عهد الحب
بقلم أسماء ندا
الفصول ١ / ٢ / ٣/ ٤/ ٥/ ٦
الفصل ١
فى ظلام الليل اختفى القمر خلف عتمة الضباب والغيوم، وامتلأت الأجواء الممطرة بدوى الرعد
تحت مظلة ذلك المطر الغزير، وضح ذلك المشهد المأساوي.
في وسط الطريق، كانت السيارات السوداء مفتوحة ومهجورة، وتناثرت الجثث حول السيارات.وسط الدماء والأسلحة، جلست سيدة جميلة على الطريق ورجل ملطخ بالدماء تضم رأسه بين ذراعيها وتختلط مياه المطر ودموعها .
فستان زفافها الجميل ملطخ بالدماء، شعرها الأسود الطويل اللامع، المنسدل من الكعكة، ينساب بحرية على كتفيها الشاحبين، حتى مع تغطية جسدها بالدماء والمطر، لم يستطع ذلك إخفاء جمالها الفاتن.
على وجهها القاسب واللامبالي المعتاد، بدت مشاعر نادرة الظهور ملتصقة بها وهي تجذب الرجل الى صدرها اكثر ، كان الخوف والذعر والقلق والارتباك والإرهاق واليأس كلها أموراً ظاهرة.
انهمرت دموعها بتناغم مع المطر، لم تبكِ قط هكذا في حياتها كلها،ولا في جنازة والديها، او عند وفاة جدها، كانوا جميعهم لا يهتمون بها،
لكن هذا الرجل... هذا الرجل الذي جعل قلبها ينبض، والذي جعلها تبتسم، وتضحك لأول مرة، وجعلها تشعر بأنها مرغوبة، ثمينة، ومحبوبة… الرجل الذي يُضفي "الحياة" على حياتها الفارغة و المملة ،هذا الرجل الذي يملك قلبها وحياتها بالفعل.
لا تعلم ماذا ستفعل إذا مات ، كيف سوف تعيش، لا تستطيع حتى تخيل الأمر صرخت بأعلى صوتها
"لا... جسور ...... لا تتركني... ابقَ مستيقظاً..."
أمسكت السيدة بالرجل بإحكام ولطف بينما هو حاول أن يفتح عينيه حتى مع تغطية جسده بالدماء وشعره المبلل، لم تخفِ ملامحه الجميلة. عيناه اللتان كانتا دائماً حادتين، قاسيتين ومليئتين بالحيوية، أصبحتا الآن خافتتين وغارقتين في الذهول.
حاول أن يرى المرأة الجميلة التي أقسم بحياته على حمايتها ورعايتها ومحبتها، كافح ليفتح عينيه ويستيقظ، لكنه لم يستطع رؤية وجهها بوضوح، مدّ يده الملطخة بالدماء نحو وجهها ولمس ملامحها الجميلة، ثم بدأ يسترجع ذكريات الماضي. قل بصوت متقطع يخرج مع تنهيدة الألم
"اسماء ... هل تتذكرين عندما التقينا لأول مرة؟ عندما رأيتكِ... لقد أسرتِ قلبي... منذ ذلك اليوم... مهما فعلتُ لأمنع مشاعري من النمو... لا أستطيع إلا أن أحبكِ وأن اتمنى ان تكوني لي... يجب أن يكون هذا عقابي... على أنانيتي... أنا عاجز... عن تعريض حياتكِ للخطر... يجب أن تعيشي في رغد، حياة مثالية، ولا أستطيع أن أمنحكِ إياها... سامحيني..." .
قالت بين دموعها "لا... لا... لقد فعلت كل ما بوسعك لإنقاذي. لا أندم على الهروب معك... لا أستطيع العيش مع ذلك الوحش، الشيء الوحيد الذي أندم عليه في هذه الحياة هو كبت مشاعري تجاهك، كان يجب أن نستمتع بتلك الأوقات... الأوقات التي قضيناها معًا... دون اكتراث للعالم... لأنني ضعيفة، لا أملك القوة الكافية لحمايتنا معًا... لو أصبحت قوية، لما استطاعوا التفريق بيننا أو إيذائنا... إنه خطئي... لأنني ضعيفة جدًا..."
ازداد بكاء اسماء عدنان، لم تخبره بهذا من قبل، ولم تخبره بما تشعر به حقًا وكيف تشعر تجاهه سابقا حاول جسور أن يتماسك ويمسح دموعها.
"ماذا تقولين ... يجب أن أكون أنا من يحميك... لأنني ولدت أدنى منك، لم تكن لدي القدرة على أن أكون معك......"
سعل ونزف من فمه المزيد من الدم ثم قال
"في الحياة القادمة إذا التقينا، سأقع في حبك مرة أخرى بالتأكيد"
قالت اسماء بثقة "في الحياة القادمة، سأكون قوية وأتمسك بكل لحظة نقضيها معًا، سأعبر لكِ عن كل حبي... ولن أندم أبدًا..."
لم تكن بهذه العزيمة من قبل، لكن في النهاية، فات الأوان، لو مُنحت فرصة ثانية، لفعلت كل ما في وسعها لمنع حدوث هذا، ستتحدى اى شئ.
رأت أن عينيه بدأت تخفت وأن تنفسه أصبح أبطأ، راقبت عينيه وهما يغمضان ويتوقفان عن التنفس.
همست بألم يقطع قلبها "لا أستطيع العيش بدونك... انتظرني... سنكون معاً قريباً..."
استمر المطر الغزير بالهطول بلا انقطاع، حدقت اسماء في جسد جسور الهامد، كانت عيناها خاليتين من الحياة، وتوقف قلبها في اللحظة التي مات فيها الرجل.
رفعت نظرها ببطء إلى السماء المظلمة، استلقت هناك تفكر في حياتها المأساوية، لقد كانت تملك ثروة، كانت تتمتع بالذكاء كانت تتمتع بالجمال، كان لديها خطيب وسيم، تبدو الحياة مثالية بالنسبة لها ،هذا ما قالوه، هذا ما يعرفونه، لم يكونوا يعلمون انها كانت يتيمة، لم تختبر حب والديها قط حتى عندما كانا على قيد الحياة، كان لها جدٌّ قاسٍ لم يرحمها، بل استغلها كأداةٍ لتوسيع تجارته، ودبّر لها زواجاً من رجلٍ متخفٍّ في زيّ أمير، كان لديها شخصٌ متآمر وأقاربٌ أشرارٌ يطمعون بها كالذئاب، مستعدون للانقضاض على ثروتها.
وماذا عن الثروة؟ وماذا عن لقبها عدنان ؟ لا يمكن الاستفادة منهما، لقد كانا مجرد زينة شائكة، جمالها؟ ذكاؤها؟ لا يمكن الاستفادة منهما... لقد كانت مجرد دمية ونموذج للعرض يستخدمه جدها.
لم تصبح على طبيعتها قط، ولهذا السبب أصبحت قاسية ، غير مبالية، ولم تنفتح على أحد، حتى جاء...
