اخر فصول الحب
بقلم نهى ابراهيم عيد
الفصول ٩ / ١٠ / ١١
الفصل٩
على الجانب الآخر حاولت عبير النوم لكن ذلك الألم برأسها يكاد يعج بكل الأرجاء، حاولت الاستسلام الى ذلك السكون حولها فكل شئ ثابت بمحله لم يتبدل شيئا بعد هجران الجميع لها سوى أنها لم تعد تشارك أيهم فهى اليوم بمفردها مع الجدران، اعتدلت نجلاء على فراشها وهى تشعر بالضيق مجدداً اثر محاولاتها الفاشلة باستحضار النوم ككل ليلة حتى شعرت بخركة غريبة بالبيت، استجمعت قواها ثم تقدمت بريبة كبرى حتى فتحت الباب بهدوء ثم تفاجئت بذلك الزائر بالليل....
عبيربخوف :من... من الطارق؟
ازدادت ريبتها عندما كانت الاجابة سكون.... مجرد سكون طغى على المكان فأقدمت أن توصد الباب ففوجئت بمظروف بالأسفل، التقطته سريعا ثم نظرت حولها بضعف ثم أغلقت بابها مهرولة نحو حجرتها،
عبير بخوف :ما هذا المظروف؟ من أرسله؟
أخذت تحدث نفسها وهى ترتعش ثم قامت بفتحه بسرعة فاذا بالنقود تنتاثر منه،
عادت تحدث حالها الكليم :نقووود.... من أرسلها؟
دارت رأسها طويلاً وهى تفكر هل هو والدها من أرسل لها هذه النقود لكنه متغيب منذ مدة ولا تعلم عنه شيئا وان كان هو فلم لم يدخل أو يسأل عنها، بكت طويلاً وهى تتذكر كم المعاناة التى هى بها الآن، ذلك الخوف الذى تشعر به طوال الوقت لولا أهالي الحي الذين هم دائمين الاحتضان لها فكيف كانت ستشعر...
تلك الأسئلة أعادتها عبير على حالها أكثر من مرة حتى انخرطت بنوم عميق وإلى جوارها ذلك المظروف حتى ذهبت بعيدااا جداا حيث تجلس والدتها على أحد المقاعد الخشبية العتيقة
عبير بفرحة :أمي... أمي هل أنت هنا، أم أنا بحلم كبير!
حسناء مبتسمة وهى تشير لها بالمضى نحوها، أسرعت عبير وهى تجر بقدميها حتى سقطت واضعة رأسها على ركبتيها : أشعر بثقل بقدمي أمي... لا أعلم السبب!
حسناء وهى تضع يدها على قدمي ابنتها مبتسمة مرة أخرى،
عبير باستنكار :لم لا تتحدثين إلي أمي؟ أشعر بالضيق بدونك.
أخذت عبير تحرك بأصابعها على وجهها المتضاءل وتتمتم بفمها بضع كلمات حتى شعرت عبير براحة كبيرة ثم قامت حسناء من مكانها وأخرجت ذاته المظروف من جيبها ثم قدمته لابنتها التى تساءلت :
ما هذا بحق السماء.... أمي؟
لم تجبها حسناء بل قامت بجذب ذراعيها برفق ووضعت ذلك المظروف بيدها ثم أخذت تبتعد بسرعة كبيرة حتى انتفضت نجلاء من نومها وهى تنادي عليها :
أمي.... أمي أين ذهبت؟
تنبهت نجلاء لواقعها وذلك المظروف جوارها فابتسمت :تلك عطية أمي.... ثم تعجبت :لكن كيف أرسلتها؟
*********************************
توالت الليالي على الجميع حتى حلت ثورة ينايرالتي خرج على اثرها العديد من فئات المجتمع إلي الميادين ومن بينهم كانت عبيربصحبة مروان الذين توطدت علاقتهما بالوقت
عبير متسائلة :إلى متى ستظل بلادنا على هذه الشاكلة؟
مروان باستفاضة :خروج الشباب باليوم الأول لم يكن سوى بداعي التغيير والحصول على فرصة حياة كريمة لكنك اليوم تلاحظين كيف اختلطت الميول والأجندات كحال المجتمع منذ قديم الأذل، الكل يتحد نحو المصلحة التي أحسبها بعيدة كل البعد عن مصلحة بلدي.
عبير :للأسف مروان ليس هناك من داعي لوجودنا هنا فالوضع يزداد سوءا والعاقبة سوف تكون كبيرة من وجهة نظري فكما ترى ياعزيزي الجماعات التى سبق واندثرت تحت الأرض ها هى تظهر وتتشعب لأكثر من واحدة، هؤلاء ممن يدعون السياسة حتى أطلقوا على حالهم نشطاء سياسين وغيرهم كثير وكثير، بت متأكدة من عدم جواز الديمقراطية بالمجتمعات الغير مؤهلة لها.
مروان بحزن :أوافقك الرأى بشدة.
اثناء عودتهم إلى منازلهم، سألها مروان :
هل تعرفت على صاحب المظروف الشهري؟
عبير :لا.... أبدا مروان وهذا الأمر يصيبني بالحيرة، هل هى مساعدة من أحدهم أم هو أبي الذي يقوم بذلك..... لا أعرف!
مروان :ألم تصلك أى أخبار جديدة أو حدثك صديق والدك؟
عبير :لم يهاتفني منذ كثير، لكن ذلك يتوجب على هذه المرة سوف اتواصل معه قريبا غير ذلك لاشئ عزيزي ذلك العنوان الذي توسط حياتي.... لا شئ.
بالمساء وبعد غياب قرص الشمس البرتقالى كانت عودة سارة التى شعرت بالتعب الشديد جراء بحثها الطويل عن أي فرصة عمل لكن ذلك لم يجد نفعا من جديد فأخذت تحدث حالها :سوف اعود اليها بخفي حنين كما يقولون، تلك الطيبة التى تحملتني لشهور دون ان تنطق بكلمة على مساعدتها حتى يتسنى لنا العيش بسلام.
صمتت قليلا ثم عاودت الحديث من جديد
:ألهذا الحد كنت تعاني أبي من أجلنا، لقد عانيت لفترة بسيطة وعرفت الكثير لذا فأنا أشعر بالذنب الكبير تجاه أهلي لكنى لا أستطع العودة الآن ذلك أمر عسير.
قطعت كلمات سارة صراخ احداهن الذى يزداد وضوحا كلما اقتربت من المنزل ولم تصدق عيونها وهى ترى ذلك الضوء من بعيد وذلك الرجل وهو يسحل شهد خارج المنزل، اقتربت قليلا ثم توقفت وهى تتابع محاولاته الحقيرة لازالة ملابسها لكنها كانت تقاومه بشراسة حتى انها قامت بتقطيع وجهه بأظافرها حينها انطلقت سارة تبحث عن شئ تساعد به صديقتها التى يحاول ذلك الوغد خنقها عندما فشل بالانقضاض عليها حتى عثرت بالأخير على عود خشبي اتجهت صوبه بقوة وضربته على رأسه حتى غاب عن الوعي، اتجهت صوب صديقتها فحاولت افاقتها بكل قوة لكنها ظلت مطبقة العينين، ساكنة الجسد فظلت سارة تصرخ بشدة :لقد ماتت.... لقد ماتت شهد...
سمع الجميع صراخها فاستفاق الوغد مجددا وحاول الانقضاض على سارة لكنها لاذت بالفرار منه بسرعة لكنه سار خلفها وظل متابعا اياها بخطواته السريعة وصوته الأجش المخيف حتى كادت ان تسقط بين براثنه لولا تلك اليد التى التقطتها بأقل من الثانية ليستكمل هو رحلة البحث عنها مرددا :لن أتركك أيتها اللعينة.... لن أتركك.
توقف القاتل بعدما أوشك قلبه على التوقف متعجبا أين ذهبت تلك الفتاة لكنه عاد أدراجه نحو صديقه والخوف يخطف وجهه حتى سأله صديقه :
ما بك هشام؟
هشام وهو يأخذ مجلسا محاولا التفكير ثم صمت قليلا وهو يحرك يده بوجههحتى بكى بالأخير،
تسائل صديقه باندهاش :
ماذا تفعل هشام؟ هل تبكي؟
هشام باندفاع:لا أصدق ما فعلت أحمد لقد......
قاطعه
أحمد :ماذا فعلت؟
هشام بصوت باكي :لقد قتلت احداهن!
أحمد مرتعبا :قتلت..... من ولم فعلت ذلك؟
هشام بخوف :لا أدري سوى أني لم أكن بوعي، تلك السيجارة بمجرد..... (توقف قليلا ثم أكمل) لم أشعر بحالي إلا وأنا أخرجها من بيتها محاولا.....
قاطعه صديقه بغضب :من تكون تلك الفتاة؟
هشام :انها فتاة بالحي المجاور، تابعتها منذ كثير وأعلم أنها.....
بكى هشام طويلاً وهو يكرر :يتيمة.
أحمد بذاته الغضب :لكن لم قتلتها؟
هشام :قاومتني، كانت ضعيفة الجسد لكنها قوية الايمان حافظت على حالها بكل قوتها حتى أنها قامت بتشريح وجهي بأظافرها فلم أشعر بحالي سوى وأنا أقوم بخنقها مرارا حتى زهقت روحها، لم أشعر بجرم ما فعلت سوى والأخرى تضربني على رأسي، أنا مذنب أحمد، لم أقصد ذلك كله..... لم أكن بكامل وعيي...
أحمد :وأين ذهبت الأخرى؟
هشام :فرت مني خائفة لكنها تعرفت على وجهي وذلك ما أخشاه!
أحمد :لا أعلم كيف سنتصرف لكن التزم مكاني هنا فمع برودته لكنه بعيد جدا عن المدينة حتى يتسنى لنا التفكير بمهل.
(هشام شاب بأواخر العشرينات، طويل الهيئة، جميل الملمح لكن حزين العينين)
(
حاولت أحلام التعرف على أى معلومات عن عبد الرؤوف لكن كل محاولاتها باءت بالفشل، أخذته إلى البيت كي تهتم بحالته حتى مرت الأيام الأولى واستفاق من وعكته الكبرى
أحلام بفرحة :مرحبا بعودتك أستاذ.....
تيبست الكلمات بحلقه وهو يحاول التذكر :أنا....
أحلام :اسم حضرتك كي أستطيع الاتصال بأهلك.
عبد الرؤوف متحيرا :لكني لا أعرفه؟
تساءلت أحلام باندهاش :ماذا تقصد عذرا لا افهم!
عبد الرؤوف :لا أتذكر اسمي!
أحلام بحذر :فلتتذكر جيدا أو خذ وقتك أستاذي فأنت لم تمر بالسهل أبدا وقد أنقذك الله بقدرته.
عبد الرؤوف :لكني لا أتذكر شيئا بالفعل ماذا حدث لي؟ من أنت ؟ من أنا؟
أحلام بقلق :الأفضل أن تأخذ قسطا كافيا طن النوم ومن بعدها سوف نتقاسم الرأى فلا تقلق.... ...عزيزي.
خرجت أحلام وهى بحيرة من أمر ذلك الرحل فلم تكتمل فرحتها بافاقته كي يتعرف على أهله حتى يخبرها بأمر فقدانه أي معلومات عن نفسه حتى هاتفه سقط منه ولا يوجد أى أوراق بملابسه!
قامت أحلام باللاتصال بطبيبه المعالج متسائلة عن حالته فأخبرها بأنه بالفعل خرج من تعبه العضوي لكنه لا يعلم تفسيرا لذلك الفقدان سوى أن يكون بأثر نفسي داخله!
*****
سارة بخوف :من أنت؟ ولم.....
قاطعتها رغدة بابتسامة :أنا اسمي رغدة وأنت؟
سارة بخوف مجدداً :سارة.... سارة عبد الرؤوف.
رغدة بحنو :لا تخف سترة، لقد التقطتك عندما سمعت استغاثتك حبيبتي.
سارة باكية :لقد قتل صديقتي.... لقد قتل شهد.
رغدة بامتعاض :قتل... لقد حسبته يطاردك انت.
سارة :لا..... لا...
انخرطت سارة فى البكاء حتى كانت الدقات على الباب، نظرت سارة نحوها بخوف كبير لكنها قامت بطمأنتها بابتسامة :انه زوجي...
ثواني حتى كان أمجد بجوارهما متعجبا وجود سارة لكنه بدأ الحديث حزينا :
هل سمعت عن تلك الحادثة؟ تلك الفتاة اليتيمة بالحى المجاور!
سارة بذهول :هل أسعفها أحدهم؟
أمجد بتعجب :هل تعرفين ما حدث؟ من أنت؟
سارة بالحاح :ماذ حدث لشهد؟ فلتخبرني أرجوك.
أمجد :حسناً لقد قتلت على يد أحدهم وفر هاربا بعدها.
سارة وهى تلطم وجهها :لقد ماتت اذن.. لقد كنت امني حالي بغير ذلك مع أني رأيت ذلك بعيني.
اصطحبت رغدة أمجد للداخل محاولة ايضاح الأمر بالنسبة له، شعر أمجد بالحزن الشديد وهو يتابع صرخاتها وكلماتها الحزينة على رفيقتها حتى نجحت بالأخير محاولاتهما فغطت بنوم ثقيل مكهل بما لم تحلم أن تمر به يوما ما...
