تحولات الأخلاق في زمن السوشيال ميديا
بقلم / فتحى عبدالحميد
نبذة عن الكاتب
فتحى عبد الحميد حافظ
مستشار ومحاضر وباحث ومترجم قانوني، كاتب أدبي وصحفي حر، رئيس جمعية أهلية وعضو بعدد من الاتحادات النوعية ومنظمات المجتمع المدني.
تقلد مراكز صحفية وإعلامية عديدة منها:
مديراً للتحرير – مديراً للعلاقات العامة – ومسؤولاً عن التسويق الإعلامي.
صدر له حتى الآن:
- ديوان: حتى إشعار آخر (بالعامية المصرية)
- ديوان: نفحات إيمانية (رباعيات إسلامية)
- رواية: سيكيورتي
- رواية: إلى أمل
- رواية: نفرات .. ابنة السر المقدس (ثنائية اللغة)
- كتاب: قصة المحاماة
- كتاب: حتى إذا بلغ الأربعين
- مشاريع أدبية أخرى تحت التنفيذ
تحولات الأخلاق في زمن السوشيال ميديا
لم يعد سؤال الأخلاق في عصر السوشيال ميديا مجرد حديث ثقافي عابر…
لم يعد سؤال الأخلاق في عصر السوشيال ميديا مجرد حديث ثقافي عابر. ولا نقاشا فلسفيا يمكن تجاهله حتى يعود العالم الى هدوئه القديم. لقد تحولت الأخلاق نفسها الى ساحة صراع معلن. تعاد فيها صياغة المعايير والقيم. وتتغير فيها قواعد الحكم على الأفعال والكلمات والإنفعالات.
صار العالم يتنفس عبر الشاشات. ويرفع صوته عبر المنصات. ويبني صورته عبر الخوارزميات التي تتسلل الى العقول وتعيد تشكيل الذوق الجمعي والوعي الفردي على السواء.
لم تعد الأخلاق تقاس بما يراه الانسان بعينه او يسمعه بأذنه أو يكتسبه عبر تجاربه المباشرة…
بل أصبحت ترتبط بما تلتقطه الشاشة في لحظة خاطفة. وما يقرره الجمهور الرقمي من ثناء أو هجوم، مدح أو ذم. وما ترسمه الخوارزميات من مسارات وصول ومجالات تأثير.
إن التحول الأخلاقي في زمن السوشيال ميديا لم يقتصر على تغيير السلوك… بل امتد إلى تغيير تعريف الفضيلة نفسها.
كان الضمير الفردي في الماضي هو المرجع الأعلى للإنسان… أما اليوم فقد صعد الجمهور الرقمي إلى موقع الحكم، فأصبح الإنسان يقيس فعله بما سيحصل عليه من إعجابات وإعادة نشر وتعليقات.
تحول ميزان الأخلاق إلى ميزان شعبي لحظي… لا يعتمد على ثابت جوهري بقدر ما يعتمد على المزاج العام.
الخطر هنا لا يقتصر على أن الإنسان يتخلى عن ضميره الداخلي… بل إنه يستبدله بضمير جماعي متقلب.
تاريخ الأخلاق كان دائماً متعلقاً بالجوهر… أما في زمن السوشيال ميديا فقد أصبحت الصورة هي الحكم الأول والأخير.
نشأ شكل جديد من الأخلاق… “الأخلاق الاستعراضية”. وهي لا تنبع من الداخل، بل من الرغبة في حصد الانتباه واكتساب التعاطف الرقمي.
ظهرت ثقافة الإلغاء… حيث يتم القضاء على الشخص اجتماعياً لمجرد كلمة أو رأي.
كان الإنسان في الماضي يملك منطقة خاصة… في عصر السوشيال ميديا لم تعد هناك خصوصية حقيقية.
فقدان الخصوصية غيّر جوهر الأخلاق. فالإنسان الذي يعيش تحت عين الكاميرا الدائمة يصبح أكثر حرصاً على الشكل وأقل صدقاً في الجوهر.
الأخلاق التقليدية كانت تعتمد على ثوابت… أما اليوم فقد أصبحت نسبية تخضع لرأي الجماعة الرقمية.
الكذبة قد تعتبر محتوى لطيفاً… والخيانة قصة مشوقة… والغيبة “فضحاً ضرورياً”.
الأخلاق تحتاج إلى وقت للتفكير… أما السوشيال ميديا فتعمل بمنطق اللحظة و“اكتب قبل أن تفكر”.
أصبح الناس يصدرون أحكاماً على أشخاص وأحداث لا يعرفون عنها شيئاً…
الهوية الأخلاقية للإنسان كانت تتشكل من سلوكه الحقيقي… اليوم يستطيع أي شخص خلق هوية مزيفة بالكامل عبر الإنترنت.
العلاقات الرقمية أضعفت الكثير من القيم الإنسانية… ورفعت قيم السرعة والمبالغة والقطيعة.
في الماضي كان الصمت فضيلة… اليوم أصبح تهمة.
أخطر ما حدث هو اختزال الإنسان إلى أرقام وبيانات… ومعه انحدرت الأخلاق إلى مستوى رقمي.
وبرغم كل هذه التحولات يبقى السؤال مفتوحاً… هل يمكن للأخلاق أن تستعيد جوهرها؟
كتب / فتحى عبدالحميد
للتواصل المباشر مع الكاتب:
البريد الإلكتروني:
fathyelkady85@gmail.com