نظرت إلبه وداعبت وجهه البارد برفق.
أصبح نورها، لم تكن تُبالي به في البداية، ولم تُلقِ عليه نظرةً من قبل، ظنًا منها أنه مجرد أداةٍ وضعها جدها بجانبها، لكنه كان مختلفًا، كان يهتم لأمرها، حتى وإن لم تنظر إليه، كان يُذكّرها بلطفٍ، ويُقدّم لها النصائح، ويُشجّعها، ويُحذّرها من تجاوزات المُعين، عندما تآمر العالم ضدها، كان هو الوحيد الذي وقف بجانبها بصبرٍ، يُوفّر لها الراحة والحماية والحب، لقد جعلها تشعر بالحب، كان هو الشخص الوحيد في حياتها الذي لم تندم أبداً على معرفته، والآن رحل أغلى ما تملك، لقد رحل.
أغمضت اسماء عينيها وبقيت بجانبه وهي تمسكه بحنان، لم تشعر بالبرد ولا بقطرات المطر الغزيرة التي كانت تلسع جلدها، لساعات، لم تتحرك، لم تسمع حتى صفارات الإنذار والصيحات، وبينما كان تنفسها يضعف، همست.
"لن أكون ضعيفاً مرة أخرى... ولن أضيع وقتنا الثمين مرة أخرى... أعدك... في الحياة القادمة... سأحميك... وسأحبك..."
اقتربت الشرطة من السيدة التي كان الرجل ممددا بين زرعيها ، حاول التحدث معها ولاحظ شيئًا ما، تحسس نبضها وقال...
"يا لها من مأساة... الجميع ماتوا هنا."
شهدت السماء المظلمة المشهد المأساوي، ودوى الرعد مرة أخرى.
الفصل ٢
مع دوي الرعد من بعيد، واصوات هطول أمطار غزيرة كان الصباح قد حلّ، لكن الغيوم الداكنة حجبت الشمس، فأظلمت الأجواء، استيقظت فتاة من قصر عائلة عدنان وجلست منتصبة.
كان وجهها شاحباً ومتعرقاً، كان قلبها ينبض بسرعة كبيرة، نظرت حولها، عرفت مكانها، لكنها لم تصدق ما تراه.
شعرت بالذهول لبرهة، ثم أدركت شيأ، فنهضت وركضت نحو غرفة ملابسها، وقفت أمام المرآة الطويلة، ولمست وجهها وهى تفكر
(لا يُعقل... كيف أصبحت شابة؟! هل كل هذا حلم؟... لكنه بدا حقيقياً)
كان وجهها مليئاً بالذهول، لا تزال بشرتها شاحبة شفافة، وكأنها لم تتعرض للشمس قط، شعرها الأسود اللامع الطويل يصل إلى خصرها، لا تزال عيناها داكنتين باردتين فارغتين، تحميهما رموشها الطويلة المجعدة، وحاجباها الرقيقان، وأنفها المستقيم الذي يثير حسد بنات عمها، وشفتيها الحمراوين الرقيقتين اللتين لا تنطقان إلا بكلمات قليلة، وذقنها المدبب، ووجهها الصغير على شكل قلب، كل ذلك لم يتغير، إلا أنها تبدو أصغر سناً، كزهرة لم تتفتح بعد، الفتاة التي في المرآة تتمتع بقوام أنثوي مثالي، صدر ممتلئ، خصر نحيل، وساقان طويلتان، حتى وإن بدت في سن المراهقة، إلا أنها لا تزال قادرة على جذب أنظار رجل بالغ.
لكن هذا ليس ما ركزت عليه الفتاة، خرجت مسرعة من غرفتها وأحضرت خادمة وسألتها
"ما هو تاريخ اليوم؟"
تفاجأت الخادمة من تصرفها المفاجئ، لأن الفتاة التي أمامها لم تتحدث إليهم قط، ولم تطرح عليهم أي سؤال، إنهم يعرفونها فقط بالفتاة اللامبالية، الفتاة التي تعيش وحيدة في عالمها.
سألت مجدداً بنبرة يائسة بعض الشيء "ما هو تاريخ اليوم؟"
لكن الأمل كان واضحاً في عينيها، صُدمت الخادمة مرة أخرى، لم ترَ قطّ الفتاة الصغيرة تُظهر أيّ انفعال، لكن أمامها بدت الفتاة في غاية التواضع، واليأس بادٍ في صوتها،شعرت الخادمة وكأنها فازت بجائزة كبرى فكرت بنفسها (لقد كانت تجربة لا تتكرر في العمر! لقد تحدثت إليّ الشابة وانفتحت لي…)
شعرت الخادمة برغبة في البكاء، لكن عندما شعرت بأن ذراعها تُمسك بقوة أكبر، تذكرت أن تجيب قالت الخادمة "يا آنستى الصغيرة... اليوم هو الرابع من يونيو".
"لا... أقصد... في أي عام؟"
(لماذا سألت الآنسة الشابة هذا السؤال؟) قالت الخادمة بتردد "ماذا؟!... 2011؟"
صُدمت الفتاة. ورددت "2...2011؟!"
نظرت إلى الخادمة بعيون واسعة وقالت "إذن سأبلغ السادسة عشرة هذا العام؟!"
شعرت الخادمة بالذهول أيضاً، الفتاة الصغيرة مصدومة! عيناها متسعتان!
بدت الخادمة وكأنها ترغب في تدوين هذا المشهد في مذكراتها الآن، لتضيفه إلى أكثر لحظات حياتها التي لا تُنسى.، لقد رأت اليوم تعابير وجه الفتاة الشابة الجامدة، حتى أن زلزالًا أو انفجارًا لم يستطع أن يؤثر في رباطة جأشها فكرت الخادمة فى نفسها
(سأتباهى بذلك أمامهم لاحقًا، هاهاها)
«جسور؟ أين هو؟» قاطعت تصرفات الفتاة الخادمة من شرودها.
«من هو جسور يا آنسة؟»
نظرت إليها الخادمة باستغراب، لا يوجد اى شخص يدعى جسور في منزلهم، تعرف الخادمة أسماء جميع أفراد الأسرة، من الخادمات إلى الحراس الشخصيين.
عند سماع هذا، شعرت الفتاة بالحيرة والخوف والذعر، اقتربت خادمة أخرى، وانحنت وقالت:
«آنسة... حمامكِ جاهز، الزي الرسمي موجود على سريركِ.»
«الزي الرسمي؟» سألت الفتاة.
« اجل... من معهد TIHS...»