على الجانب الآخر لم يغمض لهشام جفن طوال الليل ناظرا صوب يديه التى قست على تلك البريئة مسترجعا نظراتها المرتعبة وعيونها الحزينة التى حاولت احساسه بالشفقة لكن تلك الرأس لم تكن بكامل وعيها حتى تستفيق مما أصابها وأبت أن توقظه من جريمته :
ياالهي لقد قسوت على أضعف البشر، أنا المتهاوى دائما الذى يشعر بالقهر على طول الطريق قمت بالاقتصاص من الحياة بلحظة ضعف لكن على حساب تلك المسكينة، كم كانت هادئة الملامح، عميقة العيون، حزينة الوجه وفقيرة القوى كى تقاومني بهذه الشراسة فقط كى تحافظ على شرفها الذى لا تحمل غيره بحياتها،
أشعر بالذنب الكبير لكنى أخشى المواجهة فأنا لست سوى بحقير تركه أهله بالطرقات كى يفعل ما يحلو له، لم تكترث أمه به فلديها من الأولاد غيره الكثير ان غاب أحدهم يوما ما فهذا أمر لن تنتبه اليه أبدا، ذلك الأب ببيت آخر مع زوجة أخرى مدمن للمخدرات الذي تشبعت بخصاله حتى أفقدني براءتي وطهري....
أجل فالشاب قد يفقد طهره هو الآخر بل هو الأكثر مرا ان ذهب ذلك الغطاء عنه!
ما الذي يتوجب على فعله، لا أعلم!
أنا فقط أشعر بالذنب والخوف الكبيرين، تلك العبرة المتساقطة على وجهها والنظرة التى انتهت بها حياتها لن أنسها ما حييت!
بالصباح تنبهت رغدة على صوت سارة التى تستأذنها كى تنصرف لكن ذلك لم يمنع أمجد أن يتدخل :
أمجد :أين ستذهبين سارة الآن؟
سارة :إلى الشرطة كى أخبرهم بما رأيت بعيني، سوف أذهب لرفيقتى التى احتضنتني وأعطتني من قوتها.
أمجد :لكن قد تكون الجثة قيد التحقيق الآن فلتتهمل حتى أستطيع مساعدتك.
سارة :لا...... أشكرك لكني سوف أذهب لصديقتي بأي محل تكون!
رغدة بميل :كل ما أريده منك هو العودة إلى هنا من جديد...... عودي ان لم تستطع جابهة الأمور وحدك.
سارة بتعقل :بالطبع سوف أعود، أشكرك من كل قلبي.
ودعت سارة رغدة وأمجد الذين انخرطا بحوار طويل توقف من جديد عند والدتها
رغدة :هل توصلت إلى أي معلومات عن والدتي؟
أمجد :لقد أرسلت لأحدهم وها أنا بانتظار الرد!
رغدة :منذ مدة وأنت تتلاعب بي أمجد، عندما أطلب منك أخبار عن أمي!
لم تفعل ذلك بي الآن أمجد؟
هل تلوي ذراعي فقط لأننا تركنا محلنا القديم لجديد من أجل أمي والاقتراب منها أم تريدني لك وحدك دون أهل أو أصدقاء!
أمجد بعصبية :لم تضعين كل هذه التساؤلات، هل هذا هو أمجد الذي تشعرين به، لم لا تواجهين حالك وتخبري نفسك بأني أنا الضحية وليس أنت؟
رغدة بامتعاض : الضحية؟
أمجد :أجل رغدة فأنت حتى هذه اللحظة لم تبادلني ذاتها المشاعر التى طالما أغدقتك بها، تتبارين باغلاق أبواب السعادة أمامي وأنت تضعيننى كمحرك فقط لحياتك أو مستشار عائلي وليس كزوج أبدا.
تيبست رغدة وهى تشعر بصدق ما يقال ثم انصرفت من أمامه ليكمل ما بدأ:
أحببتك منذ اللحظة الأولى ولازلت أقدم فروض ذلك الحب لكن أشعر بتلهوان أمام زواج تم فقط كى تتجنبي شعور الوحدة!
حاولت سارة دخول غرفة شهد لكن ذلك الأمر بات مستحيلا حيث يقف أحد العسكر على بابها، أسرعت سارة نحو القسم مدلية بشهادتها حتى لاحظتها احدى الصحفيات وهى باكية :هل أنت رفيقة القتيلة؟
سارة بخوف :نعم أنا صديقتها.
الصحفية :هل تريدين الحصول على حق رفيقتك؟
سارة بانطلاق :نعم هذا كل ما أريده.... حق شهد المسكينة.
الصحفية :جيد جدا سوف أصطحبك الى برنامجنا وهناك تستطعين كشف الحقيقة وكيف تم ذلك لرفيقتك؟
وافقت سارة على الفور بعدما حصلت على رقم هاتفها وغادرت وهى تحاول التفكير أين ستكون وجهتها هذه المرة
:أين ستذهبين سارة الآن؟ لقد ذهبت شهد بعيدا جدا، لقد قصدت أكثر من محل هل تتذكرين؟
عادت سارة بذاكرتها إلى الأمام حيث خروجها من البيت فجرا وأصوات الحيوانات تتزاحم على مسامعها، قامت بالاتصال على ذلك الشاب بالسيارة لكن محاولاتها باءت بالفشل كلما تكررت الرسالة الصوتية أمامها، أغلقت هاتفها وجسدها ينتفض اثر الهواء الثقيل الذي هب بقوة عليها حتى أزاحها بعيدا فسارت بطريقها وهى لا تدري أمرا سوى أنها باىفعل ارتكبت خطئا لكنها بذات الوقت لن تعود الى بيتها مجددا، استمرت بخطواتها المرتعشة حتى قابلها أحد رجال الأمن بالبداية شعرت بالذعر لكنه بالنهاية أمطرها بكلمات تملؤها النصيحة جعلتها تفكر جديا بالعودة لببتها وأنه ليس لهاةمن معين سوى والدها لكن يد والدها وهى ترتطم بخدها حالت دون ذلك،
عادت سارة لواقعها وهى تقول :
سوف أعود إلى رغدة، ليس هناك من حل أمامي سوى ذلك.
بالمساء توالت الدقات من جديد على عبير التى انتابها الرعب من ذلك الصوت الذى يتكرر كل فترة، حاولت هذه المرة تتبع صاحب المظروف لكن وجدته متخفيا وانطلق بكل سرعة إلى الخارج، فتحته ككل مرة لكنها وجدت خطابا يحمل كثير من كلمات الطمأنينة وأن صاحب هذا المظروف ستكون عينه عليها على الدوام فلا تقلق أبدا.
أغلقت عبيرالورقة وهى تحدث حالها :
أين أنت ياأبي؟ هل هو أنت؟
لم تتخف مني هكذا؟ لقد اشتقت لحضنك
هل هذا أنت أبي؟ أشعر بذلك لكن لم نذعب وتتخفى مني!
خلال تلك اللحظات استجابت أحلام لندا ء عبد الرؤوف الذى بدا عليه الغضب :
أستاذة أحلام.......
أجابته برفق ::أجل أستاذي
عبد الرؤوف :لقد حان الوقت..
أحلام بذاته الرفق :عن أى وقت تتحدث؟
عبد الرؤوف :الرحيل... فلن أكن عقبة بحياتك سيدتي.. تستحقين.....
أحلام مقاطعة اياه:ماذا تقول؟ أين تذهب وأنت بهذه الحالة؟
عبد الرؤوف بحرج :
لكن الوضع.....
التقطت أحلام أنفاسها ثم قالت :هل تتزوجني؟
عبد الرؤوف :لكني لا أعرف وضعي أو....
أحلام :أنل وحيدة وبحاجة إلى أنيس وأنت بحالتك...
قاطعها :سوف أتزوجك انك بحق انسانة مميزة وتستحقين كل الاحترام يكفي أنك اليد التى امتدت لى دون سابق معرفة!
أحلام :كلانا بحاجة إلى الآخر!
عبد الرؤوف :بالفعل كلانا بحاجة إلى الآخر لكن أين عائلتك؟
أحلام :ليس لى عائلة فقد تزوجت دون رغبة أهلى، تركتهم خلفي غاضبين دون اكتراث حتى أدمن زوجى الخمور وكذا صحبة السوء، لم ينتبه كوني أم لطفلة صغيرة تحتاج إلى الكثير من الرعاية، عندما ازدادت الحياة تعقيدا فقدت الأمل بالعودة من جديد إلى الحياة المتزنة، طلبت الطلاق بصوت مختنق فعاقبني طيلة عمري!
عبد الرؤوف :كيف حدث ذلك؟
أحلام بحزن متجدد :اختطف ابنتي وفر بعيداً
بمكان لا علم لي به.
عبد الرؤوف :وبعدها.... ماذا بعدها؟
أحلام :لقد حاربت عائلتي من أجله لكنه قدم لي يد الغدرالتي قامت بتحطيمي كليا، صرت حينها جليسة المستشفى لشهور ممتدة أعالج نفسياً حتى... (استجمعت قواها وهى تقول :
حتى شفاني الله لكني كرهت الزواج وصارت تلك هى الخطوة الأكثر خطرا بالنسبة لي.
غابت لدقائق ثم عادت وهى تمسك بصورة صغيرة :
تلك هى ابنتي، لقد أخذها صغيرة جدا جدا، صدقني... كل هزات الأرض يتم احتوائها عدا رعشة أم فقدت ولدها.
دارت رأس عبد الرؤوف وهو يحاول استرجاع أمر ما بذاكرته لكنها أبت من جديد فأمسك برأسه متابعا حزنها الكبير.
*****
المذيعة بحزن :
لقد وصلنا ببلدنا الممزق إلى آخر فصول الانسانية، هل سمع أحدكم عن تلك المقولة الشهيرة التى تنص على أنه لا يأتي الحزن إلا على الذى لم يتذوق سواه يوماً.... تلك هى قصتنا
قصة فتاة يتيمة تركها أهلها وديعة الله بأرضه يتولى رعايتها كل من حولها حتى هاجمها أحد الكلاب الوحشية التى لم ترع أي احترام ليتمها ووحدتها محاولا الانقضاض عليها وعندما فشل بذلك قتلها، نقدم لكم أبشع الجرائم بعام الثورة التى قمنا بها من أجل التطهير واذا بنا نصطدم بواقع مرير أخرج من النفوس أرداها،
معنا ومعكم صديقة القتيلة، الاسم بالكامل؟
اعتدلت سارة :سارة عبد الرؤوف، طالبة بكلية الآداب.
المذيعة :ماذا حدث سارة؟
سارة بارتباك : شهد رفيقتي كانت بمنتهى الطيبة، تعاني من الوحدة وضيق الحال لكن حب الجميع لها وعطفهم عليها جعلها تشعر بالرضا فكانت حالمة على الدوام، كنت عائدة ليلا بعد نهار طويل من البحث عن عمل حتى اخترقت مسامعى بصوت قادم من بعيد، كلما اقتربت انتبهت الى صرخات قوية فأسرعت نحو الصوت اذا بذلك الوغد يقوم بجذبها خارجا حيث الظلام الدامس، حاول اغتصابها بكل قوته لكنها دافعت عن حالها بشراسة فقام بخنقها، حاولت بتلك اللحظات السيطرة على حالي والبحث عن حل كى لا يلتفت لى خلفه، حاولت اسعافها فضربته على رأسه لكن ذلك كله بعد فوات الأوان.
(صمتت سارة قليلا ثم قالت :كانت قد ذهبت روحها بعيدا وظل هو يطاردني عندما استفاق على صوت صراخي.
المذيعة :هل تتذكرين شكله؟
سارة بقوة :بالطبع انه شاب طويل الهيئة ذو عيون سوداء قاتمة (ثم بكت وهى تقول:
لقد قتلها دون شفقة، لابد من الاقتصاص من هؤلاء الخونة الذين يتخفون خلف عضلاتهم، كل ما أريده واطلبه بضراوة هو حق شهد المسكينة... حق شهد حتما سيعود.
ناشدت المذيعة الجهات المختصة بسرعة القبض على المتهم الهارب.
عاد أحمد بالمساء مرتبكا،
هشام :ما بك أحمد؟
أحمد بحزن :الكل يتحدث عن القضية فالفتاة خرحت اليوم على قنوات التلفاز وهى تندد وتشير بمعلوماتها عن أوصافك.
هشام بحزن :ماذا قالت؟
أحمد :كالعادة طالبت الجميع بسرعة الثأر لصديقتها.
هشام بثبات :لها كامل الحق بذلك.
أحمد متعجبا :ماذا تقول؟
هشام منصرفا :لا شئ..... سوف أذهب إلى أهلي أحمد.
أحمد قلقا :لكن هشام.....
هشام مقاطعا :سأحاول الاحتماء بأهلى
(ابتسم ساخرا ثم كررها :أهلي.
أحمد :تبدو مرهقا صديقي، ألم تتناول طعامك؟
هشام مشيرا نحوه بوهن :وما الفائدة؟
غادر هشام المكان وهو بحالة كبرى من الضياع، تنقل خلال الميكروباصات حتى وصل إلى منزل والدته التى استقبلته بالأحضان حتى فاجئها :
لقد قتلت أحدهم أمي.
قامت بزجه بعيدا عن حضنها متسائلة :ماذا تقول؟ ماذا فعلت؟
أعادها باكيا :أريد منك الحماية والاحتضان أمي فأنا....
قاطعته :لكن كيف ذلك بني؟
هشام بضيق :تسألينني كيف، ان لم أجد عندك الأمان أين أجده!
ثم صرخ منددا :انا ابنك مثلهم، أبي ليس أبيهم لكنك بالنهاية أمي.... للأسف أنت أمي.
