العذراء ةالصعيدى
الفصول ٦ / ٧ / ٨/ ٩/ ١٠ / ١١
الفصل ٦
وقف جارح في منتصف قاعة القصر، عروقه بارزة من شدة الغضب، عيناه تقدحان شررًا وهو يحدق في جدته ولؤلؤ صوته كان كزئير غاضب وهو يهدر:
ملكمش دعوة؟! إزاي تجولوا اكده؟! تتخطف ولا تموت وأنتو واجفين هنا بتتفرجوا.. دي مرتي يا حجه.. طيب لؤلؤ بتكره اي حد من زمان جوي... انتي بجا.. مش هامك ان مرتي اتخطفت
رفعت الجدة حاجبيها، وعلامات البرود واضحة على ملامحها، بينما لؤلؤ تراجعت خطوة للخلف، تحاول التهرب من نظراته الثاقبة واردفت الجده:
إحنا مش مسؤولين عنها... تموت ولا تولع متهمناش... هي ال جتلت حفيدي مطلوب مني اعملها اي عاد.. اروح ادور عليها ولا كانها عملت حاجه.. انا بكرها ولو اجدر ادوس علي رجبتها هعمل اكده اكده عادي ولاهيهمني بس
لم يحتمل جارح المزيد، فاستدار ليصب غضبه على الحراس الواقفين عند الباب مرددا :
وأنتو! إزاي حد يجدر يتسلل وياخدها من تحت عنيكم؟! إنتو موجودين اهنيه ليه؟ للزينة؟!"
تبادل الحراس النظرات في صمت، لا يجرؤ أحدهم على الرد، حتى قطع المشهد بدخول شاب طويل القامة، ملامحه تشبه جارح إلى حد ما، لكنه أكثر هدوءًا. كان فارس، ابن عمه، الذي تقدم بثقة قائلاً:
اهدى يا جارح، هنلاجيها انا وصلت اهه ومش راجع تاني خلاص
نظر إليه جارح بعينين محمرتين من الغضب، لكن كلماته حملت شيئا من الطمأنينة حتي دخل احدي الحراس مرددا بلهفه:
يا بيه عرفنا العربيه نزلت الست غيم فين وجيبنا المكان ومتأكدين انها موجوده هناك دلوجتي
جارح بلهفه:
يلا بسرعه خلينا نروح دلوجتي حالا. .. يلا يا فارس
القي جارح كلماته وذهب فنظرت لؤلؤ الي الجده بضيق ورددت:
هو في اي يا حجه.. هو بيحبهاا ولا اي عاد.. خلاص اكده هيفضل معاها يعني ولا اي... انتي عارفه اني بحبه مجدرش اعيش من غيره ووعدتيني اني هتجوزه.. بس بالنظام دا شكلي مستحيل اتجوزه
تنهدت الجده بضيق واردفت:
مستحيل يكمل معاها.. انا عارفه جارح زين.. جارح مش هيكمل مع ال جتلت اخوه.. انتي ناسيه انها جاتله ومش بس اكده كمان دي كانت عايزه تشوه سمعتنا وسمعه العيله كلها.. دي اتهمت عصام الله يرحمه انه عاجز.. مستحيل يحبها.. هو هيعذبها وبعدها يجتلها خالص.. فمتخافيش
القت الجده كلماتها بضيق وفي مكان اخر عند غيم كانت جالسة في الزاوية، يديها مكبلتان خلف ظهرها، جسدها يرتجف، وعيناها مغرورقتان بالدموع التي لم تعد تحاول كتمانها. الخوف كان ينهشها من الداخل، وكل ما يدور في عقلها هو كيف انتهى بها الحال هنا، وحدها، بلا حول ولا قوة.
ارتجفت حين سمعت صوت خطوات تقترب، زادت ضربات قلبها بعنف حتى شعرت أنها ستخرج من صدرها. دخل الرجل الغرفة، عيناه تتفرسان فيها بنظرة مقززة، وقبل أن تفكر في أي شيء، كان قد خطا نحوها فـ تراجعت غيم إلى الخلف حتى التصقت بالجدار البارد، أنفاسها تتلاحق، وعيناها تتسعان برعب وهي تراه يقترب أكثر. حاولت الهروب، لكن قبضته كانت أسرع، أمسك بها بخشونة فصرخت بغضب:
"سيبني! ابعد عني.. انت عايز مني إيه؟! يا عااالم حد يساعدني بالله عليكم.. سااعدوني
ضحك الرجل بسخرية وهو يقترب أكثر، صوته كان كريها وهو يهمس:
"هتوفري على نفسك التعب لو بطلتي العناد ده. في جميع الحالات انتي بتاعتي النهاردة، مستحيل اسيبك.. انتي ليا بس، عنادك ده بس هيخلي الموضوع أحلى!"
اقترب أكثر، ورفعت غيم يدها تدفعه لكنها كانت ضعيفة أمام قوته، وعندما كاد يمد يده إليها، دوى صوت انفجار عنيف، اهتزت الجدران، وانفتح الباب بعنف.
شهقت غيم بلهفة عندما رأت جارح يقف هناك، عيناه تشتعلان بالغضب، أنفاسه مضطربة، أشبه بوحش خرج لتوه من العاصفة. صوته جاء هادرًا، قاطعًا السكون:
"إبعد عنها يا ابن الـ*! جسما بالله ما أنا سايبك!"**
حاول الرجل أن يتراجع، لكن جارح لم يمنحه فرصة، وقبل أن يتمكن من سحب غيم كدرع، انطلقت رصاصة. شهقت غيم وهي تشعر بجسده يصطدم بها بقوة، لم تفهم ما حدث حتى رأت الدماء تلطخ قميصه الأبيض، فصرخت بفزع:
"جااااارح... حاسب!"
مدت يديها نحوه برعب، لكنه لم يسقط، ظل واقفًا، يحدق في الرجل الذي بدأ يتراجع بخوف. في اللحظة التالية، كان حراس جارح قد اقتحموا الغرفة وهم يصوبون أسلحتهم، فأردف جارح بصوت بارد لكنه محمل بالغضب القاتل:
"امسكوه… قبل ما أفقد أعصابي وأخلص عليه بنفسي.. بس جسما بالله، لـ هحليه يتمنى الموت ومش هيلاجيه! هعلمه إزاي يتجرأ ويلمس مرت جارح الأسيوطي!"
ألقى كلماته بصوت متحشرج بالألم لكنه لم يسمح لنفسه بالسقوط. نظرت إليه غيم، عيناها تملؤهما الدموع، تراه يتألم لكنه لا يظهر ضعفه. مد يده إليها، وعندما أمسكت بها، همس بصوت منخفض بالكاد تسمعه:
"إنتي كويسة؟"
هزت رأسها، دموعها تنهمر، لكنه لم يكن قادرًا على الثبات أكثر... شحب وجهه أكثر، انحنت ركبتاه، ثم سقط أمامها فجأة. شهقت غيم، ركعت بجانبه، وهتفت بصوت مختنق:
"جاااارح... اطلبوا الإسعاف بسرعة! جارح بيموت!!"
القت غيم كلماتها ببكاء وفي صباح يوم جديد وقفت غيم أمام غرفة العمليات، جسدها متصلب... قدماها لا تستطيعان حملها، ودموعها تنهمر دون توقف. لم تفهم أي شيء مما يجري و الأصوات حولها مشوشة و الأطباء والممرضات يركضون والأوامر تتطاير في الهواء والباب الكبير مغلق أمامها كأنه يفصلها عن الحياة فـ وضعت يدها على فمها تحاول كتم شهقاتها عيناها معلقتان بذلك الباب وكأنها تنتظر أن يخرج منه أحد يخبرها أنه بخير... أنه لم يمت.. أن كل هذا مجرد كابوس وستستيقظ منه قريبا:
لازم يكون بخير... مستحيل يموت...لع.. مستحيل يموت اكده... يارب.. يارب ساعده يارب
كانت تهمس بهذه الكلمات لنفسها كأنها تحاول تصديقها لكن الواقع كان أقسى من أن يطمئنها ولم تشعر بمرور الوقت حتى وجدت يدا تربت على كتفها واستدارت فوجدت والدتها أمامها و ملامحها يكسوها القلق، وبصوت متهدج اردفت :
غيم... لازم تيجي معانا حالا... مفيش وجت.. انا مش هسيبك اهنيه اكتر من اكده..كفايه بجا قله قيمه.. انتي هتيجي معايا
نظرت إليها غيم بعينين غارقتين بالدموع، تحاول استيعاب كلامها لكنها لم تجد أي معنى للهروب الآن و هزت رأسها برفض وهمست:
مش هسيبه... أنا السبب في ال حوصله... مش هبعد عنه دلوجتي وهو في الحاله دي و
لكن قبل أن تتمكن والدتها من الرد كان فارس قد ظهر فجأة، يقف أمامها بحزم عينيه تراقبانها بحدة وهو يقول بصرامة:
مش هتروحي في أي حتة... يا حجه.. بنتك دلوجتي مرت جارح... ومينفعش تتحرك من اهنيه غير بأذن جارح.. وطول ما جارح تعبان انا دلوجتي المسؤول عن كل حاجه.. فبلاش نزود المشاكل احسن كفايه ال بيوحصل