صُدمت الفتاة مرة أخرى، ركضت إلى غرفتها ونظرت إلى زيها الرسمي، تبادلت الخادمتان النظرات في حيرة، كلتاهما تعتقد أن آنستهما غريبة الأطوار، حملت الفتاة زيها الرسمي في الغرفة.. فكرت
(إنها نفسها... نفس المدرسة... ليس حلماً... إن لم يكن حلماً... فماذا يكون إذن؟ هل حدث هذا حقاً؟ أم أنني تجسدت من جديد؟ أم أنني سافرت عبر الزمن؟ إنه جنون…)
لم تكن الفتاة سوى اسماء عدنان الابنة الكبرى لعائلة عدنان.
بعد لحظة، أشرقت عيناها فجأة زهى تفكر (ستة عشر... الرابع من يونيو... أول يوم دراسي... هذا هو اليوم... اليوم الذي قُدِّم فيه جسور لى"
بهذه الأفكار، ركضت إلى حمامها، دون أن تُلقي نظرة على حوض الاستحمام بالماء الدافئ والورود، وفتحت الدُش.
أغمضت عينيها، وتجولت أفكارها في زمن حلمها، أو ربما حياتها الماضية، لم تكن متأكدة، بدا الأمر واقعياً جدا، هذه المرة، جدها لا يزال على قيد الحياة، بعد وفاة جدها، بدأ الخطر المحدق بها.
يُدبّر لها قريبها المكائد، ويكشف خطيبها عن حقيقته، جُرِّدت من ثروتها وميراثها وشركتها.
كل شيء سيبدأ بعد عامين، إن كانت قد سافرت حقًا من المستقبل إلى هذا الماضي، فعليها منع ذلك، أو عليها الاستعداد، هذه فرصتها الثانية، منحتها السماء فرصة ثانية، لكي لا تندم على شيء في حياتها. ستستغل كل ما تملكه ـ ثروتها، ذكاؤها، جمالها واخيرا لقبها عدنان- هذه المرة ستصلح كل شيء.، ردد بهمس (لن أكون ضعيفة مرة أخرى، لن أضيع وقتنا الثمين مرة أخرى، أعدكِ، في الحياة القادمة، سأحميكِ، وسأحبكِ"
رنّت كلماتها الأخيرة بوضوح وقوة في أذنيها،كان صوت الماء من الدش كقطرات المطر الغزيرة في تلك الليلة، كان صوت القطرات وبرودتها مألوفين لها.
فتحت عينيها، فزالت الفراغ وحلّت محلها حدة وعزيمة، رحلة أسماء القديمة و وُلد اسماء من جديد عاهدة نفسها
"لن يتكرر هذا أبدًا..."
الفصل ٣
اعتادت اسماء أن تستحم لمدة ساعة، لكن هذه المرة استغرقت عشر دقائق فقط،دون أن تستدعي الخادمات، ارتدت زيها الرسمي، ومشطت شعرها بنفسها تاركةً إياه ينسدل بحرية على ظهرها، ودون أن تضع أي مساحيق تجميل، نزلت الدرج مسرعة.
كانت الخادمة التي من المفترض أن تخدمها تتبادل الأحاديث في المطبخ.
سألت الخادمة رقم 1: "مهلاً... هل رأيتم السيد عزيز اليوم؟"
قالت الخادمة الثانية"لا. لماذا؟ أنتِ تعلمين أنه يجب عليكِ التوقف عن التفكير في السيد عزيز، ألا ترين أنه لا يراكِ أبدًا؟ ربما لا يعرف اسمكِ!".
استهزأت الخادمة الأولى.
"كفى! يجب أن تعلم أنني لن أستمع إليك، من لا ترغب بالزواج منه؟ حتى لو كان لديه ابن، فهو لا يزال وسيماً جدا! وبالطبع هو أغنى رجل بيننا فهو يعمل تحت إمرة عدنان!.بالحديث عن ابنه، لقد رأيتهما اليوم! ابنه أجمل بكثير من والده!"
ردت الخادمة الثانية"مهلاً! لا تقولي لي إنكِ ستغوينه؟ أنتِ عجوز شمطاء بالفعل! اتركي الأمر لنا، نحن الفتيات الجميلات."
عند سماع هذا، لم يسع اسماء إلا أن تتخيل مشهداً حيث كان جسور محاطاً بخادمات جميلات، ويظهر ابتسامته اللطيفة المعتادة لها و للخادمات، شعرت بعدم الارتياح في قلبها،كان لدى الملك جسور فتاة بجانبه يحبها ويحميها، كان هناك شعور لا يوصف، جعل قلبها مثقلاً، كان هذا الشعور أشبه بشوكة رفيعة تخدش قلبها مما يسبب لها بعض الألم.
لكنها وعدت ألا تكون ضعيفة بعد الآن…(في هذه الحياة، سأفعل كل شيء لأجعل جسور يحبني مرة أخرى... لأكون معه في النهاية)
حتى هو لديه حبيبة. سأنتزعه منها.
"جسور ... في الماضي بقيتَ بجانبي وأحببتني سرًا... هذه المرة... سأعبر لك عن مشاعري بكل جرأة."
بعد أن تحلّت بالشجاعة، خطت خطوة أخرى وسعلت بصوت عالٍ. ثم نظرت ببرود إلى الخادمة الثانية وقالت:
"عن ماذا تتحدثون؟ إذا سمعكم جدي، فلن يسمح لكم بالتأكيد بالتوجه إلى قصر عزيز مرة أخرى، ولن يسمح لكم برؤية من تريدون رؤيته."
مرت وكأنها لم تنطق بكلمة، بينما بقيت الخادمات فاغرات أفواههن.
"الـ...الآنسة الشابة...تكلمت...تكلمت!"
(ملاحظة: بالطبع هي تستطيع الكلام، فهي ليست خرساء)
لم يبدُ أنهم يركزون على حقيقة أن الآنسة الشابة قد حذرتهم.
جلست اسماء على كرسيها المعتاد على مائدة الطعام، لقد أتت مبكراً عن المعتاد، وبينما كان الطعام يُقدّم، كانت الخادمات يُلقين عليها نظرات خاطفة، لقد أتت سيدتهن الشابة مبكراً اليوم. ما أثار قلقهن هو جلوسها هناك بلا حراك، دون أن ترمش، بوجهها البارد المعتاد الخالي من التعابير، لولا حركة صدرها الخفيفة، لظنّها الناس تمثالاً جميلاً.
كانت اسماء تنتظر جدها، في الحقيقة، كانت تكتم حماسها وقلقها للقاء جدها مجدداً بعد خمس سنوات، وهي آخر مرة رأته فيها.
حتى هي لم تكن تربطها علاقة وثيقة بالرجل العجوز، فقد كان لا يزال وصيًا عليها،وحتى الرجل العجوز كان يراها مجرد أداة في يده، لكنه لم يدبر لها مكيدة قط، خطئه الوحيد كان اختياره ذلك الوحش زوجًا لها عن أرادت أن تقول أشياء كثيرة للرجل العجوز، كراهيتها وشكرها، لكن عندما رأت الرجل العجوز يسير نحوها، علقت كل الكلمات في حلقها.