صمتت الأم باكية مخفضة رأسها أرضا فثار هشام عليها محطما ذلك الباب بمقدمة المنزل حتى خرج زوجها معنفا اياها بقوة ثم قام بزجه بعيدا، سرعان ما كانت خطواته إلى أبيه لكنه توقف فجأة عن التقدم متواريا خلف أحد الجدران متابعا والده يترنح وحوله العديد من الشباب يسخرون منه ويتنمرون عليه بأبشع الكلمات، سالت دموع هشام وهو يتابع ذلك المشهد حتى غادر المكان متصلا بأحمد :
أين أنت هشام؟
هشام باكيا :لم أعلم يوما أي مغزى لحياتى أحمد، ليس لي من جزر أرتكز عليه فكيف ستكون أيامي؟
أحمد:لا عليك صديقى..... لا تحزن.
هشام :لقد انتهت فصول الحزن داخلي أحمد.... الوداع صديقي... الوداع
أحمد وهو يسمع نغمة نهاية المحادثة :هشام.... هشام...
سار هشام بخطوات متأرجحة كحياته حتى تمثلت شهد أمام عينيه :
هشام :أعتذر منك كثيراً.
شهد محدثه اياه :لكني لم أكترث جرما يوما ما.
هشام باكيا :أنا من قمت بذلك الجرم عزيزتي.
شهد :اقتلعت روحي لكنى مسامحة اياك بحقي.
هشام :أنا غير مسامح بحقك!
شهد بدموع :كلانا له نفس الرواية.
هشام بقوة :وذاتها النهاية عزيزتي.
سالت دموعها على وجنتيها فأزالها بشفافية :
حتى الدمعة هى ذاتها... ليتني عثرت عليك منذ زمن.
اندفع هشام نحو ذلك السور أمامه وبسرعة كبرى ألقى بحالة بالنيل مكررا الشهادة.
بمنزل رغدة وبعدما تم الصلح بينها وزوجها،
أمجد متسائلا :سارة أين ستذهبين من جديد؟
سارة مبتسمة :وكأنما كتب على الرحيل من وقت فارقت أهلي، سوف أزور قبر رفيقتى وإلى المخرج المقصود.
رغدة :لكن ذلك الطريق يحمل من الصعوبة أرداها!
سارة : تلك الفرصة لن تتكرركثيرا، أن يلتفت لي مخرج أثناء حواري بأحد البرامج ويطلب مني العمل كممثلة ذلك أقصى طموحي بتلك الفترة فهل يأتي اليوم الذى تتحقق به أحلامي؟
رغدة :وأهلك سارة؟
سارة :أهلى سوف أذهب اليهم عندما أثبت لحالى قبلهم أني لم أكن مخطئة وأني لست بسيئة كما نعتني الحميع... من المؤكد سوف يأتي اليوم الذى يلتم به الجميع لكن ذلك ليس قبل تحقيق ما أصبو اليه.
أمجد: نتمنى لك السعادة سارة، لا تنس أننا بظهرك دائما.
قامت سارة بتوجيه كلمات والشكر لهم متجهة صوب المجهول الذى يطاردها منذ كثير.
غادر عبد الرؤوف مع زوجته أحلام المنزل متجهين صوب أحد الحدائق بالمنطقة المجاورة لهم، مرت الدقائق وهما يستمتعان بالأجواء سويا وخلال تلك اللحظات كان سامح بصحبة ابنته وزوجته يتبادلان أطراف الحديث حتى انسحبت دانيا متجهة صوب عبد الررؤوف الذى تعرفت عليه، أثناء ذلك اذا بغريب يمسك بيدها محاولا اختطافها وسط غفوة من الجميع، لم ينتبه أحدهم اليها سوى عبد الرؤوف الذى اتجه مسرعا وخلال تلك اللحظة تزاحمت اللقطات برأسه (سارة وهى بالسيارة، توبيخه لها، حسناء باكية، ضربه لسارة بكل قوته ثم كلماته الأخيرة لنجلاء حتى سقط أرضا)
:دانيا..... دانيا...
انتبه الحميع بدهشة نحو عبد الرؤوف الذى استطاع اقتناص الفتاة من بين يدى السارق الذى فر بعيدافاحتضن عبد الرؤوف دانيا لكنه بكى مرددا :سارة.... سارة...
اتجه سامح نحوه متعرفا عليه :عبد الرؤوف... عبد...
تفاجئت أحلام :عبد الرؤوف.... اسمك عبد الرؤوف.
توقف عبد الرؤوف أمام صديقه وهو يقول :أنت سامح... صديقي سامح، تلك هى دانيا وأنا عبد الرؤوف...
احتضنه سامح بقوة مرددا :أين كنت عبد الرروف... أين كنت صديقي؟
ساعات من الحيرة عاشتها عبير التى اقتربت من الانتهاء من اختبارات الجامعة النهائية والحصول على الشهادة التى طالما حلم الجميع ببيتها بها والتى بذلت كثير من المجهود من أجل الحصول عليها حتى سمعت صوت قدم من بعيد، هرولت نحو الباب وبسرعة خاطفة قامت بفتحه لتقف مواجهة صاحب المظروف الذى بدا لها من ظهره،
عبير :من..... من تكون؟
أعادت عبير النظر اليه محاولة التخمين :لست بأبي على كل حالى، من عساك تكون، تبدو لى أصغر بكثير.
استدار الرجل بخفة وهو يخلع عنه نظارته، شهقت عبيروهى تكرر :مروان..... هل هو أنت مروان؟
تنفست بتمهل متعجبة :
لكن لم؟ لما أخفيت نفسك عني؟ أحدثك مرارا وتسألني عنه؟
مروان مبتسما :
كنت أود مساعدتك لكني خشيت مواجهتك فترفضين كعهدي بك، أحببت أن أكون الظهر الذي تستندين عليه نجلاء دون أن تشعري.
بكت عبير طويلا ليقوم بتهدئتها:أنا أحبك عبير.... أحبك كثيرا وبذات الوقت بشدة الفخر بشخصك واصرارك وأتمنى بكل قلبي أن تشاركيني بقية عمري.
ابتسمت عبير وهى تزيل عبراتها وابتسمت من جديد مكررة :من أين جلبت كل تلك النقود؟ هل تسرق مروان؟
الفصل ١٠
وللسنين رأى آخر..
مرت السنوات سريعا وانتهى فصل كامل من فصول الحب التى غدت مسرعة تاركة خلفها ندوبا كثر لتعاود الصورة بالوضوح من جديد وتتلاقى الشخوص بذاتها لكن بعد حين...
مروان قادما نحو عبير التى أجهدها العمل طوال اليوم بالصيدلية :أما آن للقمر أن يستريح قليلاً ؟
عبيروابتسامتها العليلة تملا وجهها المنير :ها قد اتيت ملاكى الحارس فلتستلم مكانك سيدى فقد أنهكت اليوم!
مروان بحب : لقد شعرت بذلك لذا فأنا بموعدى هذه المرة.
عبير :سوف أجلس لدقائق قليلة ثم أتوجه للمنزل كى ألقى بحالى على فراشى فأنا بحاجة الى النوم العميق مروان.
مروان وهو يحاول أن يجذب يدها :فلتجلسي قليلا معى ألسنا مخطوبين!
عبير :نعم سيدى فأنت خطيبى لكنى بحاجة للراحة اليوم ولا حاجة لى سواها فلتسمح لى زوج المستقبل بالاستئذان.
إبتسم مروان معبرا لها عن سماحه لها بالانصراف فى حين تماسكت عبير وهى تغادر المكان كى لا يلتفت لذلك الألم برأسها، اندفعت نحو الخارج وهى تتأوه من كم الوجع الذى تعانيه، ارتادت أحد التاكسيات ثم حاولت التنفس بقوة حتى مضت الدقائق وكانت على فراشها المرتب الذى يزينه احد الأغطية الفاتحة اللون المزركشة بالورود البيضاء، نظرت نحو تلك الصورة على الحائط :لا أدري هل ما افعله صحيح أمى أم لا لكنى أصبحت شديدة الاعتماد على تلك المهدئات، رأسي لا تهدأ دونها وكأن كل تلك السنوات التى فارقتنى بها لم تفعل بي شيئا سوى الألم أمى ... كم أحتاجك، أشتاق لعطر ملابسك وطيب كلماتك فقد كنت نعم المعين لكنى لا قوة لى بالموت فهو قدر على العباد جميعا وكل تلك القصة قدرى الكبير...
خلال تلك الأثناء كانت رغدة تهدج صغيرها حتى دق الباب فقامت بانتعاشة:يامرحبا يامرحبا لقد وصل والدك اخيرا، أهلا أمجد.
ابتسم امجد على مضض وهو يلتقط انفاسه العليلة لتلاحظ رغدة كم الارهاق على وجهه :ما بك آمجد؟ ما كم الارهاق على وجههك؟
أمجد :الطقس شديد الحرارة اليوم ولا حيلة لى سوى بالتأفف!
رغدة وهى تمسك بابنها :لكن نظرة صغيرة لهذا الجميل فد تغير رؤيتك تماما.
التقطه أمجد وهو يطيل النظر نحوها وهى تنصرف من أمامه :لقد حل بى التعب حبيبتى يالهذه الحياة لا تجعلنا دائما نسعد بها دوما تأتى المنغصات حتى لو من بعيد.
رغدة وقد تبدلت تقاسيم وجهها:عن أى منغصات تتحدث؟
أمجد وهو يبتلع ريقه :منذ فترة كنت قد تحدثت إلى أحدهم بذلك العنوان الذى وجدناه عما قريب ل....
قاطعته بحماس :والدتى... صحيح ؟ التقطت أنفاسها سريعا ثم سألته :هل وجدها؟ هل تعرفت على مكانها؟
قاطعها أمجد :أعطينى الفرصة للرد، اليوم فحسب قام بالرد على وأخبرنى بأن تلك المرأة بذلك العنوان الذى أخبرته وكذا العنوان، نزيلة لاحدى دور المسنين.
تكاثرت الدموع بمقلتى رغدة التى حاولت التفوه بأى كلمة لكن صعوبة الموقف جعلتها تلتزم الصمت كى يكمل ما بدأه
فأكمل مستطردا :سألته عن أولادها ؟ ولم ذهبت لتلك الدار؟ فأجابنى بأن لها حكاية طويلة من الألم ولم يقم حبيبتى بالتفسير.
تساقطت دموعها فقامت بازالتها بتمهل ثم سألته :هل اعطاك العنوان؟
أمجد بعقلانية :بالطبع فهو بحوذتى الآن...
رغدة :هيا بنا أمجد.... فلنذهب اليها حبيبي فلم أعد استطيع التحمل أو أطيق الانتظار أنا اتلهف لرؤيتها...
أمجد :اليوم لن يكن مناسبا رغدة فهى بمكان بعيد عنا ، سوف يتطلب منا لساعات وتلك الدار لها أيضا موعد لاتمام الزيارة باذن الله فى الصباح أعد بأنك سوف تكونين بصحبتها...
حاولت رغدة التملق من كلماته لكنها عادت لهدوئها وهى تفكر :كيف ستواجهها أو حتى تتعرف عليها بعد كل تلك السنوات؟ كيف سيكون شعورها نحوها؟
ما هو حالها الآن وكيف وصل لدار مسنين؟
ضجت رأسها من كم التساؤلات والاجابات المحيرة التى ذهب اليها عقلها فتوقفت بصورة مفاجئة وهى تستدعى لحظات النوم كى تعود لتستفيق من أجل والدتها من جديد فى حين كانت استجابة عبد الرؤوف لتلك المرأة التى اصطحبته لمنزلها منذ أكثر من عام
:ما بك رؤوف ولم تبدو اليوم غير سعيد؟
عبد الرؤوف وقد تمادى بالنظر لتلك الفتاة على شاشة التلفاز :لا لا أعرف لكن تلك الفتاة تشبه ابنتى كثيرا!
السيدة :ابنتك أى واحدة عبير أو ....
قاطعها بحسرة مرددا :سارة... سارة ابنتي..
السيدة :وهل كانت ابنتك ممثلة أو كانت ملتحقة بأى معهد فنى؟
رؤوف :لا لا مطلقا فقد كانت بكلية الآداب..
دقائق من الصمت حتى توالت الدقات على باب البيت ففتحت أحلام مرحبة :
مرحبا.. أستاذ سامح..
عبد الرؤوف :مرحبا سامح لم كل هذا التأخير؟ هل أصابك مكروه خلال تلك الفترة؟
لا بل ابنتى من كانت ملازمة للفراش فقد أصابها الاعياء الشديد ولم اتمكن من الخروج.
عبد الرؤوف :ياالهى كم اعشق ابنتك نطرات عيونها المليئة بالأمل هى من أعادتنى الى الحياة.
زميله باسف :أنا احارب فى تلك الحياة من أجل ابنتى الوحيدة على الرغم من كل الظروف حولى لكنى أقاوم فقط من أجلها .
صمت زميله قليلا وهو يتابع النظر نحوه خلسة ثم وجه عيونه نحوه بقوة :
هل تسأل عن عبير... عبد الرؤوف؟
عبد الرؤوف :لا فأنت تعرف أنى .....
زميله بعنف :ماذا تقصد؟ كل تلك السنوات وأنا أتحدث اليك عن ابنتك وأنت لا تبال بها ، فأخر ما عرفته عنها أنها كانت دائمة البحث عنك ومنذ فترة لم أتواصل معها، كم تمنيت لو كنت تواصلت معها وزوجتك.