نظرت إليه غيم بارتباك ثم إلى والدتها التي بدت متوترة لكن فارس لم يسمح لها بأي فرصة للحركة. ألقى نظرة سريعة على ممر المستشفى وكأنه يتوقع وصول أحدهم. ولم تمر سوى لحظات حتى وصلت الجدة ومعها لؤلؤ، والغضب يشتعل في أعينهما فـ تقدمت الجدة نحو غيم وبدون أي مقدمات، رفعت يدها وصفعتها بقوة على وجهها جعلتها تتراجع خطوة للخلف بصدمة قبل أن تتبعها لؤلؤ بصفعة أخرى على الجانب الآخر وهي تصرخ:
كل ده بسببك! انتي نحس انتي سبب المصايب ال حوصلت لجارح.. جسما بالله ما هسيبك.. انا هجتلك وارتاح منك.. كفايه عليكي اكده بجا... انا هخلص منك
شهقت غيم ووضعت يدها على وجنتها وهي تشعر بحرارة الألم تنتشر في وجهها. عيناها الواسعتان تحملان الدهشة والرعب، لكن قبل أن ترد، كان فارس قد اندفع واقفا بينهن، يمنع أي محاولة أخرى للاعتداء عليها مرددا:
"كفاية! مش هسمح لحد يمد إيده عليها تاني.. انتي اصلا بتمدي ايدك عليها بصفتك اي يا لؤلؤ... انتي ناسبه نفسك ولا اي عاد... انتي كمانزعملتي مصايب كتير جوي واولهم مصيبتك مع شمس ال منعرفش راحت فين لحد دلوجتي... فـ الزمي حدودك احسن
نظرت إليه الجدة بحدة، لكن فارس لم يتحرك، ظل ثابتًا في مكانه يحمي غيم بجسده، وكأنها أصبحت تحت حمايته الآن وفي هذه اللحظة، انفتح باب غرفة العمليات قليلًا، وخرج منه طبيب، لتلتفت جميع الأنظار نحوه بترقب فأردف الطبيب:
الحمد لله الحاله مستقره وهو دلوجتي هيروح اوضه عاديه وشويه وهيفوق .. حمد لله علي سلامته
القي الطبيب كلماته وذهب فـ رفعت غيم يديها للسماء ودموعها لا تزال تنهمر، وهمست بخشوع:
الحمد لله... الحمد لله أنك نجيته يا رب... شكرا يا رب
القت غيم كلماتها وظلت بجواره طوال الليل عيناها لم تفارقه للحظة ممسكة بيده كأنها تخشى أن يرحل فجأة. وحين بدأ يتحرك قليلا شهقت واقتربت منه أكثر، حتى فتح عينيه ببطء و نظر إليها نظرة غامضة ثم سأل بصوت مبحوح:
إنتي كويسة؟
ابتسمت رغم الدموع وهتفت بهدوء:
أنا كويسة... بس إنت... أنا آسفة... كل ده حوصلك بسببي.. بس حسما بالله ما اعرف كل دا من اي زلا مين دول... انا والله ما ليا ذنب في ال حوصل
تغيرت ملامحه في لحظة ونظرة قاسية حلت محل الإرهاق مرددا:
انا معملتش اكده علشان بحبك... أنا انقذتك علشان أنا ال هعذبك بنفسي مش حد تاني
ابتلعت غيم ريقها بصعوبة، لكنها لم ترد عليه، فقط همست بهدوء:
"مش مهم... المهم إنك بخير وبس
القت غيم كلماتعا ثم تحركت لتعدل وسادته واقتربت منه أكثر حتى أصبح أنفاسها مختلطة بأنفاسه ونبضاتها تتسارع وعندما التقت عيناها بعينيه شعرت بحرارة وجهها فابتعدت بسرعة وهي تتهرب من نظراته قائلة بصوت مضطرب:
كنت بس بعدلك المخدة...علشان ترتاح وتجعد كويس
ظل جارح يحدق بها بصمت بينما هي لم تجرؤ على النظر إليه مرة أخرى وفي يوم جديد كان يقف جارح أمام المرآة عاري الصدر يحاول ارتداء قميصه لكنه لم يستطع بسبب إصابته فـ زم شفتيه بغيظ وعندما حاول رفع يده شعر بألم طفيف ودخلت غيم بتوتر وتوقفت للحظة وهي تراه بهذا القرب لتتدفق ذكريات الليلة التي غيرت كل شيء بينهما..الليله التي اقام معها علاقه بالغصب فـ ارتجفت دون إرادة لكن سرعان ما تماسكت وهمست:
اسمحلي... أساعدك؟!
لم يرد فقط سمح لها بالاقتراب فـ أخذت القميص منه، وبدأت في إلباسه بحذر وأطراف أصابعها تلامس بشرته دون قصد و أنفاسها اضطربت عندما شعرت بقربه الشديد وحين رفعت رأسها وجدت عينيه معلقتين بها للحظة وساد صمت ثقيل حتى شعرت بقلبها يضرب بقوة فتراجعت سريعا وهي تهمس بتوتر:
خلاص... اكده تمام خلصت
وقبل أن يرد جارح انفتح الباب فجأة ودخلت امرأة متوسطة العمر بملامح قوية وابتسامة واسعة و هتفت بسعادة:
ياااه يا جارح واحشتني يا ولد أخوي
هرعت نحوه تعانقه بقوة، بينما غيم وقفت في مكانها، تراقب المشهد بصمت وبعد فتره داخل مكتب جارح في احدي شركاته كان يجلس جارح خلف مكتبه وصابعه تدق سطح الخشب بإيقاع متزن بينما ملامحه جامدة كالصخر وأمامه وقف فارس يداه في جيبيه وعيناه تحملان شيئا من التردد قبل أن ينطق بنبرة هادئة:
غيم كانت خايفة عليك جوي وانت في العمليات... مكنتش عايزه تتحرك من جدام الباب لحظة واحده.... كانت زي الملهوفة بتبكي وبتدعي ربنا ينجيك.. مش عارف ليهزحاسس ان فيه سر في موضعها.. مش مقتنع انها ممكن تكون جتلت عصام بس يمكن احساسي غلط... هي بنفسها اععرفت انها جتلته
توقفت أصابع جارح عن الحركة لثانية عيناه ظلتا معلقتين بالأوراق أمامه لكنه لم يرفع رأسه بل اردف ببرود واضح:
خلينا في المهم... مين ممكن يكون خطفها؟
زفر فارس بضيق، لكنه أدرك أن هذا هو جارح لا يسمح لمشاعره بالظهور بسهولة لذا لم يعلق على تجاهله لموضوع غيم و هتف بجدية:
أكيد فيه حد ليع عدواة معانا... بس عداوه مش سهله ال يخليه يعمل اكده.. ال كانوا عايزين يعملوه انتجام بغل وحقد.. لو شمس ليها اهل كنت جولت ان اهلها بس مستحيل علشان هي ملهاش حد... تفتكر مين ممكن يكون جتلهع ودفنها في بيت عصام... اكيد مش عصام هو ميعملش اكده دا كان بيحبها جوي
رفع جارح عينيه أخيرًا نظراته كانت تحمل شيئا غامضًا قبل أن يهز رأسه موافقًا:
غيم مينفعش تعرف عن شمس حاجة دلوجتي حالا.. مينفعش تعرف انها كانت مرت عصام و
وقبل أن يضيف أي شيء آخر انفتح باب المكتب ودخلت السكرتيره وهي تحمل في يدها ظرفا مغلقا ومدّته نحو جارح واردفت:
نتايج التحاليل ال عملوها لحضرتك ومدام غيم وجت ما كنتوا في المستشفى وصلت.. اتفضل
أخذ جارح الظرف منها بلا تردد و فتحه ببطءوعيناه بدأت تتنقل بين السطور المكتوبة في البداية.... لم يظهر أي تغيير على ملامحه لكن فجأة اتسعت عيناه وقبضته شدت على الورقة حتى كادت تتجعد بين أصابعه ورفع رأسه ببطء وصوته خرج منخفضا لكنه مشحون بالغضب القاتل مرددا :
غيم... حامل وفي اربع شهور ازاي ومن مين..وازاي كانت بنت بنوت لما لمستها..يعني اي كلام اخوي كان صوح...جسما بالله لهجتلك يا غيم و
الفصل ٧
كان الجميع جالسا حول مائدة العشاء و الأطباق تتوسط الطاولة ورائحة الطعام تملأ المكان... جو ثقيل... صمت غريب يخيم وكأن كل شخص غارق في أفكاره. حتي قطعت العمة رجاء الصمت بصوتها الواضح مردده:
أنا مش مستوعبة لسه… عصام مات اكده فجأة ازاي يا ولاد.. وليه مجولتوش وجتها علشان اجي
نظر الجميع لبعضهم البعض ثم اردف فارس بسرعة:
كانت حادثه… حادثه يا عمتي
أومأت العمة ببطء، لكن نظرتها كانت تحمل تساؤلات أخرى، ثم هتفت فجأة:
"طب وشمس؟ هما كانوا لسه متجوزين ولا طلجها قبل ما يموت؟
سقطت الشوكة من يد غيم على الطبق وأصدرت صوتا حادًا و حدقت في العمة بدهشة، ثم نظرت إلى الجميع كأنها تنتظر إجابة مردده :
عصام …هو عصام كان متجوز؟!"
