لكن لم يكن هذا ما ركز عليه الضابط، فبسبب ارتدائها قبعة، لم يتمكن من رؤية وجهها بوضوح. لكن عندما نظر إليها مليًا ليحدد عمرها، أسره جمال الفتاة الصغيرة، لم يرَ قط جمالًا يضاهي جمالها، كان فمه مفتوحاً من الدهشة، استغلت اسماء هذه الفرصة و كذبت بجرأة وقالت
"أحتاج فقط للتحدث مع أخي، كما تعلم، كانت والدتنا مريضة، وكانت تبحث عنه، يجب أن أخرجه قبل أن تموت والدتنا."
بدا أن ضابط الشرطة لم يلاحظ كذبتها أو صوتها الرتيب ووجهها الخالي من المشاعر عندما قالت تلك الكلمات.
أومأ الضابط برأسه وهو يحدق في وجهها الجميل، بدا وكأنه نسي أنه تلقى رشوة قبل قليل لمنع أي شخص من التحدث مع الرجل في الزنزانة.
سارت اسماء نحو الزنزانة، بينما كان سفيان لا يزال ينظر إلى الأرض.
نادته اسماء "السيد سفيان "
عندما سمع اسمه يُنادى بنبرة باردة ولكنها عذبة، رفع رأسه، ما رأته اسماء كان وجهًا فاتنًا، شعره بني ناعم كالحرير، وحاجباه البنيان المتناسقان، وعيناه السوداوان الجميلتان بلون الشوكولاتة، بنظرة كفاحٍ تُغطيها رموش طويلة كثيفة، وأنفه الطويل، وشفتيه الممتلئتين الشاحبتين نوعًا ما، المفتوحتين قليلًا، باختصار، كانت تنظر إلى جسدٍ كعارض أزياء.
أدركت الآن سبب معاناته في الحياة، كان جماله وجاذبيته، كان كطعام شهي يُغري كل من يشتهيه، لكن اسماء لم تتأثر، فقد اعتادت رؤية الجمال.
لطالما رأت جسور وزملاءها الأثرياء، كان سفيان ينظر إليها فقط، منتظرًا أن تتكلم، لم يستطع رؤية وجهها بوضوح، لكنه عرف أنها صغيرة في السن، مع ذلك، كانت غريبة عنه.
"سيد سفيان، أنا اسماء عدنان، جئت لأصطحبك، لكن بشرط"
عندما سمع ذلك، عبس وجهه وفكر (يا لهؤلاء الأوغاد!)
في وقت سابق، خسر أمام السيد خالد، لأن السيد خالد كان لديه محامٍي مع أن التهمة الموجهة إليه كانت الاعتداء والتحرش دون أدلة كافية، إلا أنه سيقضي عامين في السجن، بسبب ذلك الوغد وأمواله، سيبقى في السجن عامين رغم عدم كفاية الأدلة في القضية.
كانت الكفالة باهظة أيضًا، لم يكن لديه ما يكفي من المال لإخراج نفسه بكفالة، لم يكن لديه من يقترض منه لأنه لم يكن لديه أصدقاء، كان مشغولًا جدًا بتأمين لقمة عيشه لدرجة أنه لم يكن لديه وقت لتكوين صداقات.
كان يعلم أنه لا سبيل لإخراج نفسه، لكنه لن يرضي بشروطهم، تذكر ما قاله ذلك الوغد قبل أن يرحل.
((قال السيد خالد بنظرة شهوانية وهو ينظر إليه(لكنني رجل طيب، بما أنه لم يحدث شيء، فسأعيد النظر في الأمر إذا اعتذرت لي))
.كان يعلم ما يعنيه، لو فكّر في تنفيذ مراد هذا الحقير لسحب دعواه واعتبرها هدنة، مستحيل! يفضّل البقاء في السجن على إشباع رغبات ذلك الوغد، مجرد التفكير في الأمر يُشعره بالغثيان.