عبد الرؤوف :لم أتواصل مع أحد وفضلت غلق هذه الصفحة من حياتى فزوجتى تعاملنى بحب منذ تعرفت عليها، قامت بترميم كل الألم داخلى لذا فليس لى من حياة اخرى.
زميله :وما ذنب زوجتك الأولى بكل هذا النكران؟
عبد الرؤوف :لقد انتهت فصول حياتنا بالوقت الذى تركت لابنتيها السبيل للخطأ، لقد قامت بالضغط على أعصابى كثيرا حتى فقدت القدرة على الحياة من جديد، لا أريد العودة لتلك الحياة البالية فقد اكتفيت بتلك المرأة التى احتوت جرحى ومرضى وكانت هى اليد التى تحنو علي باستمرار...
زميله :أنت تظلم بهذه الطريقة كثيرا عبد الرؤوف، ان تركتك ابنتك الاولى فما ذنب الثانية التى انسحبت من حياتها بالقوة ودون أى سابق انذار... فلتسمح لى أنت ظالم كبير..
عبد الرؤوف بعصبية :لا أسمح لك بهذا النعت ولن أرض بالتدخل فى حياتى بتلك الطريقة، ان كنت تحبنى بصدق فلتعش معى حياتى كما أحب ...
زميله :من أجل صداقتنا يجب على نصحك، انت لم تضع ابنتك فحسب بل أضعت حياتك كلها، قد تكون زوجتك الجديدة بالمرأة الخلوق لكن ما الضير بالرحمة بمن تقاسمت معها الخبز والحياة من قبل!
عبد الرؤوف وهو مغلق عيونه : فلتنس أمرى كله... انس أمرى كله..
خرج زميله مندفعا نحو الخارج فى حين جلست زوجته جواره تحاول تهدئته الا أنه اندفع باكيا حظه العثر بالحياة وأنه بالكاد ما ينسى كل ألمه ليأتى صديقه فيذكره باستمرار، حاولت الزوجة التحدث بعقلانية لكن حالته الحرجة بذلك المساء جعلتها تثنى عن اعطاء رأيها بهذا الأمر فعادت تتابع التلفازجواره فى صمت،
خلال تلك الأثناء كانت الدقات على حجرة النزيلة بالدار السيدة أحلام، جلست رغدة وأمجد ينصتان إلى صاحبة الدار التى أخبرتهم بموعد مجيئها إلى هنا وأنها من الشخصيات الرقيقة والطيبة بذات الوقت حتى دلفت سامية الحجرة سريعا فتوقفت رغدة بحركة مفاجئة، دارت عيون سامية بالغرفة ثم توقفت عند مديرة الدار التى بدأت الحوار :
أهلا بك أحلام هنا بعض الأشخاض يودون زيارتك
ابتسمت أحلام على مضض وهى تكرر بصوت خافت :وهل هناك من يود زيارتى!
سمعتها رغدة فاندفعت نحوها :أجل... فأنا أنا من أود ذلك.
نظرت رغدة إلى وجه السيدة الذى تشعب بالتجاعيد الكثر حتى قامت بالضغط على عيونها العميقة والحزينة بذات الوقت، انتبهت الى شفتيها الصغيرتين كشفتى رغدة ثم ذلك الطابع على ذقنها، همت رغدة بالقاء نفسها بحضنها لكن أمجد قام باثنائها :
لقد جئنا من مسافة بعيدة من أجل رؤيتك أمى
قالها أمجد ثم تتبع كل منهما رد أحلام الذى كان غريبا :
لكنى لا أعرفكم
حاولت رغدة التحدث لكن كلماتها صارت تطوق أحبالها فاكتفت بالنظر نحو أمجد الذى كان نعم المعين :
نعلم ذلك أمي فأنت ،
نحن جئنا اليك خصيصا من أجل ....
تعجبت السيدة ورغدة تتخذ مجلسها دامعة :
ما بك ابنتى لم تبكين الآن؟
رغدة باكية بنحيب :ابنتك.. ابنتك أين هى ابنتك؟
نظرت أحلام نحوها باندهاش :ابنتى... ابنتى.... لقد كان عندى ولدين... لكنى أتذكر جيدا... أجل كان لى (اتخذت مجلسا على الأرض أسفل رغدة) (تعجب الجميع وهى تحرك ذراعيها كما لو انها تحمل صغيرها) كان جميل جدا عيونه، شعره، ابتسامته وطابع.....
قاطعت السيدة صمتها توقفت بصورة مفاجئة متجهة صوب رغدة التى انتصبت أمامها باكية، اقتربت منها أحلام وهى تضع يدها على وجهها صارت تمسك بتقاسيم وجهها حتى ذقنها فسقطت باكية على الأرض :انه كان يشبهك أنتي ...
بكت رغدة طويلا ثم ارتمت عليها بقوة فاحتضنتها أحلام
وصارت تبكى بشدة :
الم تكن لديك ابنة؟
السيدة بتعجب :لا لا ليس لي سوى ولدين!
صدمت رغدة التى أسقطت ظهرها على كتف أمجد الذى شعر بالخيبة،
توقفت السيدة لدقائق ثم صارت تصرخ بقوة وبصورة غير طبيعية، ارتعشت رغدة وهى تحاول ضمها لكن الأم تحولت لأخرى مغايرة ، سرعان ما تحركت المديرة وهى تردد :ها قد عادت الحالة من جديد..
طرقت تلك الكلمة مسمع رغدة وامجد بذات الوقت ليرد كل منهما باندهاش :عن أى حالة تتحدثين؟
أجابت المديرة :
أحلام عبد العزيز
رغدة :لكن أمى اسمها أحلام عبد الكريم....
أمجد بضيق :ياللأسف ليست هى من جديد.
حاولت رغدة التساؤل لكن المديرة قامت بانهاء الحوار سريعا وهى تنصرف بصحبة السيدة التى أخذت تلوح بوجهها بقوة صوب عيون الجميع كأنها تستنجد بها حالها العليل ،
خرج الثنائى من الدار وعلامات الارتياح بقلبيهما باتت قليلة بالنسبة للانزعاج والقلق
: كيف لحالي أن يكون عسيرا هكذا؟
تفاجئ أمجد بكلمات رغدة الحزينة :
هو بالفعل عسير لكننا لا ننكر اننا وصلنا لنقطة مضيئة بالطريق.
رغدة :أشعر بكثير من المتناقضات فأناشديدة الخوف من رؤيتها وأتمنى احتضانها على الفور ، كم تمنيت لو طوقتها كثيرا جدا حتى انتهت الحياة على ظهر هذا الكوكب اللعين!
أمجد :لم نصفه باللعين ونحن البشر من أضفنا اليه كل الخصال السيئة، الأرض كانت طيبة رغدة لولا البشر وأفعالهم!
رغدة :ما الذى حل بها فجأة كى تثور كل هذه الثورة؟
أمجد :لا أدري ولكننا لم نتطرق لأى جزء آخر بحياتها فقد تحمل صفحاتها الكثير من المنغصات!
ابتسم أمجد لرغدة ممسكا بأصابعها المكتنزة :يستحق اليوم الاحتفال على ان والدتك لم تكن تلك السيدة الشديدة الاعياء .
نظرت صوبه بقليل من القلق :بالفعل هيا بنا فلنذهب الى أحد المطاعم فأنا بشدة الجوع أمجد.
على الجانب الآخر تزايدت دقات عبد الرؤوف وهو يتابع ذاتها الفنانة على التلفاز وبداخله شغف أن يعرف اسمها فهو يشعر بأنها ابنته سارة فهى تحمل ذاتها الوجه الدائري لكنه غير ممتلئ كعادتها، لها نفس العيون الدائرية الشكل لكن العدسات الملونة تحيله عن التأكد من ماهيتها بشكل دقيق
عاد يراجع حاله :ابنتى لم تكن من ذوات الشعر المائل للصفرة يوما ما، فقد تكون هى سارة لكن عوامل التعرية هى كفيلة بذلك التغير!
استمر عبد الرؤوف على وجهته حتى كان توالى الأسماء على تتر العمل الفنى عندما توحدت عيونه على اسمها سارة شهدى شعر بالغثيان فهى تحمل نفس اللقب للعائلة وكذا اسمها الاول، ها هى ابنته الهاربة تعود الى الواجهة وتعرف عليها اخيرا
عبد الرؤوف محدثا حاله :
ياالهى فقد وصلت لعالم التمثيل لكنها لم تحلم يوما بذلك، أشعر بالألم الكبير بقلبى (تعالت نبراته وهو ينادى على زوجته كى تتمكن من اللحاق به وصار يهذي :
قلبي... قلبي...
خلال تلك الأثناء عادت نجلاء الى الصيدلية وكانت وقفتها مع مروان الذى قابلها بحبور :
عبير لقد قمت باعداد المطبخ كما خططنا له لم يتبق سوى بعض الكراسي من الصالون ونفرغ منه ونكون قد انتهينا من كل المقطوعات الخشبية
ابتسمت عبير باعياء ناظرة اليه بتوسل كى ينهى كلماته
رأسها المتعب لم يعد صابرا على علته فها هى السيوف تدق برأسها من جديد وهذه المرة لم تقدر على المقاومة فكان الاستسلام الكبير صارت تتهاوى أرضا وكل الماضي يترنح امام عيونها الذابلة، صورة أختها على شاشة التلفاز التى لم تلحظها سوى من أسابيع تتراقص بشدة أمام صورة أختها القديمة، والدتها وهى ملقاة على الأرض وفاقدة كل خيط للامل، والدها وهو يهاتفها معنفا اياها على ذنب لم تكن لها يد به ووالدها مجالسا اياها وأختها وعلامات السعادة على الوجوه، كل الماضى صار كالضباب الذى حال دون رؤيتها لمروان الذى حاول الامساك بها لكن كل الماضى كان أقوى من سرعته فسقطت ارضا
مروان :
عبير... عبير... ما بك عبير ؟
وبسرعة خاطفة حملها وأسرع بها بعيدا لأقرب مشفى، خلال تلك الاثناء كانت الدقات على منزل عبير الخاوى، خرجت احدى الجارات كى ترد عنها
:لم تعد بعد آنسة.... فهى تقضي طوال ساعات النهار بالصيدلية وتعود بحوالى الثامنة.
ودعت السيدة السائلة ثم جلست تتسائل
:من تكون تلك الجميلة؟ على الرغم من انها متدثرة حتى عيونها غير ظاهرة لكنى أشعر بأنى اعرفها؟
من تكون اذن؟
لحظات من الخوف الشديد عانتها زوجة عبد الرؤوف التى استطاعت اللحاق به بالأخير وبعد ساعات من الألم والعديد من الأجهزة :هل أنت بخير؟ عبد الرؤوف هل أصبحت بخير؟
نظر نحوها باعياء :أجل.. أشعر بكثير من الراحة الآن..
شكرت الزوجة ربها على أنه اعاده الى الحياة من جديد ولم تفتح معه أى من التساؤلات التى قد تزعجه لكن الشكوك داخلها صارت تتوالى عن سبب ذلك الألم الكبير حتى خرجت كلماته العليلة :لقد عرفت أين ابنتى؟ لقد رأيتها على التلفاز هى الآن ممثلة صارت ممثلة.. هكذا وصلت لطريق المال الذى قد يجلب لها سعاتها التى طالما فقدتها بين ذراعى ووالدتها، كانت شديدة اللهث خلف المال ها هى اليوم لديها المال، الشهرة والجمال هل أصبحت سعيدة سارة؟
هل أصبحت سعيدة ابنتى؟
تسارعت الساعات على مروان وهو يتابع الاطباء وهم يتناوبون على عبير التى استطالت مدة اغماءها الى ساعات فى حين استمرار النبض بشكل طبيعى مما أثار حفيظة مروان وأخذ يسأل كل من يتابع حالتها حتى أجابه احدهم بالأخير :
اهلا سيدى انها الآن بحالة قد تكون مستقرة فقد استعادت وعيها بعد شقاء من جانبنا جميعا فمع استمرار الثبات تضاعفت تساؤلاتنا فى حين مرور النبض بشكل طبيعى لكن على أى مستوى فهى الآن بحالة مستقرة ويفضل مكوثها بالمشفى لمدة يومين وخلال تلك الاثناء نكون قد اجرينا بعض الفحوصات للاطمئنان على وضعها الصحى..
استقبل مروان الكلمات بتفاؤل منصرفا نحوها فى حين تتابعت الدقات على باب منزل عبير مجددا لنفس السيدة :
لم تحضر بعد سيدتى والجميع هنا فى حالة قلق عليها فهى لاول مرة لم تعد منذ الصباح.
السيدة وهى تخفض صوتها :شكرا سوف آتيها صباحًا لعلها تعود...
ظلت الجارة تنظر اليها بشغف كبير بانتظار أن تتعرف على هويتها لكن محاولاتها باءت بالفشل لتغادر من جديد إلى سيارتها السوداء منطلقة بعيدا....
مرض عبير
بالصباح استسلمت عبير للكثير من الأشعة والتحاليل التى قام بها الأطباء كل على حد ثم كم هائل من الأدوية لكن صورة أختها لا تزل عالقة بعيونها فأخذت تحدث حالها :
لقد اصبحت ممثلة جميلة، أشعر بالحنين نحوها كثيرا تلك المناقشات بيننا والمعارك كم كانت غاية فى الجمال لكن ذلك الوصول كم كلفك أختى؟
دلف مروان الغرفة مبتسما :صباح الخير عبير
كيف حالك اليوم؟
عبير بابتسامة :بأفضل حال لكن رأسى تؤلمنى قليلا..