ساد الصمت للحظات، وكأن الزمن توقف ثم تبادل الجميع النظرات غير قادرين على إيجاد رد مناسب حتي نهض جارح وامسك بيديها مرددا:
بعد اذنكم.. انا عايز غيم في حاجه مهمه... يلا
وبعد فتىه وبمجرد أن أغلق جارح باب غرفته خلفه بقوة استدارت غيم نحوه بفزع، لكن قبل أن تتحرك، كان قد أمسك بذراعها بعنف وسحبها نحوه ونبرته حادة كالنصل:
انتي مخبية إي؟ مين الشاب ال كنتي بتخوني عصام معاه.. اتكلمي.. جولي مين دا
نظرت إليه بصدمة وكأنها لم تصدق ما تسمعه ثم دفعته بعيدا بكل ما أوتيت من قوة لكنها لم تحركه قيد أنملة وهتفت بصوت مرتجف لكنه لا يخلو من الغضب مردده:
إنت اتجننت؟ خيانة إي ال بتتكلم عنها دي... بعد كل دا جاي تجول اني خاينه... انا مش خاينه.. انا مكنتش اعرف حد.. حرام عليك بجا كفايه
نظر جارح اليها بضيق وهو يرد ببرود:
متلعبيش دور الضحية.... عصام مات وهو شايل الهم بسببك وإحنا عارفين إنك كنتي مع حد تاني.. بطلي كدب بجا هتفضلي تكدبي اكده لامتي
شهقت غيم و عيناها تمتلئان بالغضب والذهول في آن واحد قبل أن تصرخ بانفعال:
إنتوا ال كدابين مش انا.... ليه محدش جالي إنه كان متجوز؟ ومين شمس دي؟ فينها هااا.. ومخبين عني اي تاني وسابته ليه
تجمدت ملامح جارح للحظة.. لكن صوته ظل قاسيا وهتف :
شمس هربت من عصام من زمان جوي ومحدش مننا غرف مكانها وعصام طلجها غيابي
ضحكت غيم بسخرية مريرة واردفت:
لع... دي مش هربت… دي أكيد جثتها ال شوفتها وإنتوا أكيد ال جتلتوها... انتوا ال جتلتو شمس علشان متظهرش حقيقه اخوك انه عاجز
زم جارح فكه بقوة اقترب منها حتى أصبحت على بعد خطوة واحدة منه. نبرته انخفضت لكنها حملت تهديدا خفيا:
هو إحنا جتالين جتلة علشان تجولي اكده... احنا مجرمين يعني ولا اي
ارتجفت غيم لكن عيناها كانتا ثابتتين وهو ترد بقوة:
عصام كان عاجز.. عااجز.. اخوك مش راجل ومش بس اكده وجليل الربايه وميعرفش اي احترام... دا هددني انه هيفضحني.. وانا جسما بالله ما عملت حاجه
سرت رجفة باردة في جسد جارح ونظراته تراجعت للحظة لكنه سرعان ما استعاد صلابته، بينما تابعت غيم بصوت مختنق:
كان عارف إنه مش راجل… كان فاكر إني هسطت ومش هتكلم وفي الآخر… جاب واحد اسمه شفيق… علشان.. علشان ميتفضحش جدامك.. اخوك جليل الربايه والنخوه كان عايز واحد تاني يعنل معايا اكده علشان محدش يجول عليه انه مش راجل
القت غيم كلماتها وهي تبكي بشده وظل جارح صامتا ملامحه متجمدة لكن أصابعه قبضت على يده بقوة كأنه يقاوم شعورا غريبا تسلل إلى داخله و نظر إليها للحظات طويلة قبل أن يقول بصوت منخفض:
طيب اهدي... اهدي وبطلي عياط... انا نازل اشوف عمتي القي جارح كلماته وذهب وبعد فتره وقف جارح في الحديقة يحدق في الفراغ بينما يسحب نفسا عميقا من سيجارته وكأنه يحاول استيعاب ما حدث وبجواره كان فارس يراقبه بصمت قبل أن يهتف بنبرة جادة:
إنت مش على بعضك ليه عاد … مالك في اي
نفث جارح الدخان ببطء ثم زفر قائلا بصوت منخفض:
مش عارف… مش عارف إي ال حصولي وأنا واقف قدامها وهي بتتكلم… كنت داخل عايز أواجهها و كنت مقتنع إنها خاينة، لكن.. صعبت عليا… كانت بتعيط و كانت منهارة وكلامها… مكنتش كدابه حسيت إنها فعلا مكنتش بتخونه مش عارف ازاي
عقد فارس ذراعيه أمام صدره و نظر إليه بتمعن قبل أن يردف بنبرة هادئة :
وجبت سيرة تقرير الحمل ولا لع... جولتلها حاجه عن الحمل ولا سألتها
هز جارح رأسه سريعا وكأنه يدفع الفكرة بعيدا عنه:
لع.. مجدرتش... حسيت إن الموضوع أكبر من اكده وحاسس إن عصام كان بيكدب علينا كلنا.. اصل شمس ماتت ازاي.. ما يمكن يكون كلام غيم صوح وان اخوي كان عاجز بس ال مش جادر استوعبه هو موضوع انه جابلها واحد اسمه شفيق علشان يعمل معاها اكده... مستحيل عصام يعمل حاجه زي دي وكمان لحد دلوجتي مش عارفين مين خطف غيم ولا فاهمين اي حاجه من ال بتوحصل
رفع فارس حاجبه بدهشة ثم اردف بسخرية خفيفة:
يعني فجأة بطلت تشوفها خاينه.. انا حاسس انك بجيت متعاطف معاها
صمت جارح لوهلة ثم تمتم:
أنا مش هجيب سيرة الحمل غير لما أتأكد… حاجة جوايا بتجولي إن الموضوع مش زي ما إحنا فاكرين
نظر إليه فارس نظرة عميقة ثم ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح قبل أن يقول مباشرة:
ولا علشان بدأت تحبها؟"
تجمد جارح للحظة وعينيه ضاقتا وهو يلتفت إليه بسرعة ونبرته حملت تحذيرا:
متتكلمش في ال متعرفوش يا فارس.. حب اي عاد وكلام فاضي اي هو انت ناسي انها هي ال جتلت اخوي
لكن فارس لم يتراجع بل اقترب منه واردف:
انت نفسك عارف ان المشكلة مش في إنك بدأت تحبها المشكلة إنك شايفها جاتلة... وإنك مش جادر تتجاوز ده. ان هي ال جتلت عصام
لم يرد جارح فقط نظر إلى الأرض و فرك جبهته بيده وكأنه يحاول إخراج الفكرة من رأسه. لكن قبل أن يتمكن من قول شيء، جاءهما صوت أنثوي مرح من الخلف:
اي الأسرار ال بتتكلموا فيها لوحدكم
التفتا ليجدا لؤلؤ تقترب منهما وعيناها تتنقلان بينهما بفضول واضح وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها، لكنها لم تخف فرفع فارس حاجبه قائلا بضيق :
خير ان شاء الله.. في اي يا لؤلؤ ... مالك
لؤلؤ بضيق:
عمتي عايزاك يا فارس.. رزح شوفها علشان بتجول انها عايزاك ضروري
تنهد فارس بضيق وذهب فاقتربت لؤلؤ من جارح واردفت:
ما تجولي بصراحه.. اي الحكايه.. هتفضل تنتجم منها لامتي بجا ان شاء الله.. ومش راضي تجتلها لحد دلوجتي
ابتعد جارح قليلا واردف بصوت حاد:
علشان انا حر وانا عارف كويس حوي انا بعمل اي.. ولؤلؤ.. انا مش هسكتلك كتير.. كفايه اكده والزمي حدودك مع غيم حتي جدام الخدم.. متفمريش اني عديت ال عملتيه فيها جدام الخدم وانك مديتي ايدك عليها
نظرت لؤلؤ بعصبيه واردفت بغضب:
بجد والله؟! انا ال الزم حدودي معاها يا جارح.. انت مستوعب ال بتجوله.. بتدافع عن ال جتلت اخوك وبتهددني يا جارح.. بتهددني انا وانت عارف اني بحبك
تنهد جارح بعصبيه وهتف:
اه.. جولي اكده بجا.. بحبك... انتي من زمان وانتي بتلمحي للحكايه دي ومتفجه مع الحجه علي اكده صوح.. اننا نتجوز... بس انا مش موافج يا لؤلؤ... انتي زي اختي.. انا مش بحب حد
تقدمت لؤلؤ خطوة ثم همست بصوت مرتعش:
انا بحبك ومجدرش أعيش من غيرك يا جارح
لم يرد جارح... فقط ظل ينظر إليها بنظرة قاسيه فـ مدت يدها تلمس ذراعه بحذر محاولة كسر المسافة القاسية التي وضعها بينهما ثم تابعت بصوت يحمل رجاء:
كل ال عملته كان علشانك… كل حاجة يا جارح… أنا مكنتش عايزة أأذي حد... غصب عني والله غصب عني جسما بالله
أبعد جارخ يدها عنه بهدوء ثم رد بصوت حاد :
كان زمان... كلامك دا كان ممكن اصدجه زمان لكن دلوجتي خلاص.. خلصنا
رفعت لؤلؤ عينيها نحوه سريعا، وكأنها لم تصدق ما سمعته، ثم تمتمت بصوت متهدج:
نعم؟! يعني اي
نظر إليها جارح ببرود كأنه يطعنها بكلماته قبل أن يضيف بحزم:
الكلام دا كان ممكن يوحصل زمان… قبل ال عملتيه… انتي جطعتي كل حاجة بينا ولو انتي نسيتي فـ انا مستحيل انسي...مستحيل انسي اي حاجه عملتيها فخلينا إخوات احسن يا لؤلؤ
اتسعت عيناها برعب ثم هزت رأسها بعنف وكأنها تحاول رفض الواقع قبل أن تهمس:
"لع… لع.. متجولش اكده بالله عليك يا جارح … انت بتحبني انت دايما كنت بتحبني!