كان الرجل العجوز لا يزال يتمتع بهالة التسلط التي بدت وكأن هناك لقباً مكتوباً على جبهته (أنا ملك، انحنوا لي أيها العامة)ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم وقفت وانحنت باحترام لجدها.
قالت اسماء "صباح الخير يا جدي، هل نمت جيداً الليلة الماضية؟"
لا تزال تتذكر تحيتها المعتادة كل صباح، نظر إليها جدها ومرّ بجانبها وهو يقول بلا تعبير: "ستقابلين ابن عزيز اليوم، مساعدك."
وتبعه عزيز والد جسور .
نظرت اسماء خلف ظهرها، كانت ترغب برؤية جسور، ولما لم تره، انتابها القلق.(أين عزيز؟ هل ما زال هو نفسه عزيز؟ هل عاد بالزمن ايضا إلى هنا أيضاً؟)
قال جدها وهو يلفت انتباهها إليه: "يا عزيز ، ادعي ابنك ليأتي ويأكل معنا".
"اجل يا سيدي ، جسور، اخرج وقدم نفسك للآنسة الصغيرة اسماء" قال عزيز وهو ينظر إلى مكان فارغ ، هبط ظل طويل، ثم نهض وانحنى بزاوية تسعين درجة.
قال جسور دون أن يرفع رأسه "أتعهد بالولاء لعائلة عدنان وسأكون مساعداً موثوقاً للآنسة الشابة اسماء"
كان شعره الأسود، ذو الأطراف المجعدة قليلاً، يغطي وجهه، شعرت اسماء وكأن الزمن قد توقف، توقفت عن التنفس، وتوقفت عن التفكير، وحدّقت به دون حراك.
هيئته، قامته الطويلة، كل شيء فيه، أرادت أن تنقشه في ذاكرتها، أرادت أن ترى وجهه، وأن تداعب ملامحه وهي تعلن حبها الذي لم تُتح لها الفرصة لقوله له في تلك الحياة، لقد اشتاقت إليه بشدة لدرجة أن قلبها توقف عن النبض.
لم يلحظ جسور أي رد، فألقى نظرة خاطفة خلف شعره، لم يجرؤ على رفع رأسه،لكن ما رآه أذهله.
كان على علم بالشائعات التي تدور حول الآنسة الشابة، وبما أنه كان مساعدها، فقد تلقى تدريباً منذ صغره على خدمة هذه الآنسة، لقد بحث في كل شيء عنها،ورغم أنه لم يرها، إلا أنه سمع عن جمالها الأخاذ.
سمع عن سلوكها البارد واللامبالي والوديع، كانت تتحدث بكلمات قليلة، وتعتبرها ثمينة،لم تُظهر قط أي مشاعر أو ردود فعل تجاه أي شيء،كدمية بلا روح.
على عكس أي فتاة ثرية شابة كانت تختلط بالآخرين من الطبقة الراقية، كانت هذه الفتاة وحيدة في عالمها،لا أصدقاء، ومنعزلة.
لكن الشائعات التي تحوم حولها لا تنصفها ولو قليلاً، جمالها ليس مذهلاً فحسب، بل إنه رأى عدداً لا يحصى من الجميلات أثناء مرافقته لوالده في قاعات الرقص والحفلات، لكن هذه الفتاة التي كانت تصغره بسنة واحدة كانت تتمتع بجمال خارق للطبيعة.
بشرتها شفافة كاليشم، وشعرها الأسود الفاحم ناعم الملمس يصل إلى خصرها. وبدون أي مكياج، كان بإمكانه رؤية وجهها الجميل بوضوح، أنفها المستقيم، وشفتيها الرقيقتين الجذابتين، وفكها المنحوت بدقة متناهية، وأكثر ما أذهله عيناها كعيون طائر الفينيق، محاطتان برموش طويلة.
من تلك العيون الجميلة، بدت آلاف الكلمات وكأنها تخاطبه،ومضت مشاعر كثيرة في عينيه، عندما أغمضت عينيها، خفق قلبه بشدة، ثم تسارعت دقاته لدرجة أنه سمعها بوضوح في أذنيه فكر (ما هذا؟ هل أنا مريض؟)
كان جسور مرتبكاً، لم يستطع وصف ما كان يشعر به، حتى أنه نسي أنه رفع رأسه وحدق في الفتاة الصغيرة بذهول، ولما لاحظ والده ذلك، وبخه.
"هذا أمرٌ شائن! من سمح لك برفع رأسك؟!"
"آه... أعتذر للسيد عدنان وللآنسة الصغيرة."
اعتذر جسور على عجل، شعر بالحرج، كيف حدّق بجرأة في الآنسة الصغيرة!
"لا بأس، لم أشعر بالإهانة."
حاولت اسماء أن تلطف صوتها مع جسور، ولكن بما أنها كانت المرة الأولى، فقد بدا صوتها بارداً وخالياً من التعبير، عندما رفع رأسه قليلاً، رأت بوضوح وجه الرجل الذي افتقدته وأحبته بشدة.
حاجباه الكثيفان، وعيناه الداكنتان الجميلتان المغطيتان برموش كثيفة، وأنفه الطويل المستقيم، وشفتيه الحمراوان الممتلئتان، وفكه الحاد، كل تفصيل في وجهه كان استثنائياً كتمثال جميل منحوت بإتقان، بدا وسيماً وجذاباً، الوجه المألوف الذي بدا أصغر سناً.
كيف لم تلاحظه، وهو رجل وسيم ورائع منذ البداية؟ لقد عاشت حياة فارغة حقاً، لا تعرف معنى الجمال، أغمضت عينيها، وحفرت كل تفاصيل وجهه المثالي في قلبها.
كانت ترغب في أن تركض نحوه وتعانقه بشدة وتقول له تلك الكلمات التي كانت تريد قولها، لكن ليس هذا هو الوقت المناسب، عليها أن تتحلى بالصبر،ما زال هناك أمرٌ عالق، وحتى ذلك الحين، لن تكتم مشاعرها تجاهه.
عندما فتحت عينيها، ظهرت النظرة الحادة والباردة والنافذة، ما زالت تحدق في الرجل الذي كان ينحني برأسه الآن فكرت (جسور... يبدو أنني قد تجسدت من جديد هذه المرة فقط... ولكن حتى لو لم تتذكر تلك الأوقات، فسأجعلها أكثر قيمة ولا تُنسي، جسور، أخيرًا، نلتقي مرة أخرى، هذه المرة سأفي بوعدي، وآمل أن تفي أنت أيضاً بوعدك)
الفصل ٤
الفصل الرابع
جلست اسماء على كرسيها المعتاد، كانت تواجه عزيز ، وجلس جسور بجانبه، وجلس جدها في المقدمة كالمعتاد،ساد الصمت أرجاء المائدة الطويلة، حتى صوت تناولهم للطعام لم يكن مسموعاً.
كسرت اسماء الصمت وسألت جدها فجأة "جدي، أريد أن أؤسس مشروعي الخاص".