والآن، يُرسلون آخر لإقناعه بالاستسلام، هل حقًا يحتاج حيوانه الأليف إلى إشباع رغباته؟
نظر إلى اسماء بنظرة غاضبة وقال
"اخرجي! لن أصبح صديقًا لهذا العجوز المقرف! أفضل البقاء هنا!"
نظرت اسماء بهدوء إلى سفيان الغاضب، انتظرت حتى يهدأ قبل أن تُخرج شيئًا من حقيبتها وتُعطيه إياه، كان ملفًا. تحديدًا، عقدًا.
لم تكن اسماء بارعة في الكلام، تحدثت مباشرة. وإذا استمرت في الحديث معه الآن، فلن يفهم نواياها، لذا، فالكلمات المكتوبة هي الأجدى على الأرجح قالت
"أنا لستُ من أتباعه، اقرأ هذا، أمامك ثلاثة أيام لتقرر، سأعود بعد ثلاثة أيام."
ثم انصرفت بعد أن تركت له الملف، نظر سفيان إلى ظهر الفتاة، كان لا يزال غاضبًا، لكنه تمكن من تهدئة نفسه، نظر إلى الملف، على الأقل، كان لديه ما يقرأه لتمضية الوقت، بدا وكأنه قد استرخى قليلًا. فتح الملف، وفوجئ بمحتويات الوثيقة المكونة من عشرين صفحة،كانت مكتوبة بإيجاز وتفصيل.
قرأ العرض، والشروحات المفصلة، والشروط، وحتى هيكل الشركة المذكورة، ازدادت صدمته عندما قرأ عن منصبه في الشركة.
الرئيس التنفيذي سفيان
نظر بذهول إلى الاتجاه الذي خرجت منه الفتاة، وهمس (هؤلاء…) يبدو هذا الأمر رائعًا لدرجة يصعب تصديقها… لكن الوثائق هنا لا تكذب...من كانت تلك الفتاة؟!
خارج مركز الشرطة، في السيارة، رسمت اسماء علامة صح √ بجانب اسم سفيان.
كانت متأكدة من أن الرجل سيوافق، لم يكن لديه خيار آخر، وعرضت عليه عرضًا مغريًا سيغير حياته، وسيكون أحمق إن لم يغتنم الفرصة.
كانت اسماء تعلم أن سفيان يدرك أنه بعد قضاء فترة سجنه، سيواجه صعوبة في إيجاد وظيفة كمحاسب. سترفضه العديد من الشركات، ولن يوظفه أحد بسبب سجله الجنائي، لذا كان الخيار الوحيد هو قبول هذا العرض.
أرادت اسماء توظيفه في شركتها لأنه كان مليئًا بالإمكانيات، لم يكن مناسبًا لأن يصبح محاسبًا فقط، لو علم بما سيحققه بعد ست سنوات، لكان فخورًا جدًا.
في حياته السابقة، أصبح سفيان رجلاً متميزاً تتهافت عليه كبرى الشركات، حتى الشركات التي عمل بها سابقاً ندمت على تضييعها لموهبة نادرة.
في مصيره الأصلي، قضى سفيان عامين في السجن، وكما توقع، رُفض من قبل العديد من الشركات، ازدادت حياته صعوبة، كاد أن يعيش في الشوارع، لكنه ظل متمسكاً بكبريائه، حتى أن الكثيرين من الرجال والنساء تمنوا أن يكونوا مثله.
إلى أن عثر بالصدفة على مطعم متواضع يُدعى "ريستو". كان صاحبه رجلاً مسناً لطيفاً برفقة حفيدته.
تناول سفيان الطعام في المطعم، ولكن عندما همّ بالدفع، أدرك أنه لا يملك ما يكفي من المال، شعر بالحرج، فاقترح أن يغسل الأطباق، رفض الرجل المسن في البداية وأراد أن يعطيه الطعام، لكن سفيان أصرّ، في النهاية، غسل جميع الأطباق، ونظف المطبخ جيداً، بل وأصلح الفرن المعطل.