مروان بتفاؤل :فلنحمد الله على كل شئ، هل قاموا باجراء الفحوصات؟
عبير :نعم... لكن الغريب عددها فقد قمت باجراء أكثر من فحص!
مروان :هم يريدون الاطمئنان عليك..
عبير :لم كل ذلك؟
مروان :فلننس أمر التعب قليلا ودعيني اخبرك انك اليوم جميلة بتلك الملابس ولست جميلة فحسب بل جميلة جداااا.
عبير مبتسمة :لم تصر أن تجعلني خجلة من كلماتك.
مروان :وهل الحقيقة تخجل عبير ؟ أنا أحبك كثيرا جدا وبذاته القدر أقدرك واحترم حياتك وقوتك، هل تصدقينى ان اخبرتك أنى اشعر بالفخر الكبير كوني جزء من حياتك؟
عبير بابتسامة كبرى :ما كل هذا الاطراء؟
خلال تلك الاثناء كانت الدقات المتتالية على الغرفة، أسرع مروان كى تدخل ذاتها المتدثرة إلى الغرفة حملقت بوجهه قليلا ثم اندفعت بسؤالها :
مروان.... هل أنت مروان؟
ابتسم مروان كعادته :أجل انا هو لكنك....
قاطعت الكلمات الحائرة وهى تزيل نظارتها السوداء الكبيرة :
هل هذه الغرفة لعبير.... اختي؟
تساءل مروان :هل أنت ....؟
فردت هى وعبير بذاتها اللحظة :سااارة.... سارة.
اندفعت سارة نحو أختها التى لم تع لشئ سوى لذراعيها مستقبلة أختها الوحيدة ثم عادت عبير لتمسك رأسها من جديد متسائلة :
كيف عرفت مكانى؟
سارة وهى تطيل النظر بوجه أختها العليل :لقد ذهبت إلى بيتنا قبل يوم فلم أجد أحدا فعدت اليوم مجددا فأخبرنى أحدهم أنك بالمستشفى فلم أشعر بحالى سوى وأنا أمام غرفتك، كم اشتقت اليك أختى
اشاحت عبير وجهها بعيدا عنها فأعادت سارة عيونها نحوها :أشعر بالأسف الكبير فأكثر ما يوجعنى اليوم هو أنتم ...
عبير بسخرية :من أنتم؟ فلم يعد هناك سوى انا!
استكملت بحزن :لقد صرت وحدى منذ ليالي طويلة أنا وأنا فقط.
استاذن مروان كى يطمئن على نتائج الفحوصات من الاطباء فى حين استكملت كلاهما الحوار
سارة بحسرة :هل ماتت أمى؟
عبير بذاتها الحسرة كما لو أن وفاتها واتتها بتلك اللحظة :نعم توفت فور هروبك...
قاطعتها سارة بحسرة :توفت بعدى مباشرة كيف حدث ذلك؟
عبير وهى تراجع ذاكرتها ليست بالبعيدة :لقد انتهت أمى باللحظة التى فررت منا، ذهبت روحها بعيدا لكن الجسد ظل محله يتألم ويشعر بالكثير...
قاطعتها سارة والندم مسيطر عليها :
وأبي؟
عبير :ذهب هو الآخر!
سارة متفاجئة : هل توفى هو الآخر؟
عبير: لا بشكل آخر تركنا وحدنا كما فعلت أنت أيضا
سارة بخجل :أنا.... لم اكن اتصور.... تلك النتيجة و...
عبير:و..... ماذا كنت تتوقعين من هروب فتاة ببيت محافظ على ستره طوال الطريق، ما الذى دار بمخيلتك حينها؟
ها.... هل كنت تتوقعين اتحادنا والتفافنا حول بعضنا من جديد لا.... سارة فنحن كنا بالضبط كحزمة صغيرة واحدة وبفرارك تم بعثرة تلك الحزمة.
بكت سارة طويلا ناعية أبيها وأمها وكذلك أختها التى لاحظت ذبولها ووجعها الكبير، ظلت ممسكة بأصابع أختها الدقيقة حتى غاب مروان طويلا بالخارج فتحسست عبير غيابه :
أين ذهب مروان؟
سارة بتساؤل :مروان... كيف اجتمعت به؟
عبير :قصة طويلة...لست بصدد أن أحكيها الآن
سارة بيأس :مروان لقد كان هو بداية ذلك الخيط الذى لم ينفك إلا وأن استطال...
عبير بحيرة :مرواان... كيف ذلك؟
سارة :قابلته باحدى المرات قبل فرارى بكثير، واجهته بانشغالى به واعجابي الكبير، كيف له بكل هذا الاهتمام فى حين لم تخرج كلمة واحدة كى تبقينى على صراطى!
عبير :لكنك.....
قاطعتها :كنت احبه كثيرا لكنى كنت أخبئ ذلك داخل حالي على الرغم من ضعف امكاناته لكنه فاجئنى ذلك اليوم أن كل تلك النظرات وكذا الاهتمام لم يكن لى أنا أختى... فقد كان كله لك
عبير وقد استردت وعيها قليلا :كان يحبنى أنا منذ البداية!
سارة :بالفعل و قد كان الاعتراف بمثابة القشة التى قضمت ظهرى فكيف أحيا معك وقد زعزع حبه لك شئ داخلي رغما عنى أختي...
حاولت عبير التحدث لكن سارة قاطعتها :
بعدت عن البيت محاولة التخفى والبدء بحياة جديدة ظنا مني انها قد تجلب لى الكثير من الحظ الذى فاتني منذ ولادتى..
عبير ساخرة :وهل حصلت عليه أخيرا؟
سارة وقد تحجرت الدموع بمقلتيها : لا لا ابدا لكن الوقت الآن ليس بالمناسب للحديث عنى، كل ما اريد أن أخبرك اياه انى ومنذ فرارى نزع ربي غطاء ستره عنى لأني لم أرضي بقدري فرأيت من الأقدار أرداها... (توقفت قليلا ثم أكملت) ها أنا اليوم أتنسم على دقيقة واحدة بصحبة امى وأبي..
عبيروهى تحتضنها :كلنا اليوم أصبحنا خاسرين ونتمنى لو عاد بنا الزمن فقط ورضينا..
خلال تلك الأثناء عاد مروان للحجرة لكن بتقاسيم مغايرة تماما فبادرته عبير :ما بك مروان؟
مروان بتردد :لا شئ... لاشئ
سارة وقد شعرت بوغز بصدرها :لقد آن الأوان بأن أنصرف، هل ستخرجين اليوم؟
قاطعها مروان :لا لا فسوف تمكث هنا قليلا كى يتم شفاءها باذن الله.
شعرت سارة بشئ وراء حديث مروان الناقم فاستأذنت وخرج بصحبتها الى الخارج بادرته بالسؤال :
ماذا بها اختى؟ ماذا أخبرك الأطباء؟
مروان متعجبا :لكن كيف.....؟
قاطعته :وجهك يظهر كل السئ، فلتخبرنى ماذا قالوا؟
مروان وجسده ينتفض :انه السرطان...
سارة وهى تشهق بقوة :لا تقلها.... سنجرى الفحوصات بمستشفى أخرى.
مروان :لا أدري شيئا أشعر بالخيبة وكذا الألم الذى جعلنى فاقدا للصواب!
سارة :السرطان اختى.... حبيبتى...
************. *********
التقطت سارة أنفاسها المتعبة ثم أمعنت النظر داخل عيون عبير العليلة :
لقد كان ذلك الليل ليس كمثله أبدا ، اطبقت عيونى الممتلئة بالدموع وذلك الوسواس يخبرنى انه لم يعد لى مكان بذلك البيت الذى طالما ارتطمت بجدرانه المتهالكة نظرت نحوك وانت بفراشك تذمرت أنى لن استطع النظر بعيونك من جديد فقد امتلأ قلبي بالحقد منذ اعتراف مروان ..
قاطعتها عبير برفق :لكنك سبق واخبرتنى أنك لا........
التقطت سارة كلماتها :لا أحبه .... بالعكس عبير كنت احمل نحوه مشاعر كلها حب وشغف كبيرين لكنى اخفيت ذلك داخلى لأنى كنت أشعر بالقلق تجاهه..
عبير بخوف :هل لازلت تحملين ذاتها المشاعر تجاهه؟
ابتسمت سارة بسخرية :مشاعر.... لم أعد أحمل شيئا داخلى سوى الندم أختى!
اقتربت عبير من سارة التى بدا عليها التعب والقلق :
يكفى اليوم ان شعرت بالارهاق..
سارة وهى تعتدل محركة عيونها بغصة :
لا... حبيبتى فكل ما بداخلى ينتفض خارجا نحوك، تلك الفضفضة التى طالما حلمت بها وحدي، ذاتها الأحاسيس منذ صغرنا.
عبير بحب كبير :تفضلي أختى ..
سارة وهى تزيل ما بوجهها من مواد مبيضة :لقد حان الوقت الذى أزيل به كل ما بدل ملامحى، فقد اخترت الزينة الكاملة حتى تخفى ما بداخلى من حسرة.
عبير بتعجب :عن أى حسرة تحكين سارة؟
سارة باكية :خرجت من حجرتنا ليلا محتضنة كل صورنا سويا، خشيت الاقتراب من حجرة أبي حتى لا أوقظه من جديد، لم أخف بحياتى من أبي سوى بذلك اليوم أغلقت الباب خلفي بلطف وفكرت أين أذهب ؟ فلن تكون وجهتى هى أصدقائي بالطبع ولا حتى أقاربنا ، درت بالطرقات طويلا حتى ذهبت بالنوم على أحد المقاعد ليوقظنى بعدها أحد العساكر.. صار يحاصرنى بالأسئلة حتى بكيت فشعر بالشفقة تجاهى وقال لي :
فلتذهبي ابنتي إلى بيتك فلا يصح ما تفعليه الآن بهذا الوقت من الفجر..
استطردت :
فكرت بذلك الشاب الذى كنت معه، حاولت الاتصال به لكنه تنصل منى وعندما واجهته بكلماته العاطفية التى طالما أمطرنى بسماعها صفعني بالحقيقة اللاذعة :
لم تكون سارة سوى تسلية لبعض الوقت، مع ذلك كله لم أفكر مطلقا بالزواج أو الحب عزيزتي،وان قادنى عقلى لذلك الطريق يوما فلن تكونى أنت شريكتى سارة يوما ما..
تذكرت طوفان أبي وغضبه الذى لم يكن له مثيل، لم يخطئ أبي فأنا من اوقعت حالى بالفخ لكن شيطاني أعادني لطريقه من جديد وصور لى سيناريو العودة بأبشع ما يكون، ذهبت إلى أحد الفنادقالفقيرة استأجرت حجرة لمدة أسبوع كى يتسنى لى التفكير مليا بحالي..
هنا دق الباب بلطف ليدخل مروان :
السلام عليكم.. كيف حالك اليوم عبير ؟
عبير بقلق :لا أدرى لكني مللت من تلك المشفى وأريد العودة لبيتى سريعا.
سارة وهى تخفى دموعها :اتفقنا أختي أننا لن نغادر سوى بعد الاطمئنان الكامل عليك ولا يزل هناك الكثير من الفحوصات....
عبير بتساؤل :
عن أى فحوصات تتحدثون؟ لقد أرهقت كثيرا وأنا لا أفهم ! ما هى حالتى سارة؟
نظرت سارة نحو مروان بخوف فأعادت عبير السؤال من جديد :
ما هى حالتي مروان؟ أليس بارهاق بسيط؟ أم ماذا؟
مروان متحريا الصدق :وما الضير فى كثير من الاطمئنان؟
عبير بعنف :لكنكم تخفون شيئا لا أعلمه وهذا ما أشعر به!
سارة محاولة التلاعب :ألن تسمعي بقية قصتي الطويلة!
عبير والقلق مساورا اياها :
لا... بل يكفى اليوم فرأسي صار يتعبني كثيرا وأريد النوم من فضلكم..
خرجت سارة برفقة مروان :
ماذا سنفعل؟ هى تشعر بالحقيقة التى لا نجرؤ على البوح بها.
مروان :لا تنس كونها طبيبة!
سارة :لا أعلم شيئا فكل ما بذاكرتي الآن هو القلق الذى صار يخيم علينا جميعا، لقد بات فقد أحدهم بالأمر ر المخيف مروان فمن جرب شعور الفقد يوما هو من يعى ماهيته!!
مروان بحسرة :
علينا ان ننتظر قليلا ثم تتضح الرؤية ومهما كانت النتائج سوف نحاول اامقاومة.... أجل سارة يجب أن نتكاتف الآن من اجل انقاذ عبير من براثن المرض.
سارة :سأفعل ل كل ما بوسعى كى أكون جزءا منها من جديد، سوف أحارب كل الظروف التى قد تبعدني عنها..
بصباح يوم جديد استقبل عبد الرؤوف صباحا مغايرا لما يحياه بكل يوم،
أحلام :صباح الخير عبد الرؤوف.. كيف حالك اليوم؟
عبد الرؤوف :جسدي بفضل الله لا يؤلمني لكن ذلك القلب يزعجني كثيرا!
أحلام بخوف :ما به قلبك؟ هل أصابك مكروه؟
عبد الرؤوف :القلق.... هو ما يرهق قلبي، أنا..... أقصد.... عائلتي لا تفارق مخيلتي!