أصيب الرجال الثلاثة بالصدمة لأسباب مختلفة، اندهش الرجل العجوز لأن حفيدته تحدثت لأول مرة خلال تناولهم الطعام! وهي من بادرت بذلك!
(ملاحظة الكاتب، يا رجل عجوز، هذه ليست المشكلة هنا)
أُصيب عزيز كبير الخدم ومساعد السيد عدنان بالذهول عندما سمعها تتحدث، كانت هذه المرة الأولى التي يسمع فيها منها كلمات جديدة غير "اجل يا جدي" وجملتها الصباحية المعتادة، لقد كانت أطول مرة تتحدث فيها بكلمات جديدة!
(ملاحظة من الكاتبة، الآن فهمت لماذا قالت الخادمة إنها شعرت وكأنها فازت باليانصيب، يبدو الرجل هنا وكأنه شهد تحطيم رقم قياسي عالمي.)
بينما صُدم جسور من كلامها، كيف يُمكن لمراهقة أن تُؤسس شركتها الخاصة؟ حتى لو كانت تملك المال، فلا بد أنها تمتلك القدرات والعلاقات والإرادة القوية لكي لا تُفلس.
(ملاحظة من المؤلف: رد فعل جيد! يبدو أنك الوحيد الذي كان على دراية بالمشكلة هنا.)
"آه... مرة أخرى؟" سألها جدها وهو لا يزال مصدوماً مما حدث سابقاً.
"جدي، أتمنى أن أعيش حياة مستقلة وأن أكون قادراً على مساعدتك في الشركة، لا يزال والداي يمتلكان أسهمهما في شركة عدنان، أعلم أنه يجب أن أبلغ العشرين من عمري لأرث أسهمهما، ولكن بينما أنا شابة، أريد أن أؤسس شركتي الخاصة."
بسبب عدم كفاءتها في حياتها السابقة، أصبحت حياتها بائسة، كانت تمتلك 27% من أسهم شركة عدنان وهي شركة عائلتها التي ورثتها لأجيال، كانت الشركة أكبر شركة في الدولة (ج) ومن بين أكبر عشر شركات في الخارج.
كانت تلك الأشياء تحمل اسمها، لكنها لم تطمع بها، ظنت أن انضمامها إلى معركة عدنان سعيًا وراء أسهم وثروة العائلة سيجلب لها المتاعب أو حتى حياتها، كانت ساذجة، لم يكن التزام الحذر والخضوع والطاعة أمرًا جيدًا أبدًا، نسيت أنها على قمة الهرم الغذائي، وأن هناك ذئابًا جائعة تنتظرها، كان عالمًا إما أن تأكل فيه أو تُؤكل، كان خطؤها الأكبر هو عدم المشاركة في أي شيء، لتصبح بذلك أسهل هدف، لكن هذه المرة لن يكون الأمر كما هو ستهاجمهم أولاً، وتفاجئهم، ستبني خطتها الاحتياطية الخاصة، وشركتها الخاصة.
استعاد الرجل العجوز صوابه عندما سمع تلك الكلمات،ماذا تقول هذه الفتاة؟!
"اسماء! هل تدركين ما تقولين؟! تبنين شركتك الخاصة؟! هل تظنين أن الأمر سهل ويمكن للجميع فعله؟! يا فتاة، أعرف أنكِ لستِ مدللة،عليكِ أن تستمعي إليّ كما تفعلين دائمًا، ادرسي وتخرجي، يمكنكِ مساعدتي بعدم جلب المشاكل لعائلتنا، سأسمح لكِ بالزواج لتوسيع أعمالنا، لديّ بالفعل شخص في بالي."
ضغطت اسماء على أسنانها، بسبب هذا... لأنها وافقت بسهولة، أصبحت حياتها أكثر سوءًا.
قالت اسماء "جدي، انا جادة، قد اكون صغيرة، لكنني مصممة، كما قلت جدي، انتى استمع إليك دائمًا، ولا أعصِ كلامك أبدًا، لكن هذه المرة انا لدى أمنية واحدة فقط، وهي أن تسمح لى بأن أكون مستقلة وقادرة، جدي، أنت ملقب ب عدنان وأنا أيضًا القب بنفس الاسم يجري في دمنا أن نكون في قمة العالم، إذا كنت ضعيفة ومجرد زوجة لشخص اخترته لي، وأصبح مجرد زينة، فهل أنا جديرة بأن احمل لقب العائلة؟ جدي، أريد أن أثبت لك نفسي وأرى ما أستطيع فعله."
اكملت فى نفسها (ولأنتقم أنا و جسور من تلك الحيوانات... يجب أن أصبح قوياً…)
لقد صُدم الرجال الثلاثة مرة أخرى، ومرة أخرى لأسباب مختلفة، لكن هذه المرة فكر الرجل العجوز ملياً في كلماتها.
باستخدام لقب عدنان الأسطوري، ضربت اسماء الرجل العجوز في نقطة ضعفه، كانت تعلم أن الرجل العجوز يولي أهمية كبيرة لاسم عائلتهم، حتى أنه رغم زواج والدتها، ظل يستخدم اسم عائلتهم مسيطراً على زوجها.
صُدِم عزيز هذه المرة لأنه اكتشف أن الشابة تتمتع بلسان سليط، حتى وإن نطقت بكلمات قليلة، إلا أنها كانت صريحة ومباشرة، وأصابت الهدف بدقة.
صُدم جسور بسبب إرادة الفتاة القوية، قد تكون قاسية وجامدة المشاعر... لكنها ليست وديعة كما قالوا... يبدو أن لديه فتاة شابة مثيرة للاهتمام، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي جسور ،كانت نظراته مثيرة للاهتمام وهو ينظر إلى اسماء.
كانت اسماء غير مبالية بكل ذلك، فقد كان تركيزها منصبًا على إجابة جدها،لكن مهما يكن، إن اضطرت لفعل ذلك سرًا، فستفعله، كل ما تحتاجه هو مبلغ زهيد لتأسيس الشركة، لديها خطط، قد تبدو في السادسة عشرة من عمرها، فتاة في ريعان شبابها، تتعرف على العالم، لكن روحها في داخلها كروح امرأة ناضجة في الثالثة والعشرين، اختبرت الجانب المظلم من هذا العالم، بل وعرفت الموت نفسه.
نظرت إلى جدها بعزيمة لا تلين، أثارت تلك النظرة قلب جدها، لكنه كظم غيظه، ففي عالم الأعمال، لا مكان للعائلة، إن كنت قويًا وذكيًا، ستصل إلى القمة، أما إن كنت ضعيفًا، فستُسحق ولن تُرى ثانية، هكذا هي قسوة عالم الأعمال، وهذا أيضًا أحد الأسباب التي جعلته يرفض دخولها هذا المجال، كان يفضل أن تتزوج من رجل ثري وكفؤ.