تأثر الرجل المسن كثيراً لرؤية سفيان يعمل بجد وإخلاص، عرض عليه وظيفة، فوافق سفيان بسعادة.
منذ ذلك اليوم، أصبح عاملاً متعدد المهام، ولأنه كان يعمل في وظائف متفرقة كثيرة خلال دراسته الثانوية والجامعية، لم يكن من الصعب عليه التأقلم، كان يطبخ، وينظف، ويصلح الأشياء، بل وأصبح محاسبهم ومديرهم.
بفضله، أصبح المطعم أكثر تنظيمًا، وابتكر العديد من الاستراتيجيات لجذب الزبائن،أطعمة جديدة، وخدمات جديدة، وأساليب مبتكرة، حتى توسع المطعم واكتسب شهرة واسعة.
في غضون خمس سنوات فقط، أصبح المطعم من أكثر المطاعم رواجاً في الصين، وقد أبدى العديد من المستثمرين الأجانب رغبتهم في توسيع نطاق المطعم في الخارج.
عندما نشر أحد مراسلي قسم الطعام مقالاً عن مطعم "ريستو"، اكتشفوا سفيان المدير الذي ساهم في نجاحه الكبير، وعندما كتبوا مقالاً عن قصته وكيف استطاع بناء هذا النجاح انطلاقاً من بدايات متواضعة، أصبح حديث الساعة، وتهافت العديد من الرؤساء التنفيذيين على توظيفه كمدير أو مساعد مدير، مقدمين عروضاً مغرية،لكنه ظل وفياً لصاحب المطعم، كان بحق يستحق لقب السيد سفيان.
لهذا السبب ازداد إعجاب اسماء به، لم يكن ناكراً للجميل، بل كان كفؤاً، مليئاً بالإمكانيات، مجتهداً، ووفياً جداً لمن أحسن إليه، رجلٌ نادر الوجود، لا بد أن هذا النوع من الرجال هو مثل حبيبها.
الفصل ١١
غادرت اسماء مركز الشرطة. وعندما استقرت في السيارة، اتصلت بالسائق.
"لنذهب إلى مستشفى الوعد."
نظر السائق إلى أسماء نظرة غريبة، كان في السابق فى مركز شرطة، والآن سيذهب الى المستشفى… ماذا بعد؟ مقبرة؟!
لكن لم يكن للسائق الحق في طرح هذا السؤال بدافع الفضول، لقد استغرب الأمر فحسب، لم يكن لدى ابنتهم الصغيرة أصدقاء، ولم تغادر منزلهم طوال ستة عشر عامًا، ولذلك كان فضوليًا للغاية ومتحمسًا لمعرفة وجهتهم.
عندما وصلوا إلى مركز الشرطة، ظن في البداية أن المكان الذي ستذهب إليه ابنتهم الصغيرة هو المنطقة المحيطة، ولهذا السبب شعر بصدمة كبيرة عندما دخلت مركز الشرطة!
كانت تراوده أفكار كثيرة جامحة، تخيلوا كم شعر بالرعب عندما سمع اسماء تقول إنهم سيذهبون إلى المستشفى، مستشفى؟!من كانوا سيزورون؟ ولماذا؟ هل للأمر علاقة بقضية مركز الشرطة؟؛السائق الذي استبدّ به الخيال أثناء القيادة، وصلوا إلى المستشفى، توجهت اسماء إلى مكتب الاستقبال، قالت "هل يمكنني الحصول على رقم الغرفة التي تقيم فيها السيدة رفيدة عثمان ؟ أنا صديق حفيدتها".
قالت موظفة الاستقبال وهي تسلم سجل الدخول.
"هل لي برؤية هويتك من فضلك؟ فقط للتأكيد، يمكنك الحصول عليها بعد تسجيل الخروج لاحقًا، ويرجى التوقيع هنا."