نظر إليها للحظة بصمت، ثم اردف ببطء، كأنه يريدها أن تستوعب كلماته جيدا:
يمكن كنت بحبك زمان او كنت ببدأ احبك … بس مش دلوجتي مش بعد ال حوصل.. انتي نهيتي كل حاجه بينا وبجولك للمره الاخيره.. انسي اي حاجه ممكن توحصل بينا.. علشان انتي محرمه عليا يا لؤلؤ... حتي حبك ونظراتك ولمساتك كلها محرمه عليا
تساقطت دموعها لكنها تجاهلتها وهي تقترب منه مرة أخرى، وكأنها تتوسل إليه ألا يسحق ما تبقى من أملها واردفت:
غصب عني يا جارح… والله غصب عني… حتى ربنا بيسامح
ردد جارح بصوت خالي من أي عاطفة :
انا مش ربنا… أنا إنسان عادي… ومش بسامح... حاولت كتير جوي بس معرفش.. والله ما عرفت للاسف... مش خسامحك يا لؤلؤ.. وال حوصل بينا يتنسي مش عايز حد يعرفه زي ما انا حافظت علي سرك انتي كمان حافظي علي ال باجي من علاقتنا وانسي
القي جارح كلماته وذهب صباح جديد...وفي صباح يوم جدبد استيقظ فارس من نومه ممددا على السرير وهو عاري الصدر يتمدد بكسل وهو يمرر يده في شعره لم يعتدل حتى فتح باب الغرفة بهدوء ودخلت نرمين بخطوات خفيفة قبل أن ترتمي بين ذراعيه وتحضنه بقوة هامسة بصوت ناعس:
خليك معايا النهارده باللع عليك... مش عايزة أكون لوحدي.. انت بتوحشني جوي يا فارس
تنهد فارس وهو يضع يده على كتفها ليبعدها قليلا ثم اردف بنبرة هادئة لكنها حازمة:
مينفعش مش عايز حد يشك في علاقتنا يا نرمين... مش وجته خالص اصلا
رفعت نيرمين رأسها ونظرت إليه بعينين معاتبتين قبل أن ترد بغضب مكبوت:
هو انت ناوي تفضل اكده لحد امتى؟ إمتى هتجول لأهلك إننا متجوزين يا فارس
زفر فارس بضيق ثم ابتعد عنها قليلا وهو يمرر يده على وجهه بتوتر قبل أن يهتف :
هحاول أفتح الموضوع بس لما ألاجي الوجت المناسب ال هو مش دلوجتي خالص
قطبت نرمين حاجبيها واشتعلت نبرتها بالغضب ورددت :
وجت مناسب؟! أنا تعبت من كل ده يا فارس... مش جادرة أعيش كأني عامله مصيبه..وانا فعلا عامله مصيبه .. مش طادرة أكون مجرد واحدة زي العشيجه بالظبط
كانت كلماته التالية كالصاعقة فصرخ بها دون تفكير وهو ينظر إليها بعينين غاضبتين:
انتي عايزاني أروح أجول لأهلي إني اتجوزت بنت الراجل ال بيشتغل عندنا.. ومش اي راجل كمان دا سرجنا وكان بيخونا وبينقل اخبارنا لاعدائنا.. يعني مش واحد امين مثلا علشان اروح اجري اجولهم اني اتجوزت بنته
تجمدت نرمين في مكانها وكأن صفعة قوية هوت على وجهها بينما أكمل فارس بحدة:
فاكرة إنهم هيوافجوا بسهولة؟ فاكرة إن ده سهل صوح... دي جدتي ممكن تجتلك في ثانيه من غير ما يرفلها جفن ولا حتي تحس بالذنب للحظه واحده.. دا ال انتي عايزاه يوحصل يا ست نرمين
نظرت نرمين إليه بعيون ممتلئة بالخذلان بينما ارتدى قميصه بسرعة وألقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يغادر الغرفة بعصبية صافقا الباب خلفه فـ وقفت نرمين للحظات تحاول استيعاب ما حدث قبل أن يرن هاتفها فجأة فـ نظرت إلى الشاشة للحظات ثم ضغطت على زر الإجابة وهتفت :
ايوه... ايوه حضرتك أنا نرمين شفيق اتفضل و
اما عند جارح دخل إلى غرفته بعد إنهاء تمارينه الرياضية وقطرات العرق لا تزال تلمع على عضلاته المشدودة فـ رفع يده ليمسح جبينه لكنه فجأة اصطدم بغيم التي شهقت وهي تتراجع خطوة للخلف بعدما كادت تسقط فمد يده سريعا وأمسك بذراعها ليمنعها من السقوط لكنه توقف للحظة عندما أدرك وضعهما.... غيم كانت تخرج من الحمام و منشفة بيضاء تلتف حول جسدها المبلل وخصلات شعرها تتناثر على كتفيها وهي تحدق فيه بصدمه وأنفاسها متقطعة وعيناها الواسعتان تلمعان بارتباك بينما حرارة الماء الساخن لا تزال تسري في بشرتها المتوردة أما جارح فظل جامدا للحظات وهو ينظر إليها بنظرات داكنة وصدره يرتفع وينخفض مع أنفاسه الثقيلة.... كان يستطيع شم رائحة الصابون المنعشة التي تعبق حولها ورؤية قطرات الماء التي تتسلل من أطراف شعرها وتنساب ببطء على رقبتها وكتفيها فـ مرر جارح لسانه على شفتيه الجافتين دون وعي بينما قبضت أصابعه لا إراديا على ذراعها كأنه لا يستطيع التراجع لكن غيم شعرت بحرارة نظراته فجفلت قليلا وهمست بصوت متوتر:
سيبني يا جارح
انتفض جارح كأنها أفاقته من دوامة أفكاره فأبعد يده بسرعة وكأنه لمس نارا محرقة ثم أدار وجهه وهو يزفر بحدة يحاول استعادة هدوئه وبعد ثواني من الصمت المشحون تراجع للخلف وهو يمسك بمنشفة أخرى ألقاها نحوها بوجه متجهم واردف بصوت أجش:
البسي بسرعة… وبطلي تمشي في الأوضة بالمنظر دا.. مينفعش اكده
احمر وجه غيم وهي تمسك بالمنشفة دون أن تنظر إليه ثم استدارت متجهة إلى الخزانة في حين مرر جارح يده في شعره بعصبية وهتف:
علي العموم… جوز عمتي رجاء وبنته جايين من السفر دلوجتي… لازم ننزل علشان نسلم عليهم ومش عايزهم يحسوا باي حاجه
نظرت إليه غيم أخيرا ولا تزال متوترة مما حدث لكنها عقدت حاجبيها وسألته بهدوء:
يعني اي؟!
تنهد جارح وهو يضغط على أسنانه قليلًا قبل أن يردف بلهجة جادة:
يعني لازم نبان كويسين جدامهم… هو بالنسبالي زي أبوي بالظبط وانا بحبه
ابتلعت غيم ريقها بصعوبة ثم أومأت ببطء قائلة:
تمام.. خمس دجايج بس هلبس وانزل
القت غيم كلماتها وبعد فتىه هبطت الدرج مع جارح وهي تشعر بالتوتر من الموقف السابق لكن حاولت أن تبدو طبيعية وعندما وصلا كان هناك رجل ضخم البنية ذو شارب كثيف وعينين حادتين يقف بجوار فتاة شابة تبدو في أوائل العشرينات فـ ابتسم جارح قليلا وهو يقترب منهما ثم وضع يده على كتف الرجل قائلاً:
غيم… دا جوز عمتي رجاء.. الحج مسعود
تجمدت غيم في مكانها واتسعت عيناها بصدمة، وكأنها تلقت صفعة قوية وشعرت أن الأرض تهتز تحت قدميها وأن الهواء قد اختفى من حولها وارتجفت شفتاها قبل أن تهمس بصوت مذعور:
مـ... مسعود؟!
توقعاتكم ورايكم وتفاعل وياتري اي ال هيحصل وعايزه تفاعل كبير
الفصل ٨
كانت السفرة ممتلئة بأشهي الاطباق ، والأجواء تعج بالكلام والضحكات لكن غيم لم تكن قادرة على التركيز عيناها لم تفارق مسعود وتشعر بذلك التوتر الذي يخنقها كلما التقت نظراتها بنظراته بالرغم انها لم تعرفه ولكنها شعره بغصه في قلبها عندما رأته وفجأة انفتح الباب ودخلت فتاة شابة في منتصف العشرينيات ذات ملامح جميلة وابتسامة مشرقة وبمجرد أن وقع نظرها على جارح انطلقت نحوه بلهفة مردده:
-جارح واحشتني جووي... عامل اي واخبارك اي
القت الفتاه كلماتها وهي تحيطته بذراعيها في عناق دافئ بينما هو ابتسم ووضع يده على ظهرها بحنان فـ نظرت غيم إليهما بصدمة و لم تفهم من هذه الفتاة أو ما الذي يجمعها بجارح لكن الإجابة لم تتأخر كثيررا عندما وضعت عمته رجاء كوب الشاي على الطاولة واردفت بحماس:
- ها يا ولاد.. ناوين نعمل الخطوبة إمتى بجا ان شاء الله
عقدت غيم حاجبيها بعدم استيعاب ورددت:
-خطوبة إي عاد.. خطوبه مين هو فيه حد هيتجوز
وهنا تدخلت الجدة ناظرة إليها بتحدي مردده :
-خطوبة جارح وبنت عمته سهام... إحنا متفجين من زمان إنهم يكونوا لبعض
تجمدت غيم مكانها،ط وكأن أحدهم سحب الهواء من حولها و نظرت إلى جارح لكنها لم تجد في وجهه أي اعتراض أو إنكار مما جعل الألم يعتصر قلبها أكثر.... لم تحتمل البقاء فاندفعت خارجا إلى الحديقة والدموع تتسابق على خديها ووقفت بجوار إحدى الأشجار تحاول كتم شهقاتها لكن لم تمضي لحظات حتى سمعت صوتا مألوفا يقترب منها والتفتت فوجدت لؤلؤ تنظر إليها بنظرة منتصرة وهتفت'
- "شوفتي؟! أديكي خسرتي كل حاجة.. جوزك عصام ال جتلتيه بيدك وجارح والعيله... انتي غبيه جوي يا غيم فاكره ان جارح ممكن يحب البنت ال جتلت اخوه.. مستحيل انتي بالنسباله مجرد واحده رخيصه ملهاش اي لازمه هتاخدي فترتك وهيرميكي زي الكلبه بره البيت دا لو مجتلكيش اصلا... صدجيني انتي موتك هيكون علي ايد جارح
ابتلعت غيم غصتها لكنها لم تستطع الرد ولا تعلم ما عذا الشعور ولماذا كل هذا الحزن.. فهي تعلم جيدا ان جارح لم يصبح لها اذا لماذا تفعل هذا ظلت غيم تفكر كثيرا ختي قاطعها صوت رنين هاتفها وعندما اجابت ذهبت من البيت فورا وبعد فتره دخل جارح إلى غرفته بخطوات سريعة يبحث بعينيه عن غيم لكنها لم تكن هناك. تجول في المكان للحظات ثم أخرج هاتفه وحاول الاتصال بها لكن هاتفها كان مغلقا فـ حاول مرة ثانية... ثالثة... لكن بلا جدوى فـ زفر بضيق وشعر بقلق غريب يتسلل إلى صدره لم يفهم سببه تماما، لكنه لم يحبذ فكرة اختفائها هكذا بينما كان يعيد المحاولة، انفتح الباب فجأة ودخلت سهام بابتسامتها الدافئة وهي تميل برأسها قليلا قائلة بنبرة مرحة:
بتدور على مرتك ولا اي عاد ؟ شكلها زعلت جوي من موضوع الخطوبة معرفش ليه