احلام بفرحة :هل تشتاق إلى أسرتك؟
عبد الرؤوف :أشتاق ..... أتوق اليهن كثيرا وجه زوجتى يلاحقنى أحلام ،ذلك الحلم منذ الأسبوع المنقضى عندما اخبرتك أن وجه احداهن يواجهنى دون أن يصدر صوتا أو حتى كلمة! بالبداية لم أتعرف عليها لكنى اليوم استطعت رؤية ملامحها جلية، حسناء تريد شيئا!!
احلام :فلتطمئن عليهن عبد الرؤوف.
عبد الرؤوف :لا.... لا أستطع احلام... لا أستطع .
احلام :اسأل زميلك عنهن بالتأكيد يعرف عنهن أمرا
عبد الرؤوف :زميلي... منذ مدة وهو منقطع عنى..
احلام :فلتسمح لى عبد الرؤوف أنت من هاجمته بعنف عندما.....
عبد الرؤوف :لقد كان يصفعنى من أجل أسرتي، هاجمني بضراوة كما لم يفعل من قبل، أساء الحديث بسبب زواجي منك...
أحلام مبتسمة :أتفهم كل ذلك، له الحق به كيف لشخص أن يبيع كل ارثه من ذكريات بلحظة ضعف أمام شيطانه!
عبد الرؤوف مبتسما :انك بحق لملاك احلام.
أحلام :لست بذلك الملاك الذى لا يخطئ لكن الحياة أخذت مني الكثير كما أخبرتك من قبل عندما طاوعت ذلك الوسواس وقمت بالتخلى عمن كانوا مني، لقد تركت والدى من أجل زوجى اىذى صور لى شيطاني أنه هو الحياة وحسب......
شعور غريب.. فكرة التخلي مزعجة ولن يعيها إلا من اغترف من ترياقها، لقد حرمت وداعهما ولم يعد لى من حق بالحياة ودارت الدائرة بي كما تركت تركت عبد الرؤوف لكن هذه المرة بكل قسوة لقد تخلى عني زوجى وباعني بكل سهولة، لفظني خارج حياته ثم اضعت عمرى بعدها كى أبحث عن ابنتي التي قام بسلبها مني بالقوة، لقد صرت كالبلد المسلوب أرضه بكل جرأة..
استطردت :لقد زادني الحرمان حنانا نحو الجميع، بت أتحسس مواجع البشر وأحاول جاهدة على تضميدها، وحده من يستطيع مداواتك هو من شعر بالألم سابقا.
نظر عبد الرؤوف نحوها بحسرة كبري ودموعها تترقرق أمامه فتذكر زوجته وهى تتمنى نظرة السماح منه فعاد القلق يساوره مجددا ولم يشعر بحاله سوى وهو يدق على ذلك الباب
.
عبد الرؤوف مشيرا بأصبعه :أهلا حبيبتى... كيف حالك؟
اشتقت اليك كثيرا..
اندفعت الطفلة نحو الداخل حتى خرج والدها،
عبد الرؤوف :سامح..... لقد اشتقت اليك كثيرا... ألم تعد تريد رؤيتي!
سامح وهو يحرك بشعر ابنته :أنت من فضلت البعد عبد الرؤوف، حاولت اعادة الدفة لمحلها لكنك عنيد....
عبد الرؤوف :أعتذر منك صديقى لقد وصل بي الضيق لذلك المحل.
سامح مصطحبا اياه للداخل :
أهلا بك من جديد رؤوف بمنزل أخيك.
عبد الرؤوف متكئا على كرسيه :زوجتى وعبير... ابنتى هل تعرف عنهما شيئا، قلبي يؤرقنى عليهما كثيرا.
نظر سامح نحوه معاتبا :
لقد تأخر ذلك الشعور طويلا رؤوف لكنها ليست بمشكلة الأهم انك عدت من جديد.
سامح مستكملا :
كنت دائم السؤال عليهما لكن ذلك منذ فترة من الوقت، كانت زوجتك مريضة جدا وابنتك تائهة وحدها دون رفيق...
عبد الرؤوف بلهفة :ما بها حسناء؟ ما مرضها؟
سامح مبتسما :ان كنت تحمل كل هذا الحب داخلك فلم القسوة التى محت كل شئ بطريقها.
عبد الرؤوف باهتمام :اعذرنى الآن ليس بمحل العتاب اريد الاطمئنان عليهما!
سامح :لم لا تذهب إلى بيتك؟ فهو يظل بالنهاية محلك رؤوف.
عبد الرؤوف وهو يقف على قدميه ببطءواعياء :
لا استطع ذلك سامح، لقد تخليت عنهم وتركتهم دون شفقة مني كيف لى بالعودة؟
أخشى نظرات عيونهما... أخشى رؤيتهما... أخشى عليهما .... أنا أشعر بكثير من القلق عزيزي.
سامح:وماذا تريد منى اذن؟
عبد الرؤوف :أريدك أن تتواصل معهما وتخبرنى بآخر ظروفهما لكن اتمنى أن يكون بأقصى سرعة حساام... أريد ذلك سريعا جدا..
بعد مرور عدة أيام ازدادت الأمور تعقدا فوضع عبير الصحى لم يعد يسمح بأى تأجيل او انتظار
مروان محدثا سارة :
لقد أخبرنى الطبيب بأنه يجب علينا الاسراع باخبار عبير بحقيقة وضعها الصحى!
سارة :كيف لنا ذلك مروان؟ كيف ستخبرها بأن لديها سرطان!!
تبست قدمى عبير وهى تنصت لكلماتهم الخافتة أمام باب غرفتها وتذكرت وجه والدتها وهو يزداد برودة بلحظاتها الأخيرة
حسناء على فراش المرض :
اعتن بنفسك ابنتى فالحزن يقضى على كل ما هو صحيح.... وحده المرض يجعلك مسلوبة القوى، مهزومة....
عبير باكية :فلتقومى لى أمى.... لم يعد لى سواك بهذه الحياة.... قاومى ذلك المرض فقط من أجلي.
حسناء :لقد ذهبت روحى مبكرا عبير، غادرتنى عندما نظر لى والدك بقسوة لم أتوقعها منه، حينما قذفتنى ابنتى بالحصى بقلبي تاركة حضنى وحيدة....لقد قاموا بالاشتراك فى اغتيالي عبير الآن لست بقادرة على شئ سوى تمنى الكثير من الحظ من أجلك أنت ابنتى،
من ذهب فقد ذهب بحريته لذا فلا تسمحي لهما بالعودة، لا تسمحى لهما بالعودة نحلاء...
عادت نجلاء لواقعها العثر وهى تتذكر كلمات والدتها الغير. مسامحة، لحظات الفراق التى دمرت كل صحتها وها هى تسمع كلمات متفرقة وكلمتان فقط هما من وعت اليهما بقوة سرطان بالمخ، جذبت نجلاء الباب برفق لتتوقف قبالة كل من مروان وسارة اللذان توقفا فجأة عن الحوار :
بمن تقصدا سرطان بالمخ؟
سارة متخبطة بكلماتها :مخ؟ من؟ عبير...
نظرت عبير نحو مروان بكل شجاعة :
هل تم تشخيص حالتى سرطان بالمخ مروان؟
حاولت سارة الاجابة على سؤالها لكن عبير أوقفتها بعنف :
توقفى انت فالأمر لا يعنيك كثيرا..
ابتلعت سارة ريقها وتجمدت اىدموع بمقلتيها اثر كلمات عبير اللاذعة ليكمل مروان :
نجلاء فلتسمع جيدا لقد تم تشخيص حالتك بذلك لكن......
قاطعته عبير ناظرة نحو أختها :لكن ذلك كله لم يكن سوى على يديك أنت وأبيك أنتم من قمتم بالقضاء على أمى ثم علي الآن ها أنا ذا.....
سارة مقاطعة اياها :
لكنى حاولت الاعتذار منك عبير، لقد ندمت كثيراً على ما اقترفت، سامحينى أختى ... سامحينى واعذرى آلمي ..
عبير :بعد ما سمعته تأكد لى ما قالته لى امى، انت وأبي السبب فى كل شئ لقد تدمرت أنا اليوم اثر كل حزنى، قلقي ويأسي من الوصول اليكما..... عن أى عذر تتحدثي؟
ثوان من السكون الغاضب الذى ملأ الوجوه لتتبدل بأخرى ذات ملامح مغايرة حتى ظهر وجه عبد الرؤوف وسط الجميع فصعقت سارة :
أبي... أبي...
عبد الرؤوف مواجها سارة برعشة :
سارة.........
قاطعت عبير تلك المشاعر المتأججة والنظرات الحانية من جانبيهما بضحكات عالية متكررة حتى نظر نحوها مروان باندهاش :
لم تنظر لى بتعجب مروان؟ انه لمشهد كوميدي عظيم من بطولة الفنان والفنانة.
الفصل ١١ والاخير
اقترب عبد الرؤوف منها بعاطفة :
عبير.... عبير... ابنتى (حاول اجتذابها نحوه لكنها نأت بجسدها بعيدا عنه) :ألست بفنانة سارة!
لقد أصبحت ممثلة عظيمة وجهك يملأ الشاشات والكل بات يعرفك...
أخفضت سارة رأسها أرضا فى حين حاول عبد الرؤوف التحدث فأوقفته عبير من جديد مستكملة ما بدأت :
وأنت أيضا فنان كبير يامن كنت لى أبا..
قاطعها بحزن :
كنت... كنت عبير.
عبير بعصبية ودموع غزيرين :
نعم كنت أبي.. هل لديك الشحاعة لتخبرني انك لازلت أبي وهى لا تزل أختى... عن أى حق تتحدثون؟
لقد كبرت وأنا أحمل الحب داخلي أينما أحل، صورة أبي الكادح العطوف هى كل حياتى، أختى رفيقة دربي هى نصفى الآخر.... أمى... ياحبيبتى ياأمى.... ألا تتذكرها؟
أخفض والدها راسه ارضا هو الآخر لتكمل عبير بوحشية :
هل علمت بموتها؟ لقد انتهت على يديك انت، قمت بخنقها يوما بعد يوم حتى كانت الضربة القاضية ببدى كل منكما... اذهبا بعيدا عني.... اتركانى وشأني..
بكت سارة راجية نظرة عفو من اختها لكن عبير رفضت الجميع مغلقة حجرتها عليها باكية كل الظروف التى قادتها لتلك النهاية القاسية :
سرطان بالمخ لم يعد ينقصك سوى السرطان عبير، لقد جربت كل أوجاع الحياة ولم يتبق سوى ذلك بدربك العثر..
دق مروان على الباب :
عبير...
عبير بلهفة :ادخل مروان... هل ذهبا؟
مروان :لن اطل عليك الحديث لكنك كنت قاسية عليهما.
عبير :دعنا من كل هذا الهراء... ماذا اخبرك الاطباء؟
مروان مستجمعا قوته :انهم يقولون ورم خبيث لكن....
عبير بقوة :لكن ماذا؟
مروان :تتبقى امامنا رحلة من العلاج أو اجراء جراحة عاجلة لاستئصال ذلك الخبيث منك.
عبير :باذن الله سوف اجرى تلك الجراحة بكل سرعة فانا قادرة بفضل الله على اجتياز كل هذا الألم..
مروان بتساؤل :هل انت واعية لما تقولين؟
نجلاء بذاتها القوة :سآجرى الجراحة مروان من أجلك انت فقط.. مروان.. ربي لن يتركني او يخذلني... لقد أوجدنا الله على ظهر تلك البسيطة لا لنشقى لكن يبتلينا كى نصبر، نأخذ العون من فم الألم... خلقنا لمغزى لذا فانا شديدة اليقين بأنه سوف يكافئنى على رحلتى الطويلة التى لم أكل بها لكنى تمسكت ولازلت اتشبث بالأمل... الأمل فقط فى عون االه... الله كبير مروان قادر على جعلى مرضي هذا شفاءا،،
خرج مروان من غرفة عبير وعلامات التعجب وكذلك الفرحة تتقاسمان قسمات وجهه، سار يتحدث الى نفسه حتى أوقفه ذلك الصوت من بعيد :ابنى... ابنى..
التفت مروان الى الصوت :
أهلا أستاذ عبد الرؤوف.. لم تقف هنا؟
نظر عبد الرؤوف حوله ثم قال :ليس لى من محل سوى خلف الجدران ابنى....
تردد مروان فى كلماته ثم سأله :
أين كنت أستاذ؟ أقصد أين ذهبت كل تلك الفترة؟
عبد الرؤوف :تعالى مع ابنى وسوف أخبرك بكل شئ..
أمجد يتحدث مع رغدة عن والدتها،
أمجد :دعك قليلا من والدتك لقد أغلقت حياتنا على صفحة والديك وكفى...
رغدة :ماذا تقصد أمجد ؟ ولم تتحدث معى بتلك الطريقة!
أمجد بضيق :سأذهب إلى الورشة حتى لا أفقد أعصابي لأنك تماديت طويلا متناسية أى شئ جوار أبيك وأمك..
رغدة :لن تذهب بأى مكان حتى تخبرنى...
قاطعها بضيق :بم أخبرك... أنى مللت تلك الحياة البوليسية التى بدأت منذ سرت اثرك لأجدك تعملين من أجل والدك حتى قصة والدتك وكيف بذلت من مجهود كى أصل لعنوانها..