قدمت اسماء هوية مزورة أخرى، كانت مختلفة عن السابقة، في هذه الهوية، كل شيء مزيف، اسمها، سوزان عمرها، 20، إلخ. صورتها كانت صورتها بالطبع.
بعد بعض التذكيرات من الممرضة، حصلت أخيرًا على الرقم، شكرت الممرضة وذهبت للبحث عن غرفة رقم ٤٦٢عندما رأت الرقم أدخلته.
ما رأته كان أربعة أسرّة مشغولة بالمرضى. نظرت إلى السرير "ج".
كانت هناك امرأة عجوز في السبعينيات من عمرها مستلقية على السرير، وكان جهاز التنفس الصناعي موصولاً بفمها، عندما رأت اسماء هذا المشهد، أدركت أنها لم تتأخر بعد، شعرت بالارتياح.
ذهبت إلى الممرضة التي كانت تتحدث مع أحد المرضى.
"معذرةً، هل يمكنني مقابلة طبيب المريض الموجود في السرير (ج)؟"
نظرت إليها الممرضة "هل أنت قريبتها؟ الدكتور بيكين هو المسؤول، لكنه كان في منطقة كبار الشخصيات الآن."
قالت اسماء وهي تلمّح إلى نصف الحقيقة "إنها حالة طارئة، أعتقد أن جدتي هنا بحاجة إلى جراحة عاجلة، قال ابن عمي إن موعد جراحتها اليوم وإلا... أخشى ألا تنجو،حالتها تتدهور، هل يمكنك إنقاذ حياتها ؟"
صحيح أن السيدة العجوز، السيدة رفيدة كانت بحاجة إلى عملية جراحية في أسرع وقت ممكن، لكن ليس اليوم، فالقريب الحقيقي لم يكن موجودًا، لم يكن بوسعها اتخاذ القرار، أما السبب الثاني الذي دفعها لزيارة الطبيب فوراً فهو أنها لم ترغب في إضاعة الوقت، إذ كان لديها الكثير من الأمور التي تحتاج إلى إنجازها، شهقت الممرضة، لم تكن تعلم أن الوضع كان يهدد حياتها.
نظرت إلى العجوز في السرير (ج)، جهاز التنفس في فمها. لقد مرّت ثلاثة أيام منذ أن أتت العجوز إلى هنا، لكنها لم تستيقظ قط.
شعرت الممرضة بالخوف، فهي ممرضة، وإذا لم تفعل شيئًا ومات المريض بسبب إهمالها، فسوف تموت من شدة الشعور بالذنب!
قالت الممرضة بصوت مرتعش "حسناً يا سيدتي، من فضلك انتظري، سأبلغ مساعد السيد بيكين."
خرجت من الغرفة وركضت بجنون، هل تبعتها اسماء سراً؟ عندما رأت الممرضة (1) ممرضة أخرى (2) تسحب كرسيًا متحركًا عليه رجل عجوز، نادت عليها.
"مير!" توقفت الممرضة الثانية والتفتت نحو الممرضة الأولى.
قالت الممرضة مي بفارغ الصبر"كانير، ما الأمر مجدداً؟ هل يبحث مريض آخر عن الدكتور بيكين؟ لقد أخبرتكِ أنه في غرفة كبار الشخصيات الآن، ليس هو فقط، بل جميع رؤساء الأقسام مع المدير حميد موجودون هناك. ألا تدركين مدى أهمية الأمر؟ لا يمكن إزعاجهم."
كانت متعبة جيدا، لأن جميع المرضى والممرضات كانوا يسألونها عن مكان رؤساء الأقسام، لقد ندمت بشدة على مرافقتها للدكتورة بيكين في وقت سابق إلى طابق كبار الشخصيات. كانت الوحيدة التي دخلت هذا الطابق ورأت الوضع بالداخل، ولذلك كان الجميع يسألونها.