نظر إليها جارح للحظة ثم زفر بضيق ووضع الهاتف جانبا دون أن يرد وتقدمت سهام بضع خطوات نحوه وعيناها تتأمله بحب واضح وهي تهمس:
أنا كنت مستنيه اللحظة دي من زمان... مستنيه اليوم ال نبجى فيه لبعض زي ما اتفجوا أهالينا... أنا عمري ما شوفت راجل في حياتي غيرك وجلبي عمره ما حب غيرك وأنت عارف دا كويس جوي
القت سهام كلماتها وهي تقترب أكثر محاولة لمس يده لكنه انسحب بهدوء وأبعدها دون قسوة ناظرا إليها بجدية وهو يهتف بنبرة واضحة:
سهام... أنا متكلمتش تحت علشان ميوحصلش إحراج جدام العيلة، بس متنسيش إني متجوز
اتسعت عيناها قليلا، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة ساخرة وهي ترد بنبرة واثقة:
جواز إي يا جارح؟ جوازك دا مجرد عقد ورج بس وكلنا عارفين إنك اتجوزتها بس علشان هي ارمله اخوك ودي عادتنا ، مش علشان بتحبها اتا عارفه زين انك مستحيل تحبها والبنت الوحيده ال حبيتها كانت جميله.. جنيله ال احنا منعرف حتش شكلها اي وانت جولت انك نسيتها من زمان جوي
ضغط جارح فكيه لكنه لم يرد لم يكن بحاجة إلى أن يبرر أي شيء لكنه لم يحب الطريقة التي تتحدث بها عن غيم وقبل أن يتمكن من قول أي شيء انفتح الباب مرة أخرى ودخل فارس وهو ينظر إلى كليهما بنظرة غامضة قبل أن يقول لجارح بجديّة:
عندنا شغل مهم جوي لازم تيجي حالا دلوجتي
تبادل جارح نظرة سريعة مع سهام التي لم تظهر أي انزعاج، بل ابتسمت بثقة وكأنها متأكدة أن الزمن سيجمعهما مهما حدث. أما هو فتنهد بصمت وغادر الغرفة خلف فارس، تاركا وراءه أفكارا مبعثرة ومشاعر لم يقرر بعد كيف يتعامل معها وبعد منتصف الليل وقف جارح في الحديقة... وجهه متجهم وهو يرمق الحراس بنظرة نارية مرددا :
يعني إي مش لاجينها؟ مش دي شغلتكم؟
تحاشى الرجال النظر إليه و تمتم احدهم بتوتر:
دورنا في كل مكان يا بيه والله العظيم... بس ملهاش أثر نهائي
زم جارح شفتيه بغضب وقبضته اشتدت وهو يفكر أين قد تكون ذهبت لكن قبل أن ينفجر فيهم أكثر لمحت عيناه حركة عند بوابة القصر فـ التفت بسرعة ليجدها أخيرا تنزل من تاكسي و خطواتها مترنحة وشعرها مبعثر وعيناها نصف مغمضتين.... توقف الزمن للحظة وهو يراها تترنح هكذا ثم تقدمت خطوة وكادت تقع لولا أنه كان أسرع منها أمسك بذراعها بثبات وهو يهتف بحدة:
إنتي مالك؟ كنتي فين؟ واي الحاله ال انتي فيها دي عاد.. يخربيتك انتي اي ال انتي عاملاه في نفسك دا
رفعت غين رأسها ببطء و نظرت إليه بعيون زائغة ثم ابتسمت بسخرية واردفت :
مالك خايف عليا ليه؟ ولا لع.. هتلاجيك خايف علي اسم عيلتك بس... ازاي مرت حارح الاسيوطي ترجع بعد نص الليل في الحاله دي.. مش دا ال انت خايف منه يا بيه
ضيق جارخ عينيه... لم تعجبه نبرتها ولم تعجبه رائحتها أيضا فـ أمسك بذقنها برفق ثم حملها وصعد الي غرفته وبعد دقائق وضعها علي الارض فوقفت امامه وهي تتشبث في ملابسه حتي لا تفقد توازنها واردف هو بحده:
غيم...انتي كنتي فين؟
ضحكت بخفوت وكأنها لا تبالي بما يحدث حولها ثم اقتربت أكثر رفعت يدها تلامس ياقة قميصه بأصابعها الباردة وهمست بصوت ناعم:
جارح... ليه كل ما أقرب منك تبعد؟ إنت بتبعد عني ليه عاد؟ هو أنا وحشة
تشنج جسده ز قبض على رسغها بلطف وأبعد يدها عن صدره ثم زفر محاولا السيطرة على نفسه:
غيم... انتي مش في وعيك... لازم ترتاحي.... انا مش فاهم انتي شربتي إيه خلاكي اكده ومين شربك اصلا.. انتي مجنونه جسما بالله
ضحكت غيم مجددا، لكنها لم تتراجع بل تقدمت أكثر حتى تلاشت المسافة بينهما و همست بصوت محمل بشيء أخطر من السكر:
أنا واعية... واعية جوي كمان وحاسة بكل حاجة جوايا. إنت ال مش حاسس حاسس... أو لع بتكدب إحساسك دا... أنا جدامك أهو وأنا ال بحاول أقرب منك.. بتبعد ليه؟ علشان جتلت أخوك؟
أغمض عينيه للحظة وشدد على أسنانه، محاولا السيطرة على نفسه لكن قربها كان يزعزع ثباته وهمس بتحذير:
غيم كفاية... مش وجته، مينفعش ال بتعمليه دا نهائي.. انا مش فاهم انتي راجعه منين بالحاله دي وازاي تشربي اصلا ولا انتي حد شربك حاجه ولا اي
لكنها لم تسمع زم تهتم حتى...رفعت يدها ولمست وجنته بأطراف أصابعها ودفء أناملها اخترق مسامه ثم همست بصوت أقرب حتى كاد يشعر بأنفاسها الساخنة على شفتيه:
لع دا وجته... دا أحسن وجت أنا شايفاه.. متبعدش عني بالله عليك
تراجع جارح خطوة لكن لم تمنحه فرصة للهرب قبضت على قميصه بكلتي يديها وهي تردد:
مش عايزني بجد؟
أغمض جارح عينيه للحظة.... كره تلك الطريقة التي تجعله ينهار ف فتح عينيه ليجدها تحدق فيه وعيناها مليئتان بمزيج من الرغبة والضعف فارتبك وهو يهمس:
غيم... ال بتعمليه دا مينفعش... كفاية خلاص بجا... أكده غلط أنا بحاول أحميكي دلوجتي،ط بلاش تزودي في ال بتعمليه أكتر من اكده
نظرت إليه بصمت، ثم همست بكلمة واحدة كانت كفيلة بأن تهدم كل ما تبقى من ثباته:
بتحميني؟ ولا بتحمي نفسك مني؟
وفي تلك اللحظه شعر جارح وكأن الهواء سُحب من حوله.. لم يستطع الرد و لم يستطع حتى أن يتنفس بشكل طبيعي وفجأة، شعر بلمسة دافئة على زاوية فكه وشفتاها لمسته ببطء وسقطت كل مقاومته في لحظة واحدة فـ قبض على خصرها.. كان ينوي دفعها بعيدا لكنه بدل من ذلك وجد نفسه يسحبها إليه أكثر. لم يكن يعلم أن هذه اللحظة ستكون الفاصلة بينهما وأن كل شيء سيتغير بعدها.. لن يكون أحد على ما يرام بعد هذه الليلة وكأنهما يكتبان سطور هلاكهما معا وفي صباح يوم جديد كانت تدخل لؤلؤ إلى شقة كبيرة في منطقة بعيدة وخطواتها متوترة وعيناها تراقبان المكان بحذر و فجأة، ظهر شفيق من الظلام فاستدارت نحوه سريعا وسألته بقلق:
عملت ال جولتلك عليه؟
أومأ برأسه مؤكدا:
أيوه كل حاجة تمام ومسعود اقتنع بكل كلمة جولتها.. وكل حاجه تمام يا ست هانم .. بس مسعود بيه مش ناوي يسكت.. هو عايز ينتجم من عيلتكم بأي طريجه بس مستني لما بنته تتجوز جارح بيه وعارف كمان بموضوع ست شمس. عارف ان عصام بيه هو ال جتلها علشان كانت عايزه تفضحه وتجول للكل انه عاجز وجال انها هربت وكانت بتخونه بس متخافيش هو مستحيل يجول للاسرار دي لحد علشان كل ال هامه دلوجتي انه يجوز بنته لجارح بيه بس
تنفست لؤلؤ بارتياح ثم أضافت:
تمام تكمل ال جولتله... ولو في حاجة جديدة عرفني... دلوجتي امشي يلا
ألقى شفيق عليها نظرة سريعة ثم خرج دون كلمة فـ انتظرت لحظة قبل أن تتجه إلى غرفة داخلية، فتحت الباب بحذر، وعيناها تتعلقان بالشخص النائم على السرير بخطوات مترددة دخلت لؤلؤ اكثر و يديها كانت باردة رغم حرارة المكان وعيناها تبحثان بلهفة، حتى استقرتا عليه...كان مستلقيا على الفراش جسده مكشوف حتى خصره زأنفاسه هادئة لكن عينيه كانتا مفتوحتين يتابعها بصمت.. للحظة شعرت وكأنها ترى شبحا، لكن ارتجافة صدره مع كل نفس أكد لها الحقيقة... عصام لم يمت. فـ ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية واردف بصوت أجش محمل بالسخرية :
أخيرا افتكرتِ إن ليكي جوز؟
ابتلعت ريقها بصعوبه وهي تقترب نظراتها تلتهمه وكأنها لا تصدق... ثم جلست بجواره ويدها امتدت ببطء تلامس وجهه كأنها تتأكد أنه ليس سرابا وهتفت:
مكنتش عارفة أجيلك غير دلوجتي
ضحك عصام بخفوت وامسك بمعصمها ثمجذبها نحوه حتى كادت تسقط على صدره وهمس قرب شفتيها:
بس جيتي... ودا أهم حاجة
وفي مكان اخر استيقظت غيم على صداع حاد ينبض في رأسها و عيناها نصف مغمضتين وهي تحاول استيعاب ما حولها فـ تحركت ببطء لكن شعور الهواء البارد على بشرتها جعلها تدرك أنها مكشوفة تماما فـ شهقت بصمت ورفعت الغطاء بسرعة على جسدها زعيناها تبحثان في الغرفة بقلق... حاولت تذكر ما حدث الليلة الماضية... فـ تذكرت نظرات جارح و لمسته ودفء أنفاسه القريبة... وفجأة تراجعت أنفاسها وشعرت بصدمة تضربها. فـ نظرت حولها بعينين متسعتين وكأنها تحاول إنكار ما جرى كيف سمحت لنفسها بذلك؟ كيف فقدت السيطرة بهذه السهولة... ونهضت بسرعة من علي الفراش تبحث عن أي شيء ترتديه واندفعت نحو الدولاب بيدين مرتجفتين وسحبت منه قميصا طويلا لكنها لاحظت كومة من الأوراق بين الملابس فـ مدت يدها وسحبتها بحذر وعيناها تجمدتا على الكلمات المكتوبة و حاجباها تقوسا بصدمة وهي تهمس بذهول: مستحيل.. اي دا
وقبل أن تتمكن حتى من استيعاب ما تقرأه انفتح باب الحمام فجأة وخرج منه جارح بمنشفة مربوطة حول خصره وقطرات الماء تتسلل على صدره العاري ورفع حاجبه وهو يراها ممسكة بالأوراق بينما بقيت هي متجمدة في مكانها والورق يرتجف بين أصابعها وصوتها بالكاد يخرج وهي تكرر:
جارح...