رغدة :هل تشعر بالضيق منى إلى هذا الحد أمجد؟ ألم تعد تحبنى كما كنت بالسابق؟
أمجد :ما هو الحب من وجهة نظرك؟ هل تحبيننى أنت اليوم أو حتى بالأمس؟
رغدة :بالطبع أحبك أمجد فأنت زوجى ووالد ابنى وكل ما لى بهذه الحياة.
أمجد بسخرية :
أنت لا تحبينى رغدة أنت فقط بحاجة دائمة لى... هناك فرق بين الحب والاحتياج.
رغدة بضيق :اذهب أمجد إلى ورشتك ودعني...
أمجد مبتسما :وأنا أرى ذلك أيضا.
غادر أمجد المكان فى حين استسلمت لضيقها الكبير فقد أمسكت بالأكواب أمامها وظلت تهشم بهم بقوة حتى سقطت أرضاً :
كيف لى بالحب أمجد وأنا لم اشعر به من أهلى ؟
هل من الممكن أن تشعر الفتاة بالأمان مع زوجها ان لم تشعر به مع والدها...
هل من حرم من حضن أمه من الممكن أن يعطى يوما؟
لا آدرى فتلك الأسئلة صعبه جداً والاجابات كلها سوف تكون لا بالطبع لا...
أنت تملك كل الحق أمجد فأنا كنت شديدة الحاجة الى أمى لذا التصقت بوالدى حتى تركنى وحيدة، التصقت بك أمجد لأنى فى أشد الاحتياج إلى والدى... مع ذلك كله لو كنت جربت الحب يوما لعرفته.... لو كنت....
سارة.... تمثل
عادت سارة الى موقع التصوير وعلامات الحزن تملأ وجهها الغير مرتب ليباغتها المخرج بالسؤال :
أين كنت سارة؟ لقد أضعت نصف اليوم؟
سارة بتردد :أنا.... آسفة أعتذر كثيرا كان لدى كثير من المهام التى......
قاطعها المنتج قادما:
أهلاً نجمتنا.... الكبيرة
(تيبست قدمى سارة وهى تخشى مواجهة وجهه)
ليستكمل هو :هل صدقت حالك أستاذة؟ لست سوى كومبارس صغير الى الآن..
سارة وقد امتلأت عيونها بالدموع :
أعتذر... لن تتكرر... سوف أكمل اليوم تصوير ما أخلفته من مشاهد.
شعر المخرج بضيقها فحاول أن يثنى المنتج عن كلماته القاسية مبتعدا حتى انفردت بذاتها الحزينة بغرفة الماكياج :لقد ابتهجت كثيرا عندما احتضنتنى أختى، شعرت أنه لايزل لى ضلع بالحياة لكنى كنت مخطئة فقد أجرمت طويلاً وحدث الكثير جراء ذلك الخطأ الغير مقصود لذا فعلى تقبل كل هذا الجزاء... الجزاء من جنس العمل مقولة صحيحة جداا..
عاد المخرج اليها من جديد :
ما بك سارة؟
سارة :لقد كنت عند أختى أستاذ..
اىمخرج كأنه يعلم قصتها :هل وجدتها أخيرا؟
سارة :للأسف وجدتها بالية مريضة بالمشفى.
المخرج :كيف وجدتيها؟
سارة :كما أخبرتك مريضة..
قاطعها المخرج :أقصد سامحتك... كيف استقبلتك؟
سارة :اعتقدت ذلك بالبداية لكن الشئ الأكيد أن لا شيئا يعود كما كان..
المخرج :حاولي ان تخرج من بوتقتك قليلاً دعينا نركز بذلك العمل.
سارة :سوف أحاول أن أقضى على ما بداخلى من آلام... أستاذ.
نظر المخرج نحوها بحسرة ثم عاد مستكملا التصوير.
*****
عبد الرؤوف بحسرة :
ماذا تقول؟ ابنتي تعاني السرطان!
مروان بضيق :نعم.... هى مريضة سرطان الآن وتمر بكل ألمه....
عبد الرؤوف :ساعدني ابني ما الذى يتوجب على فعله؟
مروان بانفعال :لا أعلم أستاذي ولا أعرف شعور عبير الآن وهل ستتقبلك من جديد ام لا؟
عبد الرؤوف :لكني والدها ابني وهى الآن بحاجتي.
مروان :لقد بحثت عبير عنك طويلاً ، كانت بأشد الاحتياج إلى حضنك وعونك.. توفت والدتها جراء قسوتك واهمالك..
التقط مروان أنفاسه بقوة ثم قال :
اعذرني..... أستاذ لكن كل ما ذكرته لك يأتي على لساني شفهيا مغاير تماما للحقيقة... فلست أنا من عانيت لكنى كنت دائم الانتظار جوارها.. الاهمال هو ما جعلها تفقد الثقة فى وجود أحدهم، كانت وحيدة منذ فترة.....
عبد الرروف باكيا :
لقد مررت بالكثير أنا أيضا لكني لم أقصد ذلك كله... لم أقصد صدقني..
مروان :الأهم أن تصل كلماتك اليها فهى من تستحق الدعم الآن.
عبد الرؤوف مستكملا بكائه :لكنى لا أستطع مراجعتها ابنى فأنا أشعر أني طعنتها طويلاً وهى الآن بمرحلة الاحتضار.....
هم مروان بالحديث لكن كلماته توقفت فى حين أخفض عبد الىؤوف رأسه أرضاً حيث لا محل سوى للأسف والندم الطويل.
وجع سارة
عادت سارة إلى منزلها الصغير لكن ذى أثاث فاخر إلى حد ما، ألقت رأسها على الفراش واستدعت وجه أختها وأبيها الذى امتلأ بالتجاعيد وكذا النحافة المفرطة،استعادت اللحظة التى ازاحتها أختها بعيداً عنها فى حين لاحظت نظرات والدها الغير راضيةرجعت سارة الى ماضيها البعيد وهى تحاول أن تسير رغم برودة الجو والشتاء الثقيل لذلك اليوم :
لم تكن ليلة كمثلها عندما نفضت قدمى من الطين وطرقت منزل المنتج الكبير المعروف.....
تذكرت.........
سارة تخاطب حالها :
لم ينظر لى هكذا؟ انه يفحصنى من أعلى إلى أسفل.
سارة تخاطب المنتج :
أتمنى أن أعمل بفيلم من انتاجك وأعد أنك سوف ترى ممثلة من الطراز الثقيل.
ابتسم ناظرا نحوها بخبث :أتفهم ذلك جيداً فهو يظهر جليا عليك حبيبتى.
عادت سارة إلى واقعها وهى تبكى بشدة ولم ينقذها من سوء حالها إلا هاتف من المخرج
المخرج :أهلا سارة..... ما بك؟
لم تبكين؟
سارة :أنا أتمنى الموت..... لم تعد الحياة تعنى لى شيئا ، ليت مصير شهد صديقتي كان من حظي انا فنظرات أبي وأختى لى كأنها سيوف تدق بجسدي.....
المخرج بسرعة :سوف آتيك سارة..
خلال دقائق كانت سارة بمحاذاته، سألها المخرج بحيرة :ما بك سارة؟ لم كل هذا الهم؟
سارة :ذكرياتى تؤلمني بشدة!
المخرج :ألازلت على ذاتها الحالة!
سارة :تلك النظرات التى رمقنى بها المنتج آنذاك استمرت معى
لأكثر من مرة ومع أكثر من منتج (علا نحيبها وهى تشهق عاليا) لم تقتصر على النظرات الموجعة، لقد تعرضت للتحرش بكافة أشكاله....
المخرج :اصمتى سارة.... اصمتي...
سارة :لا.... لقد هرمت كثيراً ، لم أستطع الحراك وأنا أراقب نظراتهم وتحركاتهم، شعرت مليا بالانكسار جراء ما قمت به بيدي.... فأنا من خدشت حيائي بيدى، لقد تحرش الجميع دون أن أتفوه بكلمة فقط من أجل فرصة للحياة...
ماذا تعنى الحياة ان تم اختزالك أمام ذاتك وتقلص حجمك أمام الجميع؟
أنت ترى جيداً كيف اتقدم بالتمثيل فخطواتى بطيئة جدا ذلك كله لأنى لم أعد أرتضى على حالي المهانة، وسط كله مكتظ بأصحاب التنورات القصيرة والملابس الغير محتشمة ماذا سينتج؟
كيف يتقبل الجمهور منا العون والنصيحة وواقع حياتنا مغاير لدجة الصدمة...لم يعد هناك فن هادف، أدب مفيد، علاقات اجتماعية أو ضمير بأى مجال...
المخرج :ما كل هذا سارة؟ أنت تخرجين الكثير من قلبك الآن!
سارة :أشعر بالخزى الكبير جراء ما اقترفت فقد ت
توفت أمى سريعا بعد هروبي وفر أبي تاركا بيته من بعدي... لقد تحطمت أسرتنا نبيل كل هذا بسببي، اليوم توفت صديقتي ولم أستطع أن أحرك ساكنا، أختى مريضة وأبي مسن عليل، كل منهما لا يحمل سوى الضجر مني... ماذا أفعل كى أطوى تلك الصفحة... لا اعرف!
نبيل المخرج :لا عليك سارة، أنا هنا من أجلك وأنت تعرفين ذلك.
نظرت سارة نحوه بشفقة :لقد بادرتنى بالحب منذ البداية لكنى اشفق عليك من طريقى العثر بالحياة.!
نبيل :هل تحبيننى سارة؟
سارة بتعقل :هل تصدق أنى لم أعد أشعر بأى احساس سوى الألم لكنى لا أرى غيرك بجوارى...
نبيل :دعك من الألم قليلا وافتحى باب للحب.... الحب فقط!
سارة :لا أستطع الآن، يتوجب على الكثير قبل تلك الخطو ة ارجوك تحملني حتى أشفى.
********
طريق الاستشفاء
انقضت الساعات متتالية وعبير تتقبل وضعها الجديد، كثير من الفحوصات، عدد لا بأس به من الأدوية وكثير جدا من النظرات خلف باب حجرتها
مروان :عبير... هل أنت بخير؟
عبير وقد بدا عليها الارهاق :
الحمد لله لازلت بمرحلة الاستعداد للحرب!
مروان :هناك الكثير من الجنود الذين يودون مشاركتك تلك المعركة؟
نظرت نحوه عبير بعنف لكن اغضبها أكثر عندما قال :والدك هنا خلف ذلك الباب، يريد الدخول هل توافقين؟
صرخت عبير عاليا :
لا أريده ... لا أريده ... دعه ينصرف إلى مكانه الذى تركنا من أجله، دعه يذهب إلى طريقه الذى اختاره، فليذهب كل منا إلى حاله!
سمع عبد الرؤوف كلماتها القاسية فسار بخطوات متعرجة حتى سقط مغشيا عليه أمام غرفتها بقليل، اعاده مروان إلى زوجته التى استقبلته بالدموع
مروان :هل أنت بخير؟
عبد الرؤوف :الحمد لله.... مروان... اذهب إلى عبير فهى بحاجة اليك الآن..
أحلام :فلتأذن لى عبد الرؤوف ان اذهب لزيارتها.
عبد الرؤوف بألم :لكن........
قاطعته احلام :دعنى اقوم بتلك الخطوة رؤوف.
عبد الرؤوف :اذهبى.. اذهبى..
خلال دقائق كانت أحلام امام عبير بالمشفى،
عبير بسخرية :ماذا تقولين؟ زوجة ابي؟
مروان :أجل عبير هى زوجة أبيك أستاذة احلام.
عبير :وما الذى جاء بك إلى هنا استاذة احلام؟
أحلام بحزن :جئت من أجل رؤيتك عبير، جئت من أجلكما معا فوالدك يعانى كثيرا منذ عرفته!
عبير ضاحكة :لا تحك عن المعاناة عزيزتى......
قاطعتها أحلام بعنف هذه المرة :
لقد عانى كثيرا دونكم لقد عرفته شريدا بطريقه يعانى المرض..
مروان :كيف تعرفت عليه أستاذة؟
أحلام :كما ذكرت لك كنت أسير بطريقى فوجدته يحدث نفسه ثم سقط على الطريق فأخذته إلى المشفى سريعا ثم كانت له الغيبوبة لفترة من الوقت.
أنصتت عبير إلى حوار أحلام التى اندمجت أكثر :كان بغيبوبته باكيا ما وصل اليه من حال، دوماً كانت أسمائكم على لسانه حتى عافاه الله من نومته فلم يجد غيري امامه.
عبير باكية :لم تكاسلتى عن اخبارنا؟
أحلام :لم أعرف شيئا عنه فقد سقط هاتفه بالطريق ولم استدل على أى شئ يخصه حتى هو ظل صامتا لمدة طويلة بعدها... ما الذى كان من الممكن فعله؟
صمتت عبير لكن مروان هو من قام بالسؤال هذه المرة :
ألم يطلب أولاده أبدا!
أحلام :لقد كان دائم السؤال عن أسرته لكن صحته خيبت رجائه فكان مسالم لها ... لقد عرفت عبد الرؤوف مهزوما ضعيفا حتى عندما استفاق من غيبوبته شعرت بأنه لا يزل غير موجود بالحياة، تعرف على ابنته من خلال التلفاز شعر بكثير من الأنين حتى تعب قلبه من جديد وأمضينا الكثير بالعلاج،
لم أحاول يوما ازعاجه أو فرض أيهم عليه، شعرت بأن ربي أرسلنى بطريقه كى لا يموت حزينا وحيدا..
بكت عبير بقوة :لكنه لم يكن وحيداً هو اختارها بعيداً عن بيته!