حسناً، لقد رأت شيئاً وشيئين، لكنها لم تستوعب الموقف حتى لأن المدير حميد طردها، وهي تفكر في المشهد الذي رأته سابقاً، لا يسعها إلا أن تكون في حالة ذهول.
قال الممرضة الاولى "مير! حياةٌ انسان على المحك هنا! ما عليك سوى الاتصال بالدكتور بيكين، لديه عملية جراحية اليوم."
قالت مي "إذا أزعجتهم، ستكون حياتي في خطر! ربما يمكنني الانتظار لوقت لاحق، سيستغرق الأمر ساعتين على الأرجح"
كانت تخشى أن تفقد وظيفتها إذا ذهبت إلى الغرفة.
لم تستطع الممرضة الاولى سوى أن تتذمر "كان طبيباً واحداً فقط، وهناك الكثير منهم، هل يحتاجون جميعاً إلى كل هؤلاء؟"
قالت مي بحماس"إنه شخص مهم يا عزيزتي، لكنني أظن أنه أكثر من ذلك، مستشفانا يُولي اهتمامًا خاصًا بالشخصيات المهمة منذ سنوات، لكن المدير حميد لم يسبق له أن اصطحب حشدًا من كبار الأطباء إلى قسم الشخصيات المهمة، خمسة أطباء فقط على الأكثر. أما اليوم، فجميعهم! لا بد أنه شخصية مرموقة حقًا!"
سألت الممرضة الاولى "من هو؟ رجل عجوز؟ ربما رئيس تنفيذي؟"
نظرت مي حولها، لم ترَ أحداً ثم انحنت أقرب إلى صديقتها و قالت وهي شاردة الذهن.
"ليس رجلاً عجوزاً، بل فتى جميل جداً، إنه مراهق، عندما رأيته لأول مرة، ظننت أنني رأيت ملاكاً، كان جميلاً جداً، حتى أجمل مني!"
قالت الممرضة الاولى "حقاً؟ أجمل من نجمنا جيان مو؟". كانت تعلم أن مي لا تعتبر سوى نجمهم جيان مو أجمل رجل في العالم، كانت الممرضة الاولى فضولية جدا لمعرفة رد مي.
"أجل! لو رأيته لكان أجمل من جيان مو عشر مرات! أوه... آسفة يا حبيبي جيان مو، ما زلت مخلصة لك، لقد انجذبت فقط إلى جمال حقيقي----" قالت مي في الهواء كما لو كانت تتحدث إلى حبيبها.
لم تسمع المنرضة الاولى ، تصريح مي المُعلن بحبها لنجمهم المفضل، كان جيان مو شخصية مشهورة، بل هو الرجل الذي تتمنى الفتيات بشدة ، ويحتل المرتبة الأولى في قائمة أجمل الرجال. باختصار، لا يوجد من يُضاهي وسامته، وعندما سمعت مي تقول إن الشاب الموجود في غرفة كبار الشخصيات أجمل من جيان مو بعشر مرات!
تألقت عينا الممرضة الاولى، لم تستطع تخيل مظهر الصبي، كانت تتوق بشدة لرؤيته، تخيلت بالفعل ذلك الفتى الوسيم الغامض وهو يبتسم لها ابتسامة رقيقة، وبينما تتخيل المشهد، ابتسمت بحلم كالمجنونة.
كاد الرجل العجوز الذي كان بينهما أن يتقيأ دماً، لو لم يكن مصاباً بالشلل لغادر هذا المكان على عجل.
عندما رأى الممرضتين منغمستين في عالمهما الخاص، لم يسعه إلا أن يلعن فى سره(هل أنا في حالة عقلية سيئة؟ هؤلاء الناس هنا مجانين! أريد العودة إلى المنزل!) لسوء حظه، لم يكن يستطيع الكلام، لذلك لم يسمعه أحد.
الفصل ١٢
راقبت اسماء حديثهما من بعيد، لم تستطع سماع حديثهما بوضوح، خاصةً عندما اقتربت مي من الممرضة الاولى لتتبادلا الأحاديث، اكتفت اسماء بمراقبة شفاههما من بعيد.