الفصل ٩
كان ينظر اليها وهي تصرخ وتلوح بالورقة أمامه مردده :
– دا تحليل حمل… ليا وأنا مش حامل اصلا
نظر إليها جارح ببرود وهو يربط أزرار قميصه وهاف:
علشان أنا عارف إنك مش حامل فجولت بلاش اجولك حاجه ولا لازم تعرفي كل حاجه.. تحبس كنت اجي اعمل معاكي مشكله واتهمك انك خاينه. انا اتأكدت ان التحاليل مش صوح يبجي خلاص ملهاش لازمه بجا الكلام الكتير
اتسعت عيناها بصدمة وهي تتحدث بغضب:
انتوا عايزين مني إي؟ ليه بتعمل معايا اكده مش فاهمه.. ما تجتلني وتريحني بجا انا مبجيتش فاهمه اي حاجه.. مش عارفه انت كويس معايا ولا دي خطه منك ولا انت بتخدعني ولا انت مصدجني. ما تجول بالظبك ناوي تعمل معايا اي اكتر من اكده
ألقى جارح عليها نظرة ثابتة وهو يسوي ياقة قميصه مرددا:
لحد دلوجتي أنا معملتش حاجة… بس كان المفروض أعمل أكتر من اكده بكتير... انا ساكت يا غيم مش عارف ليه.. فـ اهدي بجا علي نفسك
شهقت غيم بغضب لكن صوتها اختنق وهي تراه يتجه نحو الباب وقبل أن يخرج، توقف للحظة واردف بلهجة صارمة:
لما أرجع عايز أعرف كنتي فين وازاي راجعه نص الليل سكرانه.. مش مرت جارح الاسيوطي ال ترجع بتتطوح بليل وجسما بالله يا غيم لو ال عملتيه امبارح دا اتكرر تاني ما تعرفي هعمل فيكي اي عاد.. واها انسي ال حوصل بينا ليله امبارح.. مش معني اني لمستك تفتكري انك مهمه
القي جارح كلماته ثم غادر تاركا إياها وسط عاصفة من الأسئلة والدموع وفي مكان اخر عند لؤلؤ كانت تنظر إلى عصام بذهول و عيناها مليئتان بالدهشة وعدم التصديق وهي تهمس بصوت مضطرب:
أنا مش مصدجة إنك عايش… إزاي؟ دا مستحيل!
ابتسم عصام بسخرية وهو يسند ظهره إلى المقعد، عاقدا ذراعيه أمام صدره ثم اردف بهدوء:
كنت فعلا بموت… بس شفيق أنقذني.. لولا شفيق انا كان زماني ميت دلوجتي
قطبت لؤلؤ حاجبيها بعدم فهم واقتربت منه خطوة وهتفت:
شفيق؟ أنقذك إزاي؟ والناس كلها شافتك ميت… إزاي عملتوا اكده وليه ؟ انا مبجيتش فاهمه اي حاجه
أطلق عصام ضحكة قصيرة قبل أن يرد بنبرة ساخرة:
حكينا حكاية من الخيال لمسعود، وصدجها.. هو فاكر داوجتي ان شفيق هو ال جتلني بس لع. الحقيقه ان شفيق هو ال انقذني
ازدادت حيره لؤلؤ وجلست أمامه مباشرة.. تنظر إليه بقلق قبل أن تسأله:
تجصد إي.. وهو جوز عمتك عايز يعمل اكده فيكم ليه عاد.. دا طول عمره راجل كويس وبيحبكم زي ولاده
تنهد عصام وهو يمرر يده فوق وجهه قائلا بجديّة:
– مسعود بيحاول يجتلني من سنين بكل الطرج الممكنة وهو سايب حارح للاخر علشان عارف ان جارح صعب ومش هيحلص منه بالسهوله دي وكمان هو عايز الفلوس … علشان اكده انا مستحيل أسيب جارح يتجوز بنته لأنه بعد الجواز هيجتل جارح وياخد كل حاجة
شهقت لؤلؤ وهي تضع يدها على فمها غير مصدقة لما تسمعه واردفت:
يا لهوووي...طيب وغيم يعني اكده جواز جارح وغيم باطل؟!
هز جارح رأسه نافيا بحزم:
لع الجواز صوح… صوح علشان انا طلجت غيم اصلا قبل الليله ال عملت فيها ميت بيوم واحد.. كان لازم اطلجها علشان كنت ناوي اخلص عليها وارتاح زيها زي شمس بالظبط.. شمس ال كانت عايزه تفضحني وتجول للناس كلها اني عاجز
اتسعت عيناها أكثر وهي تهمس بدهشة:
عاجز اي عاد وبتاع اي. انت مش عاجز اصلا اومال ازاي عاجز طيب وال حوصل بينا. انا مش فاهمه حاجه... انا مبجيتش فاهمه اي حاجه.. عصام هو اي ال انت بتعمله دا كله انت مخبي كل دا امتي وجارح عارف موضوع الطلاج دا ولا لع
حرك رأسه مؤكدا، ثم أردف بنبرة واثقة:
أيوه… جارح عرف من المحامي بعد الدفن إننا طلجتها رسمي بس أكيد مش هيجولها ولا هيعرف حد.. هو اصلا لو عرف اني عايش هيجتلني
مررت لؤلؤ يدها في شعرها بتوتر.. تفكر للحظات قبل أن ترفع عينيها إليه مجددا:
– مش مستوعبة ال بيوحصل… بس جارح شك إن غيم بتجول الحقيقة يا عصام.. ومش فاهمه برده ازاي عاجز دي.. احنا حوصل بينا علاقه مره يعني انت مش عاجز
نظر عصام اليها بتوتر ثم اردف بارتباك:
اها طبعا.. دي كدابه.. زيها زي شمس بالظبط.. هو انتي بتصدجي الكلام دا... دول كلهم كدابين متصدجيش حد فيهم بس انتي لازم لازم تساعديني يا لؤلر
ترددت قليلا وهي تتفحص ملامحه وكأنها تحاول قراءة ما يخفيه ثم سألته بقلق:
أساعدك إزاي؟
ابتسم عصام ابتسامة غامضة عاقدا ذراعيه أمام صدره ثم اردف بصوت خافت لكنه حاسم:
أنا هجولك تعملي إي، بس اسمعي كلامي كويس جوي ونفذيه بالحرف الواحد وفي المساء كان الليل قد أسدل ستاره على القصر والهدوء يخيم على المكان إلا من صوت حفيف الأشجار ونسمات الهواء الباردة التي تتسلل بين الأغصان. كانت غيم تقف في الحديقة، تمسك هاتفها بقوة بينما تتحدث بغضب:
— مش هفضل ساكتة، لازم حد يعرف اللي بيحصل هنا! انتو فاكرين إني هفضل تحت رحمتكم للأبد؟
لكن فجأة، انتبهت إلى ظل يقف عند البوابة الخارجية. ضيّقت عينيها محاولة تمييز ملامحه وسط الظلام، ليتضح أمامها وجه مسعود، يقف هناك وكأنه يراقب المكان بحذر. شعرت بقلبها يخفق بقوة، ولكن قبل أن تتحرك، لمحت رجلاً آخر يقف إلى جانبه… شفيق. فـشهقت بصوت مسموع وتحركت بسرعة باتجاههما لكنها ما إن اقتربت حتى اختفى شفيق بين الأشجار فـ وصلت إلى البوابة تتلفت حولها بجنون، ثم استدارت إلى مسعود، الذي كان ينظر إليها ببرود وسألته بانفعال:
فين شفيق؟!