لكن وهو ينظر إلى عيني حفيدته الجميلة، لا يسعه إلا أن يشعر بالفخر،كان يعلم أنها ذكية وتعرف قوانين هذا العالم، ومع ذلك، ما زالت حفيدته صغيرة،كيف لها أن تنجو في هذا العالم الخطير؟
كان الرجل العجوز ممزقاً بين "اجل يمكنك فعل ذلك" و "لا، لا يمكنك فعل ذلك".
وأخيراً، وبعد صمت طويل، تنهد الرجل العجوز وقال "إذا كنت ترغبين حقاً في ذلك، يمكنك فعل ذلك، لكنك لن تحصل مني على فلس واحد،لن أمنعك،بما أنها شركتك الخاصة، ف ابنيها من الصفر."
استعادت اسماء أنفاسها التي كانت تحبسها.
"بالتأكيد يا جدي، لن أخيب ظنك. ولكن... هل يمكنني سحب مبلغ بسيط من مدخراتي التي تركها لي والداي؟ أنا أحتاج فقط إلى 10 ملايين، سأعيدها بعد عامين مع فائدة 20%. بما أنني لم أكسب المال من مدخراتي، فسأقترضه وأعيده فوراً."
(ملاحظة الكاتب : لا تنسوا أنهم كانوا عائلة تجارية ثرية تعمل منذ أجيال عديدة لذا فإن خزائنهم تحتوي على مليارات عديدة.. ولهذا السبب فإن 10 ملايين مبلغ "قليل" و"ضئيل" بالنسبة لهم.)
سخر منها جدها وقال"ماذا لو أفلست؟ أو لم تتوسع شركتك على الإطلاق أو لم تتمكنين من إعادة مبلغ العشرة ملايين بعد عامين؟"
أجابت بثقة "وقتها سأتزوج الرجل الذي تختاره ولن أتحدث عن هذا الأمر وكأنه لم يحدث أبداً".
لن تتزوج ذلك الرجل أبداً،لذا، لن تسمح لنفسها بالفشل أبداً.
" بما أن المال كان ملكك، فلا مانع لديّ. لكنني أودّ أن أرى نموّ شركتك، يجب أن تضعي هدفاً"
قالت اسماء بوجه جامد "خططت بعد أربع سنوات، لحظة بلوغي العشرين، أن أمتلك شركة قوية، وأن يصل اسمها حتى إلى مسامعكم".
"هاهاها! أنتِ حقًا رمز عائلة عدنان، لا تخيبي ظني يا فتاة ، لقد ضحكت اليوم، وسيكون من السيء أن تُذليني لاحقًا، أود أن أرى ما يمكنكِ تحقيقه في أربع سنوات فقط."
قالت اسماء بحزم"شكرًا لك يا جدي، سأفي بوعدي، لكن عليك أن تتعهد لي أيضًا بعدم مقاطعة عملي في غير وقته المحدد، ولا تزوّجني من أي رجل، إذا نجحتُ في غضون أربع سنوات، وأسستُ شركتي الخاصة، وأثبتُّ جدارتي، فسأختار الرجل الذي سأتزوجه."
"حسنًا! تم الاتفاق. هاهاها!" استمر الرجل العجوز في الضحك.
تركت حفيدته بصمةً في قلبه، وفي السنوات القادمة، سيتذكر تلك الفترة التي شهد فيها التغيير الذي طرأ على حفيدته وبداية مسيرتها الأسطورية في عالم الأعمال.
الفصل ٥
عندما انتها النقاش بين الجد وحفيدته اللتزم الجميع الصمت والانتهاء من طعامهم ثم بعد ذلك سار جسور فى اتجاه اسماء واخذ حقيبتها وقال
"يا آنسة اسماء ، أرجو أن تسمحي لي بحمل هذه الأمتعة نيابة عنك".
شعرت اسماء بالذهول في البداية، حسناً، بعد الأوقات التي قضياها معاً في الماضي، أصبحت على دراية تامة به، أفعاله، حركاته، تنفسه، وحتى ملابسه.
في الماضي، لم تكن تنظر إليه حقاً، أما الآن، وهو يقف شامخاً أمامها، ناظراً إلى ملامحه الجميلة، فقد أخذت وقتها لتحدق فيه.
لاحظ جسةر نظرات اسماء الحادة الموجهة إليه. لم يسعه إلا أن يشعر بحرارة تتصاعد في رأسه حتى احمرّت أذناه.
لقد حدّقت به العديد من النساء من قبل، بنظراتٍ مختلفة، لكن هذه الفتاة التي أمامه كانت تملك نظرةً لم يختبرها من قبل، نظرةٌ شديدة، صادقة، كأنّ عينيها تريدان قول شيء.
لكن جسور لا يستطيع أن يفهم، كانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقيان فيها، فلماذا كانت تنظر إليه بتلك الطريقة؟ربما تريد الآنسة الصغيرة أن تسألني شيئاً...فتحت جسور فمه ليقول ما يدور في ذهنه فتكلمت هى أولاً.
"تبدو أنيقاً في زيك الرسمي."
"..."
شعر جسور بحرقة في أذنيه،حاول الحفاظ على وجهه الجامد وهو يقول:
شكراً لكِ يا آنسة اسماء على الإطراء.
استدارت اسماء وسارت أولاً، بدت وكأنها لم تقل شيئاً للرجل، وكأن الأمر حقيقة لا بد من قولها.
حاول جسور أن يهدئ من روعه،لقد كانت مجرد مجاملة بسيطة، لكنه شعر وكأن الفتاة اعترفت له بحبها.
"تماسك! إنها مجرد مجاملة، لا شيء آخر!"
في طريقها إلى السيارة، واصلت اسماء رسم خطتها في ذهنها، أن تبني مشروعها الخاص، وألا تقابل الوحش أبدًا، وأن تكون مع جسور ،وبينما كانت اسماء تفكر في هذا الأمر، لم تستطع إلا أن تضع عينيها على جسور .
شعر جسور بنظرات حادة مجدداً، حاول جاهداً أن يحافظ على وجهه خالياً من التعابير وطبيعياً، لكن أذنيه خانتاه واحمرتا.
لاحظت اسماء ذلك، فدرسته بتمعن، وبينما كان جسور يتصبب عرقًا وهو ينظر إليه، كما لو كان عينة مثيرة للاهتمام تحت تلك العيون الجميلة المجهرية، ابتلع ريقه، ولم يسعه إلا أن يعقد حاجبيه الكثيفين.
رأت اسماء كل شيء في عينيه ، ظنت أن جسور غير مرتاح أو يتألم، رفعت يديها وانحنت نحوه، ثم وضعت يديها على جبينه.
سألت بصوت خافت: "هل أنت مريض؟" كانت قلقة جدا وشعرت أن ذلك ينعكس على صوتها.
عندما سمع جسور صوتها الرقيق الذي يحمل في طياته بعض القلق، أصيب بالذهول، حتى السائق صُدم لأنه ضغط على الفرامل عن طريق الخطأ.