بحسب ما استطاعت أن تلاحظه، كان جميع الأطباء في غرفة كبار الشخصيات، من المحتمل أن يستغرق الأمر ساعتين، بدأت اسماء بالفعل في حساب الوقت الذي ستستغرقه إذا تمكنت من زيارة مكانين اليوم.
إذا استغرقت الزيارة ساعتين، فلن يكون أمامها سوى الانتظار حتى الغد لزيارة المكانين، استدارت عائدة وكانت على وشك النزول إلى الطابق السفلي في منطقة الانتظار عندما شعرت فجأة برغبة شديدة في تجربة حظها والعثور على الدكتورة بيكينغ، ربما يكون خارج الغرفة، ربما أستطيع التحدث إليه.
وبعد اتخاذها هذا القرار، توجهت إلى الطابق العلوي حيث يقيم المرضى من كبار الشخصيات، استخدمت الدرج لأنها كانت تعلم أنه بمجرد خروجها من المصعد في طابق كبار الشخصيات، سيأتي إليها حراس الأمن، بما أنها ستنتظر، فلماذا لا تحاول العثور على الدكتورة بيكين أولاً؟ ربما يحالفها الحظ، بعد صعودها إلى عدة طوابق، وصلت إلى طابق كبار الشخصيات.
وكالعادة، كانت هناك لافتات على الدرج تقول: "للموظفين فقط،يرجى التوجه إلى مدخل كبار الشخصيات للدخول."
تجاوزت اللوحة الإعلانية وسارت بهدوء، ألقت نظرة خاطفة حولها في الردهة الصامتة.
من بعيد، رأت حارسين شخصيين عند كل باب، في هذا الممر، لم يكن فيه سوى أربعة أبواب، لذا كانت كل غرفة واسعة، كان هناك ممر آخر بين البابين.
بما أنها لم ترَ الدكتورة بيكين في هذا الممر، فقد اضطرت للذهاب إلى ممر آخر، لكن المشكلة كانت أنها مضطرة للمرور أمام الحراس الأربعة الذين كانوا يوجهون البابين.
راقبتهم اسماء كان الحراس من الباب الأيسر يتحدثون فيما بينهم بصمت، بينما كان الحارسان من الغرفة اليمنى يقفان بوجوه صارمة.
بعد فترة، سُمع صوت جهاز لاسلكي من الحراس عند كل باب وبعد الرد، غادر الحراس الذين تلقوا الصوت وتوجهوا إلى الردهة الأخرى، لم يبقَ الآن سوى حارس واحد في كل غرفة،كان الحارس في الغرفة اليسرى يشعر بالملل لأنه كان وحيداً، اتجه إلى الباب الأيمن وتحدث مع الحارس.
رأت اسماء هذه الفرصة، إذا اسرعت الآن بينما هم منشغلون بالدردشة، ولم يكن هناك حراس في الغرفة الأقرب في الردهة، فسيكون من الممكن أن تمر دون أن يلاحظها أحد، لم تضيع اسماء أي وقت، وركضت إلى الممر التالي دون أن تلقي عليهم نظرة، لقد عبرت الممر التالي بأمان.
استندت إلى الحائط، كان قلبها لا يزال ينبض بسرعة بسبب الجري، لم تمارس الرياضة قط، لذا كان الجري والتسلل تحديًا كبيرًا بالنسبة لها.
شعرت اسماء بسعادة عارمة في حياتها السابقة، لم تفعل هذا قط، تذكرت مشهداً في فيلم أكشن حيث كان البطل يتسلل للحصول على ملف مهم.