رفع مسعود حاجبه ببراءة مصطنعة:
شفيق مين عاد..انا كنت واجف لوحدي يا بنتي ؟
صرخت غيم بغضب مردفه :
شفيق أنا شوفتك واجف معاه اهنيه دلوجتي.. جولي فين شفيق
ابتسم نسعود بسخرية ونفى مجددا:
إنتي بتتوهمي أنا واجف اهنيه لوحدي، معرفش حد اسمه شفيق اصلا
ارتجف جسد غيم من الغضب والارتباك ودون تفكيرة اندفعت خلفه إلى داخل القصر تصرخ بعنف:
كلكم كدابين أنا شوفت شفيق بعيني... وال بتعملوه دا علشان تخبوا عجز عصام ال جاب واحد يعمل معايا علاقة علشان يغطي على فشله
اتسعت عينا مسعود بصدمة من كلامها لكنه تمالك نفسه سريعا وهتف بحدة:
انتي بتجولي إي؟ انتي اتجننتي ولا اي عاد
خرجت لؤلؤ من إحدى الغرف وقد بدا الذعر واضحا على ملامحها مردده:
— غيم.. انتي بتجولي إي؟ إنتي اتجننتي ولا اي عاد
لكن غيم لم تتوقف... كانت تصرخ بانفعال، ووجهها يحمر من الغضب وتردد:
كلكم كدابين..انتوا جننتوني خلاص..انا هتصل بالشرطة دلوجتي وأفضحكم واحد واحد
أمسك مسعود بمعصمها بعنف واردف:
إنتي مش هتتجرائي تعملي اكده.. اهدي يا بنتي وميصحش ال بتجوليه دا و
لكن قبل أن ترد دوى صوت قوي في القصر وكان صوت جارح وهو يهتف بغضب:
إي الهرجلة ال بتوحصل اهنيه دي
استدارت غيم نحوه بعيون مشتعلة وأشارت إلى مسعود وهي تصرخ:
شوفت شفيق بره... كان واجف مع مسعود بره.. يبحي كل دي خطه منكم علشان تغطوا علي ابنكم العاجز
نظر جارح إليها بعيون سوداء باردة لكنه لم يتحرك، مما زاد من غضبها فصرخت فيه:
وانت.... لنت مجرم... أكيد كنت عارف كل حاجة عن أخوك، انتوا كلكم عصابة واحدة و
وقبل أن تنطق بكلمة أخرى تحرك جارح بسرعة وصفعها على وجهها بقوة جعلتها تتراجع للخلف وهي تضع يدها على خدها الذي احمر من شدة الضربة فـ شعرت بالدموع تحرق عينيها لكنها لم تبكي بل نظرت إليه بكره صريح فـ اقترب منها و صوته منخفض لكنه كان يحمل وعيدا مرعبا واردف
اخرسي. انتي المجرمة اهنيه.. وغلطي إني مجتلتكيش من أول لحظة دخلتي فيها حياتي
تراجعت غيم خطوة للخلف وهي تحدق فيه بذعر لكنه تابع بصوت ثابت كالصخر:
وأحسن حاجة هعملها... اني هتجوز سماح ويوم جوازي هجتلك وهاحد بتار اخوي منك يا غيم
القي جارح كلماته ونظر إليها نظرة أخيرة قبل أن يستدير ويخرج من البيت، تاركا إياها وسط صدمة جعلت كل شيء من حولها يبدو ضبابيا وفي صباح يوم جديد كانت تجلس الجدة في بهو القصر العتيق... تحيط بها لؤلؤ ورجاء وعيونهم مليئة بالغضب والترقب حتي اردفت الجدة بحزم، وهي تطرق بعصاها على الأرض:
لازم نخلص منها... لازم غيم تموت علشان ناخد تار عصام.. البنت دي وجودها اهنيه خطر علي الكل
أيدتها رجاء قائلة:
صح كلامك يا حجه.... البنت دي وجودها خطر ولازم تختفي.. انا مكنتش اتخيل انها ممكن تكون اكده.. بجا تحتل عصان وانتوا لسه سايبنها في البيت وعايشه معانا كمان.. لع دي ممكن تعمل اي حاجه في اي حد اهنيه
نظرت لؤلؤ وهي تضع يدها على جبينها تشعر بأن الأمور تزداد تعقيدا مردده:
بس جتلها مش حاجة سهلة... غيم مش سهله ولو حوصلها جارح مش هيسكت برده
نظرت إليها الجدة نظرة باردة قبل أن ترد بصرامة:
جارح هيبجب مشغول بجوازه من سماح وهي مش مهمه معاه يعني مش بيحبها.. كلنا عارفين انه محبش حد غير جميله وبس
رجاء بضيق:
نفسي اعرف مين جميله دي ولا فين ولا اؤ ال حوصل معاها بالظبط
نظرت لؤلؤ اليها بتوتر لكن قبل أن يواصلن الحديث فتح الباب فجأة ودخلت نرمين بخطوات واثقة رغم أن القلق كان يتسلل إلى عينيها وتوقفت عند عتبة الباب، تراقب الوجوه المتجهمة أمامهافـ ضيقت الجدة عينيها وهي تنظر إليها بعدم ترحيب، قبل أن تسألها بصوت جاف:
إنتي إي ال جابك اهنيه يا بت؟!... مش كفاية أبوكي الواطي ال كان شغال عندنا وطردناه.. جاية إنتي برده تكملي السرجه ولا اي
رفعت نرمين رأسها بعناد قبل أن تقول بهدوء :
أنا جايه علشان أجولك حاجة مهمة… حاجة تخص العيلة دي
نظرت إليها لؤلؤ ورجاء بريبة بينما رفعت الجدة حاجبها تنتظر لتسقط نرمين القنبلة التي فجرت الصمت مردده:
أنا حامل… وحامل من فارس
اتسعت عينا الجدة بصدمة، بينما وضعت لؤلؤ يدها على فمها، ولم تستطع رجاء إخفاء ارتعاشة يدها وهي تتمتم بعدم تصديق:
إنتي بتجولي إي يا بنت المركوب انتي
نرمين بحده:
زي ما سمعتي اكده… أنا حامل من ابنكم و
وفي الأعلى كانت غيم تقف في غرفتها ممسكة باختبار الحمل بين يديها المرتعشتين تحدق فيه بصدمة وكأن عقلها يرفض استيعاب الحقيقة فـتمتمت بصوت مرتجف:
إزاي؟ إزاي عملت في نفسي اكده.؟
رفعت غيم عينيها إلى انعكاسها في المرآة ونظراتها تحمل خليطا من الذعر والخذلان..فࢪ عضت على شفتها بقوة تكاد تشعر بطعم الدموع المالحة في حلقها ثم همست:
مستحيل يوافج علي الحمل ده... هو مش بيحبني أصلا... ولا عمره حبني… بس أنا مش هخاف لازم يعرف، حتى لو طلب مني أنزله حتى لو طردني... مش هسكت برده كفايه خوف بجا
حسمت غيم أمرها وأمسكت باختبار الحمل بقوة ثم خرجت من الغرفة بخطوات سريعة لكن فجأة انتبهت إلى باب غرفة سماح كان شبه موارب زضوء خافت يتسلل من الداخل... فتوقفت مكانها لثواني ثم دفعت الباب ببطء وقلبها يدق بعنف وعندما وقعت عيناها على المشهد أمامها... تجمدت في مكانها وهي تراهم على الفراش كان جارح مستلقيا وسماح نائمة في حضنه جسدها متكور حوله وذراعه ملقاة بإهمال فوقها كأنهما عاشقان اعتادا النوم معا ف، سقط اختبار الحمل من يد غيم على الأرض وأطلقت شهقة مختنقة
الفصل ١٠
كانت غيم واقفة في غرفتها، الدموع تملأ عينيها وهي تضع ملابسها بعشوائية في الحقيبة. قلبها يحترق... تشعر بأن حياتها تتداعى قطعة بعد قطعة حتى لم يبقي منها شيء سوى رماد الخذلان ولم تعد قادرة على الاحتمال أكثر... لم يعد هناك أي سبب للبقاء وفجأة، انفتح باب الغرفة بعنف زظهر جارح عند العتبة و صدره العاري يعلو ويهبط مع أنفاسه المتوترة ونظر إليها بحدة وهو يهتف:
إنتي مش هتمشي من اهنيه... فاهمة اهدي اكده وخلينا نجعد نتكلم بهدوء
توقفت غيم عن حزم أمتعتها واستدارت إليه وعيناها مشتعلة بالغضب ثم صرخت بقوة:
ابعد عني بجا.. انت وأخوك دمرتولي حياتي خدتوا مني كل حاجة حتى روحي مش جادرين تسيبوها في حالها.. ليه ال بتعملوه دا حرام عليكم والله العظيم
رفع جارح حاجبه بسخرية باردة ومال بجسده قليلا وهو يضع يديه في جيبه قائلاً بنبرة هادئة لكنها مشحونة بالاستفزاز:
هو انتي مصدجة إننا متجوزين بجد.. انتي ناسيه احنا اتحوزنا ليه عاد
اتسعت عيناها بدهشة لكنها سرعان ما تمالكت نفسها وهتفت بحدة:
يبجى طلجني بجا ونرتاح احنا الاتنين
تغيرت ملامح جارح في لحظة وتلاشى الاستهزاء من عينيه وحل محله ظلام مخيف وهو يقترب منها قائلا:
وبتار أخوي... هيضيع بالساهل؟ فاكرة إن ال حوصل هيعدي اكده.. انتي جتلتيه
نظرت إليه غيم بعينين مشتعلة بالألم والقهر قبل أن تمسك بسكين كانت على الطاولة ورفعتها بيد مرتعشة ووضعتها على معصمها وعيناها تبرقان بجنون وهي تهتف بصوت مختنق:
خلاص... بتار أخوك أهه.. هجتل نفسي ورايحك.... هو دا ال عايزه مش اكده
شعر جارح بصدمة حقيقية لأول مرة وتحرك بسرعة نحوها و صوته انخفض لكنه كان محملا بالذعر مرددا :
غيم لع... اهدي، بلاش تتهوري.. جسما بالله ما حوصل بيني وبين سماح اي حاجه.. انا كنت بحاول اضايجك بس والله
القي جارح كلماته لكنها لم تتوقف كانت يداها ترتجفان وهي تضغط أكثر على الجلد الرقيق لتبدأ قطرة دم صغيرة في الظهور فاندفع نحوها بسرعة وأمسك يدها وسحب السكين منها بعنف لكن النصل شق راحة يده ليسقط السلاح على الأرض وينطلق أنين ألم من بين شفتيه اما غيم فـ كانت أنفاسهما متلاحقة و عيناها الدامعتان تنظران إلى يده الدامية بينما كانت يده الأخرى لا تزال ممسكة بمعصمها بقوة كأنه يخشى أن تحاول مجددا وفجأة انفتح الباب بعنف وظهرت لؤلؤ ووجهها الشاحب والذعر يملأ عينيها وهي تهتف:
الحق يا جارح بسرعة
القت لؤلؤ كلماتهت ونزلت الي الاسفل مره اخري فاقتربت غيم من جارح ونظرت إلى يده النازفة ثم التقطت قطعة قماش نظيفة وربطتها حول الجرح بحذر.. كانت أنفاسها لا تزال مضطربة.. لكنها حاولت أن تسيطر على ارتجاف يديها اما عن جارح فظل يراقبها بصمت حتى عندما انتهت من تضميد يده و أمسك بمعصمها فجأة فـ نظرت إليه متوجسة ورفع يدها برفق ونظر إلى الجرح البسيط على معصمها مرددا:
عمر الانتحار ما كان حل لأي مشكلة...وأنا مستحيل اسمحلك تجتلي نفسك يا غيم
لم تنتبه غيم إلى نظرة عينيه الطويلة، لأنه في اللحظة التالية كان قد استدار ونزل بسرعة، تاركا إياها واقفة مكانها بين مشاعر لم تعد تفهمها و بعد فترة...كان فارس يقف أمام العائلة بينما جدته تواجهه بغضب و صوتها المرتفع يملأ المكان مردده:
إزاي تعمل اكده يا فارس؟! تتجوز واحدة زي دي عرفي؟! دي بنت واحد كان شغال عندنا وكان حرامي كمان
ارتجفت ملامح نرمين بالغضب وتقدمت خطوة إلى الأمام عيناها تلتمعان بالتحدي وهتفت:
ابوي عمره ما كان حرامي وبعدين أنا حامل منه وال في بطني ابنه ولا اي يا فارس... اتكلم واجف اكده ليه عاد
نظرت رجاء إليها بسخرية باردة وأخرجت ورقة من حقيبتها وهي تهتف بازدراء:
عايزة كام ونخلص من الحوار دا
لكن نرمين لم تتردد لحظة وهي ترد بحزم:
أنا مش عايزة حاجة غير إن فارس يتجوزني رسمي ويعترف بابنه.. انا مش بتاعت فلوس يا حجه.. مش كل حاجه فلوس.. فلوس
قهقهت سماح بسخرية وهي تعقد ذراعيها قائلة بتحد:
وإحنا إي عرفنا إنه ابنه أصلا و
قبل أن ترد نرمين دوى صوت جارح بغضب وهو يصرخ:
كفاية بجا.. اسكتوا شويه اي انتوا مش بتبطلوا كلام
سكت الجميع فورا واندفع جارح نحو فارس وهو ينظر إليه بعينين حادتين قبل أن يقول بلهجة آمرة:
ال في بطنها ابنك يا فارس ولا لع؟!