سأل جسور وأذناه محمرتان: "ماذا حدث؟". حتى هو كان مصدوماً في تلك اللحظة، لكن سلامة الآنسة اسماء كانت أولويته.
قال السائق"معذرةً... سيدي الشاب وآنستى الشابة... لقد ضغطت على الفرامل عن طريق الخطأ..."
قال جسور بجدية "كون حذرا في المرة القادمة، سأبلغ والدي بهذا الأمر، سلامة الآنسة اسماء مهمة جدا."
أجاب السائق "اجل سيدي".
أبدت اسماء التى كانت تراقب من الجانب، فى نفسها إعجابها ب جسور مرة أخرى (منذ صغره كان هكذا، يضع سلامتي في المقام الأول قبل سلامته، حتى لو كان ذلك مجرد عمله، إنه رجل رائع حقاً…)
لم تستطع إلا أن تحدق به مرة أخرى، انتاب جسور عرق بارد، ظن أنه نجا من النظرات الحادة بعد حادثة السيارة، بينما هي تحدق بي مجدداً؟! لم يعد يستطيع التحمل! جمع شجاعته، والتقى بنظراتها وقال:
"آنسة اسماء ،هل هناك شيء تريدين سؤاله أو قوله لي؟"
تستطيع اسماء الآن أخيرًا أن تنظر مباشرةً إلى عينيه الداكنتين. تتأملهما للحظة وهو تقول بنعاس:
"لا أستطيع الاكتفاء منك."
ومرة أخرى، توقفت السيارة فجأة، لكن جسور لم يستطع توبيخ السائق في تلك اللحظة، فقد كان مذهولاً تماماً، شعر وكأن صاعقة ضربته، فخفق قلبه بشدة حتى كاد يخرج من صدره، وارتفعت الحرارة في رأسه فاحمر وجهه وأذنيه ورقبته.
قال فى نفسه (ماذا تقول الآنسة ؟! هل تعرف ماذا يعني ذلك؟) لم يستطع إيجاد أي رد لها، أو أي منطق في كلماتها، وشعر لأول مرة أن معدل ذكائه منخفض تمامًا، أين عقله؟ إنه بحاجة إليه الآن! أين كلماته؟ حالة طارئة!
انتابت اسماء القلق مجدداً، بدا جسور وكأنه يعاني من صعوبة في التنفس. اقتربت منه، وربتت على ظهره عدة مرات، وضغطت برفق على صدره، لكن عندما فعلت ذلك، ازداد تيبسه، وتجمد في مكانه بتعبير خالٍ من التعابير،بدأت تشعر بالذعر،إذا لم يتنفس فسيموت.
أرشدته بقلق"جسور ، تنفس... شهيق... زفير... شهيق... زفير..."
استعاد جسور بعضاً من رباطة جأشه عندما تابع أنفاسها.
أستنشق، لحظة! ماذا أفعل؟! إنه لأمر محرج جدا لقد تصرفت كفتاة مغرمة...حاول إخفاء وجهه من خلال شعره.
"أنا بخير يا آنسة، شكراً لكِ على الاستجابة الطارئة، أرجو أن تسامحيني على عدم كفاءتي..."
"ناديني فقط ب اسماء... لا داعي للمجاملات."
"سامحيني يا آنستى الصغيرة، لكن هذه هي قواعدنا وأعرافنا، عائلة عزيز تخدم عائلة عدنان منذ أجيال عديدة،أرجو المعذرة."
"أنت استثناء."
"كيف أصبحتُ استثناءً يا آنسة؟ دمي يجري في عروق عائلة عزيز، نتعهد بأن نكون عونًا لكِ لأجيال عديدة،مهما بلغنا في المستقبل، سنبقى تحت رعايتكِ، حتى لو بذلنا قصارى جهدنا ونجحنا، فلن يتغير شيء، فنحن ما زلنا نحمل لقبكِ."
منذ صغره، تلقى تدريباً مكثفاً وقيل له إنه سيخدم شخصاً ما في المستقبل، كان عليه أن يدرس بجد، وأن يعرف الكثير من الأمور في سن مبكرة جداً،لم يستمتع بطفولته، أمضى سبعة عشر عاماً من حياته في تقوية نفسه من أجل شخص آخر،لقد وُصف بالعبقري منذ صغره،كان متميزاً بين أقرانه،كان موهوباً جداً في جميع الجوانب.
كان لديه العديد من الأحلام... والطموحات...لم يكن يريد أن يخدم أحداً...كان يريد أن يكون حراً...كان كفؤاً...كان يعلم أنه سينجح في كل ما سيفعله، بإمكانه الوصول إلى مستويات أعلى...
بمجرد أن يصل إلى القمة ويثبت جدارته، سيحصل على ما يريد، كل ما يريد...حتى لقبه "عزيز" سيتم تحريره من عائلة عدنان...
قد لا يقطع علاقاتهم، لكنه يستطيع أن يجعل عائلة عزيز في نفس مكانتهم، أو حتى أعلى منهم، كل تلك الأشياء ظلت مخفية في قلبه.
الفصل ٦
عند سماعها إجابته، لمحت ما في قلبه، حتى وإن لم يُفصح عما في قلبه، فقد استطاعت اسماء أن تسمعه، تذكرت حين مات جسور فى حياتها الماضي، حين لام نفسه على أصله المتواضع وعدم قدرته على حمايتها.
لقد فهمت الأمر الآن، لماذا قال جسور تلك الكلمات، لا بد أنه شعر وكأن جناحيه قد قُطعا وأنه مُقيد بسلسلة إلى عائلتها.
خفضت اسماء عينيها، كانت تريد أن يبقى جسور بجانبها، لكن رؤيتها له وهو يكبح جماحه عما يريد فعله، جعلها تشعر بالألم.
في الحياة السابقة لم ينل جسور حريته قط، لم يفعل ما كان يرغب فيه حقًا،عاش حياته كلها من أجل شخص آخر،حتى أنه مات من أجل ذلك الشخص،في هذه الحياة، وعدت بأن تحب جسور بما في ذلك أن تمنحه السعادة وكانت سعادته تكمن في حريته، وبهدف آخر، نظرت إلى وجهه الذي يظهر عليه الارتباك.
قالت بصدق"حسنًا... سيأتي وقت في المستقبل لن تحتاج فيه إلى الانحناء لعائلتى بعد ها ، لست بحاجة إلى موافقتهم لإثبات نفسك لهم، فقط انطلق وافعل ما تريد، لم لا تعد نفسك كما وعدت جدي؟ أنت أكثر قدرة مني، يمكنك فعلها، لن يستطيعوا منعك مما تريد فعله، جسور في هذه الحياة، دعنا نفعل ما نريد... دعنا نعيش هذه الحياة بلا ندم."