تظاهرت بأنها جاسوسة، لقد أحبت هذا الشعور، كان قلبها ينبض بسرعة كبيرة من فرط الترقب، كانت تستمتع بوقتها بوضوح، لم يكن هناك حراس في هذا الممر، لكن كانت هناك كاميرات مراقبة في كل عمود، كان ذلك غريباً، يجب أن يكون هناك حراس هنا، أين هم؟ ومع ذلك، لم ترَ الشخص الذي أرادت رؤيته، لذا اتجهت إلى ممر آخر متجنبةً كاميرات المراقبة،كان الممر التالي مختلفاً، لأن مدخله كان مزوداً بباب زجاجي.
كان لدى اسماء فكرة عن الغرض من هذا الممر، لقد كان مخصصاً لكبار الشخصيات، وربما لم يكن يحتوي إلا على غرفة واحدة.
فتحت الباب ودخلت، ولأنها لم ترَ شيئًا في الردهة، تابعت سيرها إلى الردهة التالية، وبينما كانت على وشك الانعطاف يسارًا، اصطدمت بشيء ما، وبسبب قوة الاصطدام، ارتطمت مؤخرتها بالأرض. تأوهت من الألم.
"آسف..." عندما سمعت صوتًا خافتًا، رفعت اسماء رأسها، لكنها لم تتمكن من رؤية سوى ظهره وشعره الفضي.
كان الصبي طويل القامة، واستطاعت أن تخمن أنه في نفس عمرها، وكان يرتدي ثوب المستشفى.
كان الصبي يركض، لم تكن تعرف ممّا يهرب، ولم تُعر الأمر اهتمامًا، نهضت، لكنها سمعت فجأة صيحات مميزة،رأت عدة حراس يركضون باتجاهها (يا إلهي! كيف اكتشفوا ذلك؟!)
كانت اسماء حذرة جدا، حتى أنها تجنبت الحراس والكاميرات، لو كانت جاسوسة، لكانت جاسوسة بارعة، لم تكن تنوي أن يتم القبض عليها أصلاً.
إذا تم القبض عليها فسيكون الأمر إشكالياً، سيتم التحقيق في هويتها وسيكتشفون أن هويتها مزورة.
إذا انكشفت هويتها، فمن المؤكد أن الرجل العجوز سيغضب وقد ينقض اتفاقه معها.
بعد أن أدركت ذلك، استدارت وركضت، كانت لا تزال ترى ظهر الصبي ذي الشعر الفضي، فتبعته. ولأنها لم تكن تعرف إلى أين تركض، فقد تبعت الصبي الذي بدا وكأنه يعرف الطريق جيدًا، عندما كان ينعطف يسارًا، كانت تنعطف يسارًا، وعندما كان يدخل من باب صغير، كانت تدخل هي الأخرى، وعندما كان يركض صاعدًا الدرج عبر مخرج الطوارئ، كانت تتبعه أيضًا.
لم يكن الصبي ذو الشعر الفضي يعلم أن اسماء كانت تهرب أيضاً و يتبع طريق هروبه، وصل إلى سطح المبنى وركض نحو السور، تسلق أعلى السور ووقف هناك.
فتح الفتى ذو الشعر الفضي ذراعيه على اتساعهما وأغمض عينيه، بدا وكأنه يريد القفز في أي لحظة.
وصلت اسماء إلى سطح المبنى، ولما رأت المكان، لعنت في سرها، كيف لم تنتبه إلى أنهم يركضون إلى الطابق العلوي! كان عليها أن تركض إلى الطابق السفلي!كانت على وشك العودة عندما سمعت صيحة.
قال الفتى الفضي بحزن شديد«لماذا تحتقرني كل هذا الحقد وتلعن مصيري؟! أين المكان الذي يجب أن أموت فيه؟ في قصره؟ عند قبر أمي؟ عند منزل أخي الأكبر؟ أم هنا؟ الرجل الذي كنت أناديه أبي قتل أمي. الرجل الذي كنت أثق به أراد موتي! أكرههما كليهما! هل سيمنحهما موتي تلك المتعة؟ لو كان الأمر كذلك، لفضّلت أن أموت وأنا أفضح ذنوبهما العظيمة!»
