google.com, pub-6802150628270214, DIRECT, f08c47fec0942fa0 الفرق بين كتابة التاريخ و صناعة التاريخ بقلم اسماء ندا
أخر الاخبار

الفرق بين كتابة التاريخ و صناعة التاريخ بقلم اسماء ندا

 الفروق التقنية بين كتابة التاريخ وصناعة التاريخ
بين التدوين الواعي وصياغة الحدث

الفرق بين كتابة التاريخ و صناعة التاريخ بقلم اسماء ندا


بقلم اسماء ندا 
مقدمة

التاريخ ليس مجرد سجلٍ لما مضى، ولا هو حكاية جامدة تروى من جيل إلى جيل، بل هو كيان حيّ يتشكل بين فعلٍ يُصنع وسردٍ يُكتب. وبين هذين المستويين تتجلى فجوة تقنية ومعرفية عميقة كثيرًا ما يُساء فهمها:

هل من يكتب التاريخ هو ذاته من يصنعه؟

وهل كتابة التاريخ عمل محايد، أم أنها إعادة تشكيل للحدث وفق أدوات ومعايير ورؤى؟

هذا المقال يحاول تفكيك الفروق التقنية والمنهجية بين صناعة التاريخ بوصفها فعلًا واقعيًا مباشرًا، وكتابة التاريخ بوصفها ممارسة معرفية تحليلية، مع توضيح الأدوات، الآليات، الإشكاليات، وحدود كل منهما.

أولًا: مفهوم صناعة التاريخ

1. ما المقصود بصناعة التاريخ؟

صناعة التاريخ هي الفعل الإنساني المؤثر الذي يغيّر مسار الأحداث ويترك أثرًا طويل المدى في المجتمعات، سواء كان هذا الفعل سياسيًا، عسكريًا، اقتصاديًا، فكريًا أو اجتماعيًا.

صانعو التاريخ هم:

القادة السياسيون

الثوار والمصلحون

المفكرون أصحاب المشاريع الكبرى

الشعوب في لحظات التحول الجماعي

2. الخصائص التقنية لصناعة التاريخ

من الناحية التقنية، تتميز صناعة التاريخ بـ:

الآنية: تحدث في زمنها دون وعي كامل بنتائجها المستقبلية

اللايقين: القرارات تُتخذ في ظروف ضبابية

التأثير التراكمي: الحدث قد يبدو صغيرًا لكنه يُحدث تحولات كبرى

الارتباط بالقوة والسلطة: غالبًا ما ترتبط أدوات صناعة التاريخ بمراكز النفوذ

3. أدوات صناعة التاريخ

القرار السياسي

الفعل العسكري

الحراك الشعبي

الاقتصاد والموارد

الخطاب الأيديولوجي

صناعة التاريخ لا تهتم بالسرد، بل بالفعل، ولا تهتم بالتأويل، بل بالنتائج.

ثانيًا: مفهوم كتابة التاريخ

1. ما هي كتابة التاريخ؟

كتابة التاريخ هي عملية معرفية تحليلية تهدف إلى:

جمع الأحداث الماضية

نقد المصادر

تفسير الوقائع

بناء سرد منطقي متماسك

وهي ليست مجرد نقل، بل إعادة بناء واعية للماضي.

2. الخصائص التقنية لكتابة التاريخ

تقنيًا، تتسم كتابة التاريخ بـ:

البعد الزمني: تتم بعد وقوع الحدث

التحليل النقدي: لا تقبل الروايات دون تمحيص

المنهجية: تعتمد على مدارس تاريخية واضحة

الانتقائية الواعية: اختيار ما يُذكر وما يُهمَل

3. أدوات كتابة التاريخ

المصادر الأولية (وثائق، مخطوطات، شهادات)

المصادر الثانوية (دراسات، كتب، أبحاث)

المنهج التاريخي (الوصفي، التحليلي، المقارن)

النقد الداخلي والخارجي للمصادر

ثالثًا: الفروق التقنية بين كتابة التاريخ وصناعة التاريخ

صناعة التاريخ

1. الفرق في الزمن :- تحدث في الحاضر

2. الفرق في الوعي:- صانع التاريخ غالبًا ما يتحرك بدافع الحاجة أو الصراع

3. الفرق في الأدوات:- صناعة التاريخ تستخدم القوة والفعل

4. الفرق في المسؤولية:- مسؤولية صانع التاريخ أخلاقية وواقعية

5. الفرق في التأثير:- صناعة التاريخ تُغيّر الواقع

كتابة التاريخ

1. الفرق في الزمن :-تُنجز في المستقبل بلا رؤية شاملة للنتائج

تعتمد على معرفة المآلات

2. الفرق في الوعي:- كاتب التاريخ يعمل بدافع الفهم والتفسير

الصانع قد لا يدرك أنه يصنع تاريخًا، بينما الكاتب يدرك تمامًا أنه يعيد تشكيله.

3. الفرق في الأدوات:- كتابة التاريخ تستخدم العقل والمنهج

4. الفرق في المسؤولية:- مسؤولية كاتب التاريخ معرفية وأخلاقية في آنٍ واحد فالكاتب قد يبرّر، يُدين، أو يُحرّف، وهنا تكمن الخطورة.

5. الفرق في التأثير:- كتابة التاريخ تُغيّر الوعي بالواقع

وقد يكون تغيير الوعي أخطر وأبقى من تغيير الواقع نفسه.

رابعًا: الإشكاليات المشتركة بينهما

صناعة التاريخ 

1. السلطة والتحيز:- صانع التاريخ قد يفرض روايته بالقوة

كتابة التاريخ 

1. السلطة والتحيز:- كاتب التاريخ قد يخضع للسلطة أو الأيديولوجي

 المنتصر يكتب التاريخ/ مقولة شائعة لكنها تحمل بعدًا تقنيًا خطيرًا:

من يملك السلطة يملك الوثيقة، ومن يملك الوثيقة يملك السرد.

خامسًا: هل يمكن الفصل بينهما؟

من الناحية النظرية نعم، لكن عمليًا/ صانع التاريخ قد يكتب مذكراته

كاتب التاريخ قد يؤثر في صناعة وعي جديد يصنع تاريخًا لاحقًا

وهكذا يصبح التاريخ دائرة متصلة بين الفعل والسرد.

سادسًا: نحو كتابة تاريخية واعية

لكي تكون كتابة التاريخ مهنية ونزيهة، يجب/ الفصل بين الحدث وتفسيره ،تعدد المصادر، الاعتراف بالتحيز، إفساح المجال للأصوات المهمشة

خاتمة

إن الفروق التقنية بين كتابة التاريخ وصناعة التاريخ ليست مجرد تمايز أكاديمي، بل هي جوهر فهمنا للماضي والحاضر معًا.

فبين من يفعل ومن يروي تتشكل الحقيقة، أو تُطمس، أو يُعاد إنتاجها.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل نكتب التاريخ كما كان؟ أم كما نريد له أن يكون؟

© جميع الحقوق محفوظة - أسماء ندا

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-