أحلام بتعقل :لم يختر شيئا عزيزتي، كلها أقدار نسير بها رغما عنا... كل ما أرجوه منك هو الغفران... الغفران لوالد مجروح قلبه من مرض ابنته، وفاة زوجته بعيدة عنه وبعد ابنته الأخرى لن تتخيلي كم هو شاق أن تتهاوى كل ذكرياتك بلحظة واحدة، قد يخون البعض منا التقدير لكن الوجع لن يشعر به سوى من صادقه يوماً ...
صمتت عبير طويلاً وهى تتألم من جديد لكن هذه المرة بشدة حتى كانت صرخاتها القوية لأول مرة :رأسي... رأسي تؤلمنى...
أسرعت أحلام ومروان لاحضار الطبيبة الخاصة بها التى أودعتها بحجرتها تحت العناية والكثير من الأدوية،
عبير وحيدة بالغرفة وعيونها تراقب نزول المحاليل :
ياالهى كم هى مزحة ثقيلة التى أحياها فكم الوجع لا يحتمل، لم أشعر يوما بوجع هؤلاء ممن يحملون نفس الداء... بحق انهم أبطال حقيقيون لا يشبهون غيرهم من أشباه البشر التى بالكاد تتحملهم الحياة بجبروتهم وبغيهم... غريب حال المرض يجعلك مسالما هشا.... ها أنا ذا أشعر بالوهن الكبير لكن داخلى ارادة قوية بأنى سوف أحيا من جديد وأن ربي سينصفني لأنى لم أفعل يوما سوء، من الممكن أن يكون حديث زوجة أبي صحيحا... اليوم فقط أصبحت بموضعه ليس للفرد بحيلة سوى الصمت...
خلال أيام اتخذت عبير قرارها باجراء جراحة لاستئصال الورم من خلايا المخ، خاف والدها كثيراً فى حين ارتعبت سارة من ذلك القرار مفضلة استكمال الجلسات والعلاج حتى لا نصل لمرحلة الخطر لكن عبير أسقطت أراء الجميع أرضا وهى تصر بالقيام بها وسرعة تحديد موعد من أجلها
، وكان لها ما طلبت فقد حددت الطبيبة يوما لإجراء العملية الجراحية غادرت عبير برفقة والدها، أختها، مروان وكذلك زوجة أبيها التى رافقتهم، توقفت عبير لثوانى وهى تحملق بوجوههم ودعها الجميع بالدموع فى حين استقبلت هى وجه والدتها حسناء التى شدت على كتفها وابتسمت لها طويلاً حتى غابت عبير عن الوعى *******
فى المساء صارت الدقات تتوالى على منزل أمجد الذى تفاجئ
، أمجد بحفاوة :أهلا سارة.
رغدة قلقة :سارة ما خطبك؟
سارة :لقد عثرت على أختي بالأخير لكنها تعاني السرطان، ستقوم باجراء جراحة.
رغدة بحزن :ياالهى سرطان!
سارة بعد بكاء طويل :أريدكما معي، أختي بحاجة إلى الجميع.
بصباح اليوم التالي التقت سارة بأمجد ورغدة الذين اجتمعا مع عبد الرؤوف وزوحته التى لم تكن بطبيعتها في هذا النهار
عبد الرؤوف متسائلا :ما بك أحلام؟
أحلام ونظرها يجوب بالمكان :لا أدري قلبي يؤرقنى.... أشعر بالاختناق!
غادرت أحلام المكان إلى حديقة المشفى، خلال تلك الأثناء خرجت رغدة صحبة أمجد الذى أخبرها سعيدا :لقد اقتربت مشاكلنا إلى الحل... حبيبتي.
رغدة بابتسامة :وكيف اذن عزيزي المؤرخ؟
أمجد بحب :لقد توصلت إلى كلمة السر بحياتك!
رغدة ممسكة بيده :هل تعرفت على عنوان أمي!
أمجد مشيرا بوجهه بالايجاب :أجل لقد وصلني العنوان منذ لحظات.
رغدة بحب :أتمنى لقاءها أمجد، أشعر بالحب الكبير تجاهها.
خلال تلك الأثناء سقطت أحلام مغشيا عليها، انتبه أمجد لها فحملها سريعاً وبجواره رغدة التى ظلت تتدقق بها طويلاً
أمجد :مابك رغدة؟
رغدة مبتسمة :لا شئ.... لا شئ.
قام الطبيب بالكشف عليها مخبرا اياهم أنها بحاحة إلى محلول حديد، دقائق بسيطة حتى امتثلت أحلام لأوامر الطبيب ليلتف الجميع حولها لكن الغريب هى يد أحلام التى سرعان ما التصقت بيد رغدة التى تعجبت بالبداية لكن سرعان ما شعرت بالدفء حتى تنبهت أحلام متوجعة،
عبد الرؤوف :الحمد لله على سلامتك عزيزتي، ما حل بك؟
أحلام محركة يدها لتنظر صوب رغدة مبتسمة، بادلتها رغدة الابتسامة سريعا ثم نظرت صوب أمجد الذى أشار لها ساخرا أحلام وهي تحملق برغدة طويلا، استشعرت رغدة الحرج اثر نظراتها العميقة فاستئذنت بالخروج، تابعت أحلام رغدة بلهفة غير معهودة :
من هذه عبد الرؤوف؟
عبد الرؤوف :صديقة سارة
أحلام بتوسل :هل تناديني اياها؟
عبد الرؤوف متعجبا :لكن..... لك ما طلبت.
رغدة بانشراح :أجل.... أمي.. هل طلبتني؟
أحلام :فقط.... أمسكي بيدي حبيبتي.
ارتعشت أصابع رغدة لكنها سرعان ما انجذبت لها حتى قامت أحلام باحتضانها بقوة، شعر الجميع بالدهشة حتى رغدة التى لم تنفك الا أن أحست بدفء كبي.
أحلام باكية :ما اسمك؟
رغدة بدموع :وما اسمك؟
أحلام بدموع ولهفة :فلتخبريني أنت..
رغدة :اسمي رغدة كمال...
أكملت أحلام :كمال عبد التواب.
رغدة باكية :أنت أمي؟
انخرطا الثنائي ببكاء طويل، ازدادت حدته عندما عثرت رغدة على صورتها وهى صغيرة بعنق والدتها، قامت باحتضانها بقوة :أبحث عنك منذ كثير أمي فقط كي أخبرك أني أحبك.
أحلام :بل أنا من طال بها الجنون حين سلبت مني واليوم فحسب رد ذلك العقل محله.
مرت الساعات متتالية وهى لا تزل على حالتها حتى جن والدهافأخبره الطبيب
:لقد مرت ساعات من المدة المحددة ان عادت عبير لوعيها خلال الساعات المقبلة فسوف تكون بادرة خير فى حين لو استمرت فوق المدة المرتقبة فسوف تكون النتائج مخيبة،كل ما نطلبه هو الدعاء بأن تعود لكم بكل سلامة
...
لم تغمض للجميع جفن، حالة من الهلع انتابتهم جميعا وهم يشعرون بعظم ما تحمل عقارب الساعات، دقاتها كدقات السيوف بالأجساد..
"لقد نجحت العملية... لكنها لم تستفق من جديد، ماذا أفعل إن لم تعد لى مرة أخرى؟ أشعر بأن تلك هى لعبة من القدر تشاطرنى الساعات متبارية ترفعني لأعلى وأخشى أكثر ما أخشاه أن تهوى بي إلى الجحيم حيث لا مفر ولا أمل من جديد...
ها انا ذا أشاهد فصول حياتى تمر من أمامى لقد عانيت الشتاء طويلاً ولم يرافقنى الربيع سوى ببضع أيام فى حين قام الصيف بجرحي لساعات وساعات، لم أعد أريد خريفا يراوغنى فكل ما أتمناه ربيعا يداوى آلامى ويحيى بى الشباب من جديد..
الفصل الثاني عشر آخر فصل
...
تنبهت عبير من ثباتها الذى استطال هذه المرة فوجدت أختها سارة على السرير المقابل وهى غير منضبطة بنومتها وزاوية وجهها مواجهة لعبير، مروان على المقعد المجاور لفراشها فى حين انزوى والدها بجانب سارة مخفيا وجهه بين ذراعيه، ثوانى من التأمل حتى سمعت عبير الشهقات المتتالية قامت باعياء تتفحص ذلك الصوت لتجدها تقف أمام والدها الذى ازدادت شهقته عندما لامست ذراعيه بخفة :
عبير... عبير... هل استفقت حبيبتى؟
عبير باعياء شديد :هل كنت تبكى أبي؟ هل كنت تبكينى؟
عبد الرؤوف بفرحة مزيلا دموعه الكثر :لا... حبيبتى فقط كنت أنتظرك.
عبير :هل طالت نومتى أبي لهذه الدرجة؟
عبد الرؤوف :كنت بانتظارك عبير كما كنت بالسابق هل تتذكرين عودتى من العمل وكيف كنت اتلهف لتلك الصحبة بك وأختك.
عبير بفرحة :ها قد عدت اليك أبي لكنى متعبة.... متعبة جدا أبي ..
عبد الرؤوف وصوت نحيبه عاد للارتفاع :
انا آسف عبير... أنا مدين لك باعتذار كبير.... أعتذر عن قسوتى عليك وترك اياك وحيدة وسط الامواج، لكنى كنت مثلك ا،لآن.. اليوم فقط شعرت بثقل ما فعلت بك حبيبتى فلم يتحمل جسدك كل ما آلم بك من حزن وكانت النتيجة هو مرضك المضني، لم يخطر ببالى كل ذلك لكنى اليوم ايقنت أنى أنا السبب بكل آلامك سامحينى ابنتى واعذرى جهلى وضعفى أمام الحياة فلم أكن سوى جندى مهزوز قامت الحياة بسحقه سريعا، لم أقاوم مثلك المرض وكل ثقة بالنجاة لكن الاسوأ ما توقعت وهو بالفعل ما حدث لى.. لقد علمتنى ابنتى درسا قاسيا دون أن تشعري...
عبير بابتسامة ضعيفة :لا عليك أبي... لا عليك المهم أنك هنا بجواري أنا و... (نظرت بخفة نحو سارة) أختى..
أخذ عبد الرؤوف يكرر عبارات الحمد لتستيقظ سارة على وجه أختها فتنطلق فرحة نحوها :
استيقظ مروان فعبير الآن معنا..
تنبه الجميع لعبير وهى لازلت على حالتها من الوجع،
انقضت الساعات متسارعة والكل يلملم أوراقه...
هرولت سارة بصحبه نبيل (المخرج) الذى أسرع بمشيته حتى صار جوارها فى حين اصطحب عبدالرؤوف أحلام متجها نحو عبير التى جمع مروان كل أشياءها ليمسك بذراعها برقة
سارة :عبير... عبير...
من بعيد صوت عبد الرؤوف :عبير... عبير... سارة
التفت الجميع لبعضهم البعض حتى صاروا مقابل بعضهم بالأخير
سارة محتضنة والدها :هل انتهى فصل الشتاء أبي؟
نظر اليها عبد الرؤوف مبتسما :ماذا تقولين سارة؟
سارة ممسكة بيده :هل سامحتنى.. أبي؟
ابتسم عبدالرؤوف مازحا معها :هل تسامحينى سارة أنت أيضآ ؟
احتضنته سارة طويلاً وهى تقول :
لم أغضب منك لو للحظة أبي فقد كنت دائما أنت الأول بالنسبة لى..
قاطع نبيل كلماتهم :سوف ننهى كل فصول الانفصال وأول ما أود فعله هو طلب يد ابنتك سارة؟
ضحك الجميع حتى قالت سارة :نبيل.. ماذا تقول؟
نبيل :أطلب يدك أمام الجميع، هل توافق أستاذى؟
عبد الرؤوف بفرحة :لكن أستاذ نبيل هذه الأمور تحتاج منا التمهل..
نبيل :لقد تمهلنا طويلا فلنسرع بما قد يبعث البهجة بقلوبنا الآن وليس فيما بعد..
سارة مبتسمة :ما رأيك عبير؟
ابتسمت عبير باعياء:ربنا يكتبلك كل الخير اختى.
مروان مازحا :ودورى أنا. ... أنا ايضا أطلب منك يد عبير استاذى.
ابتهج عبد الرؤوف كثيراً وهو يحتضن ابنتيه وأحلام تربط على كتفه
أحلام بهدوء:
كم أخبرتك عبد الرؤوف أن ليالي البرد القاسية حتما ستنتهى ويحل بعدها هواء لطيف منعش يبعث بنا الاحساس بالحياة من جديد، على المرء أبدا ألا ييأس فرب الكون قادر على قلب الصورة بين ليلة وضحاها، ها قد رزقني ربي بابنتي من جديد بعد صبر طويل....
خرج الجميع ملتفين حول بعضهم البعض ، علامات الرضا والارتياح تجتاج الوجوه لكن قلب عبير صار يدق بشدة لكنها عادت وابتسمت :
أجمل ما بالحياة التتابع، تتابع الايام، توالى الشهور، تبدل الفصول، كنت قد عانيت طويلا معتقدة أنى لن أجن خيرا من جديد وأن صفحات دفترى امتلأت بالآلام لكن ذلك لم يطل فآخر فصول الحب لم ينضب بعد طالما استقرت الطيبة بالقلوب.. دائما الله له كلمة أخرى غير التى نحسبها...
© جميع الحقوق محفوظة - أسماء ندا