استدار اسماء فوجدت الصبي واقفاً على قمة السور، كانت عيناه لا تزالان مغمضتين، والريح تجعل ثوب المستشفى يرفرف، وذراعاه ممدودتان،وجدت اسماء هذا المشهد مسلياً، لقد ذكّرها بالخطب التي كانت تشاهدها عندما كانت طفلة.
عندما لم ينطق الفتى ذو الشعر الفضي بكلمة أخرى، اقتربت اسماء منه ونظرت إلى الأسفل. كان مبنى المستشفى يتألف من 36 طابقًا. تساءلت ،لو قفز الفتى ذو الشعر الفضي ومات، هل كان سيشعر بأي ألم؟ أم مجرد ألم خفيف قبل أن يموت؟ كان فضولها شديدًا، لكن مع ذلك، وبهذا الارتفاع الشاهق، لن ينجو جسده .
"هذا سيؤلم." تمتمت لنفسها.
لكن الفتى الفضي سمع الصوت بوضوح، ففزع لوجود شخص بجانبه، وبسبب صدمته، تذبذبت وقفته وانزلقت قدماه، حاول أن يوازن نفسه كي لا يسقط، لكنه فشل.
عندما انزلقت قدماه، شعر الفتى الفضي برعب شديد، لم يسبق له أن شعر بهذا الرعب من قبل، لم يكن يخاف المرتفعات أبدًا، فقد اعتاد على ذلك، لكن عندما رأى أنه على وشك السقوط، شعر برعب شديد من الارتفاع، كان متأكدًا من أنه سيموت!
"سأموت."
لكن تمكن من التشبث بالدرابزين، كانت قدماه معلقتين في الهواء كان يبذل قصارى جهده للتشبث بالدرابزين، صر على أسنانه، كان خائفًا حقًا، كان مرعوباً، كاد أن يلقى حتفه.
لم يتخيل قط أنه سيشعر بهذا القدر من الخوف، لو لم يتمسك بالحياة لكان قد رحل الآن، شعر بالمرارة والألم عندما ظن أنه سيرحل قبل ذلك.
قالت اسماء بنبرة باردة وغير مبالية "ظننت أنك تريد الموت؟ لماذا غيرت رأيك؟"
لكن الحقيقة هي أن اسماء شعرت بخوف شديد عندما كاد يسقط، حتى أنها ركضت نحوه لتمسك بيديه، تنفست الصعداء بارتياح لأنه تمكن من التشبث بالدرابزين، لكن وجهها ونبرة صوتها يرويان قصة مختلفة.
رفع الفتى ذو الشعر الفضي نظره إلى اسماء، لم يستطع رؤية وجهها بسبب القبعة، لكنه استطاع سماع صوتها القاسي، فمر فى نفسه (كيف يمكن لفتاة أن تكون بهذه القسوة؟! إنها قادرة على تحمل رؤيتي أموت هنا، ثم تذكر أن لديه أبًا مستعدًا لقتل أي شخص، حتى أقربائه، طمعًا في السلطة، وأخًا يخون أخاه الأصغر ويسممه حتى الموت لمجرد التخلص من منافس محتمل، شعر بمرارة في فمه، هذا العالم وسكانه لا يرحمون) عندما استوعب عقله كلمات اسماء ضحك، كانت هذه الضحكة تحمل في طياتها مرارته، وألمه، ويأسه، وكراهيته.
كمل فى تفكيره (صحيح، كم مرة حاول الانتحار؟ كان يريد الموت، لطالما أراده، ولهذا السبب لم يتوقف عن شرب السم الذي أعطاه إياه أخوه،لقد ضحى بحياته بالفعل، لكن عندما كاد أن يلقى حتفه في وقت سابق، لم يكن لديه سوى فكرة واحدة، كان يريد أن يعيش)
© جميع الحقوق محفوظة - أسماء ندا
الانتقال الى الفصول القادمة اضغط هنا 👇👇