نظر جسور لها ، تلك الكلمات التي كان يتوق لسماعها حقاً كانت تخرج من فمها، تأثر قلبه، شعر وكأن أحدهم يفهمه، وكأن ما يتمناه ليس أمراً شاذاً أو سخيفاً، وشعر وكأنه يخطو خطوة نحو تحقيق حلمه، لكن كيف علمت اسماء بذلك؟ لم يقل شيئاً آخر، أليس كذلك؟ لماذا قالت ذلك؟هل تستطيع مساعدتي؟ ظننت أنني أتقنت فن التعبير، هذه الفتاة؟ لا يمكن الاستهانة بها، ومع ذلك، شعر بالامتنان للآنسة الشابة، ابتسم لها بصدق وهو يقول:
"الآنسة الصغيرة لطيفة حقاً، سأضع ذلك في اعتباري."
ظهر الانزعاج على وجهها حاول هو منادتها اولا بلقب العائلة .
"انسة عدنان---"
لم يتلقى منها رد فقال
"عفوا— انستى "
أدارت اسماء رأسها ونظرت من النافذة، كانت أفعالها واضحة، لن تتحدث إليه وستتجاهله إن لم ينادها باسمها.
ساد الصمت طوال الرحلة، تنفس السائق الصعداء، أخيراً يستطيع الاسترخاء، لقد شهد أموراً مذهلة اليوم، تحدثت ابنتهم الصغيرة بكلمات كثيرة، رأى ابنتهم الصغيرة تعبر عن مشاعرها، حتى أنه رأى بأم عينيه ابنتهم الصغيرة وهي تقلق، وتشجع، وتتصرف كطفلة مدللة.
نظر السائق إلى جسور في المرآة، وكل هذا بسبب هذا الصبي... هل آنستهم الصغيرة تشبه هذا الصبي؟ هذا بالتأكيد أمرٌ مثيرٌ للغاية!
(تعليق من الكتبه : شاطر يا سواق! انت فزت بالجائزة الكبرى!)
كان جسور في حيرة من أمره، لم يستطع مناداتها باسمها، فلو فعل ذلك، لظنّ عدنان أنه لا يحترمهم. لذا التزم الصمت وترك اسماء تتجاهله.
وصلوا إلى مدرسة تيان كاي الدولية الثانوية المسماة (TIHS) في غضون دقائق قليلة.
كانت هذه المدرسة الثانوية الأكبر والأكثر تقدماً وشهرة في البلاد، جميع طلابها ينتمون إلى عائلات مرموقة، من أبناء رئيس الوزراء، والعسكريين، والسياسيين، والأطباء والمحامين المشهورين، ورجال الأعمال الكبار، كان هناك تسلسل هرمي داخل المدرسة.
في أسفل الهرم الاجتماعي، كان أبناء وبنات المحامين والأطباء والمشاهير، وفي الوسط، كان أبناء وبنات كبار العسكريين والسياسيين،أما في القمة، فكان ورثة الشركات الكبرى، بمن فيهم مساعدوهم، بمعنى آخر، لم يكن تصنيفهم يعتمد على مدى ارتفاع درجاتك، بل على مدى ثرائك.
بما أنها كانت مدرسةً للنخبة الثرية، فقد حققت المدرسة مكانتها بجدارة، لقد استحقت مدرسة TIHS بجدارة سمعتها كإحدى أكبر المدارس في البلاد، حيث شغلت ربع مساحة العاصمة، يحتاج الطلاب إلى السفر لمدة 10 دقائق على الأقل إذا كان عليهم الذهاب إلى القسم التالي، باعتبارها مدرسة لأغنى الطلاب، كانت كل زاوية فيها نظيفة وفاخرة.
حتى موقف السيارات كان ضخماً وواسعاً بشكلٍ مبالغ فيه، وبمجرد أن ركنوا سيارتهم، اقترب منهم مساعد يرتدي بدلة من المدرسة وقدم لهم المساعدة.
وبما أنه كان اليوم الأول من الدراسة، فقد تحدث المساعد بأدب أثناء توجههم إلى المدرسة، وقدم توصيات بشأن الأماكن التي يجب على الطلاب الذهاب إليها للراحة والأماكن التي يمكنهم فيها مشاهدة المعالم السياحية.
تلقى كل طالب المساعدة من موظفي المدرسة، عندما وصلوا إلى مبنى كبير معين، التفت إليهم الموظفون.
"هذا مبنى الموظفين الصغار، سيستقبلك أحدهم في الأمام، سيدي وسيدتي."
انحنى الموظفون قليلاً وخرجوا بهدوء.
وكما قال، قام فرد آخر بمساعدتهم، وقادهم هذا الفرد إلى أمام إحدى الغرف.
"هذه غرفتكِ يا آنسة اسماء عدنان " ثم استدار الموظفون لمساعدة طالبة أخرى.
أعطتها جسور حقيبتها.
"يا آنسة، سنفترق هنا، إذا احتجتِ أي شيء، فاتصلي بي."
ثم أعطاها هاتفاً وقال
"رقمي موجود هنا بالفعل، سأكون سريعًا بمجرد اتصالك، انتظريني هنا لمدة نصف ساعة بعد انتهاء حصتك، سأوصلك إلى المنزل، وعندما يحين وقت الاستراحة، انتظريني هنا أيضًا، لنتناول الغداء معًا، أتمنى لكِ حصة ممتعة، سأذهب الآن يا آنستى الصغيرة."
بدأ بالمشي عندما رن هاتفه، طارئ، استدار وألقى نظرة خاطفة على اسماء ثم بدأ يمشي نحوها عندما وضعت اسماء الهاتف في أذنها، بدا جسور وكأنه فهم ما تريده الشابة، فأجاب على المكالمة وهو ينظر إليها،كان يقف على بعد خطوات قليلة منها.
قالت اسماء "على الأقل نادني باسمى ، إذا كنا وحدنا".
تسمّر جسور للحظة، لكن من تلك المسافة استطاع أن يرى عنادها، لم يكن أمامه خيار آخر، فتنهد.
"إذا كان هذا ما تريده الآنسة الصغيرة. أراكِ لاحقاً يا اسماء"
ابتسمت عندما سمعت كلماته الرقيقة لها، كانت تلك أول ابتسامة لها في حياتها، أُصيب جسور بالذهول عندما رأى ابتسامتها الأولى، كان يعلم كم هي فاتنة الجمال، لكن تلك الابتسامة الخفيفة أضفت إشراقة على وجهها الجامد، وزادت من جمال ملامحها، حتى أن المكان المحيط بها بدا أكثر جمالاً.
بدت وكأنها من عالم آخر، ينبض قلب جسور بقوة، لا يسعه إلا أن ينقش هذا المشهد الجميل في قلبه، حدق بها لفترة طويلة، دون أن يدرك أنه متأخر.
أنهت اسماء المكالمة وسارت نحو غرفتها دون أن تدرك أنها أصابت قلب جسةر بجرح عميق وتركته مذهولاً.
© جميع الحقوق محفوظة - أسماء ندا
الانتقال الى الفصول القادمة اضغط هنا 👇👇