شعر فارس بالإحراج لكنه تنهد واستجمع شجاعته ليقول بصوت خافت:
أيوه... ابني
أومأ جارح برأسه ثم اردف بحسم:
يبجي تتجوزها رسمي
شهقت الجدة بصدمة ونظرت إليه بغضب وهي تردد:
عايزه يتجوز بنت شفيق الحرامي الخاين يا جارح... تنت اتجننت ولا اي عاد
تنهد جارح بضيق ولم يتراجع بل نظر إليها بثبات واردف بحده :
ال غلط يتحمل غلطه يا حجه.. هو اصلا الغلطان من الاول انه سمح لنفسه يعنل اكده و
لم ينهي جارح كلامه بل سادت لحظة صمت مشحونة لكن فجأة، تجمد وجه جارح وكأن خاطرا ضرب عقله بعنف... صوت غيم عاد يتردد في ذهنه وهي تهتف:
عصام جاب واحد اسمه شفيق علشان يعمل معايا علاقة
اتسعت عيناه بصدمة ثم استدار فجأة واندفع خارج المنزل بسرعة، تاركا الجميع في ذهول...ما عادا لؤلؤ التي وقفت تنظر بتوتر وذهبت بسرعه وبعد فتره عند غيم كانت تقف في غرفتها تحكم إغلاق الباب خلفها وصوتها يتهدج بالبكاء وهي تتحدث في الهاتف:
انا مش هجول لحد إني حامل… وهحاول أهرب بأي طريجه وانت لازم تساعدني… لازم أمشي من اهنيه بالله عليك
كانت أنفاسها متلاحقة وعيناها ممتلئتان بالدموع لكنها كانت مصممة لا يمكنها البقاء هنا أكثر... لا يمكنها المخاطرة بأن يعرف جارح أو أي أحد بحملها… عليها الرحيل قبل أن يفوت الأوان فـ تابعت:
هكلمك تاني لما أكون جاهزة وتشوفلي حل علشان اخلص بجا
أنهت غيم المكالمة بسرعة ومسحت دموعها بعنف قبل أن تبدأ بجمع بعض الأغراض لكن فجأة اهتز هاتفها بين يديها و نظرت إلى الشاشة لترى رسالة نصية مجهولة المصدر محتواها:
لو عايزة تعرفي مكان شفيق… تعالي العنوان دا دلوجتي
اتسعت عيناها بصدمة و حدقت في الرسالة للحظات قبل أن يشتد عزمها لا تعلم من أرسلها لكنها لا تستطيع تجاهلها… شفيق هو مفتاح الحقيقة وإذا كان هناك من يعرف مكانه فعليها أن تذهب وبسرعة فـ أخذت هاتفها وخرجت من الغرفة بخطوات متوجسة وتسللت خارج المنزل بحذر اما عند جارح فكان يقف ك في غرفة نوم عصام يقلب المكان بعصبية وهو يبحث عن أي دليل. عيناه كانت تتنقل بسرعة حتى لفت انتباهه شيء صغير فوق الستارة… كاميرا مراقبة متصلة بهاتف عصام، الذي كان معه بالفعل... وبسرعة فتح التسجيلات وبدأت الصدمة تتسلل إلى ملامحه وهو يرى المشهد بوضوح… عصام أدخل شفيق إلى غرفة غيم، ونيته واضحة. لكنها لم تستسلم… أمسكت بسكين وطعنته ثم خرجت مسرعة طلبًا للمساعدة وبعدها دخل شفيق وضرب عصام بسكين هو الآخر قبل أن يفر هاربا. فجأة، تقطعت التسجيلات ووقف جارح مصدوما و عيناه متسعتان وهو يردد:
غيم بريئة... كل كلمه جالتها صوح.. انا ال كنت غبي.. ازاي اعمل اكده.. ازاي اعمل كل دا
القي جارح كلماته ولكن الصدمة لم تنته بع واهتز هاتفه برسالة جديدة و فتحها بسرعة ليجد فيديو لغيم مربوطة أمام حمام السباحة… المكان مألوف جدا و قلبه خفق بعنف وهو يدرك الحقيقة المروعة… هذا حمام السباحة في بيت عصام نفس المكان الذي يقف فيه الآن فتقدم بسرعه وفتح شباك الغرفه وانصدم عندما وجدها حقا تقف وهي وهي مقيده امام حمام السباحه وبعد فتره عند جارح كانت أنفاسه تتلاحق وهو يركض بسرعة لم يشعر بها من قبل يكاد صدره ينفجر من فرط التوتر وقدماه تضربان الأرض بقوة وعيناه مثبتتان على غيم التي تقف عند حافة حمام سباحة ضخم وجسدها محاصر بين ذراعي رجل يمسك بها بإحكام يبتسم ببرود بينما هي تتلوى بين يديه عيناها تلمعان بالذعر وشفتيها ترتجفان دون أن تخرج منهما أي صرخة فـ توقف جارح على بعد خطوات وجسده متشنج وأنفاسه ثقيلة و نظر إلى الرجل الواقف أمامه وهتف بصوت يحمل تهديدا: واضحا:
سيبها … سيبها دلوجتي قبل ما يحوصلك ال عمرك ما هتتخيله... طسما بالله العظيم هجتلك
ضحك هو بسخرية وشدد قبضته على ذراع غيم أكثر ثم نظر إلى جارح بنظرة مستمتعة واردف:
يااه.... بجا جارح بيه الأسيوطي بيترجاني علشان واحدة؟ معقول؟ انت خايف عليها اكده ليه عاد ؟ بتحبها؟
تصلب فك جارح... وعيناه اشتعلتا غضبا لكنه لم يملك رفاهية الإنكار ليس الآن ليس وهي معلقة بين الحياة والموت فصرخ بغضب :
آه بحبها… ابوس إيدك سيبها، هي مش بتعرف تعوم أصلا.. انا هعملك ال انت عايزه كله.. ليه اكده.. جول انت عايز اي وانا هعمله بس سيبها
ارتفع حاجبيه بدهشة ثم انفجر في ضحكة مستفزة وهو يهز رأسه باستمتاع:
حب؟ جارح الأسيوطي بيحب؟ دا يوم للتاريخ والله
نظر جارح اليه بغضب وكان على وشك التقدم لكنه توقف فور رؤية هؤلاء الرجال وهم يرفعون أسلحتهم نحوه فعض على شفتيه ويديه مقبوضتان بقوة تكاد تحطم عظامه وهتف احدهم:
متحاولش... خطوة كمان وهتكون جثة في ثواني وال بتحبها هتموت غرفانة تحت عيونك... اهدي يا ابن الاسيوطي
تجمد جارح في مكانه وصدره يعلو ويهبط بعنف وعيناه تحترقان بالغضب والعجز… لكن فجأة دوى صوت إطلاق نار في المكان فالتفت الاخر بصدمة ليرى رجال جارح يقتحمون المكان بسرعة بينما ارتبك رجاله للحظة…وفي تلك اللحظة كأن الزمن تباطأ أمام جارح وهو يراه يبتسم بسخرية ثم تمتم بهدوء:
بما إنك بتحبها جوي اكده… يبجى تعوم وراها بجا لو عرفت تنقذها
ودون إنذار دفع غيم بقوة إلى المياه
* غيييم
صرخ جارح بأسمها بألم وهرع نحوها دون تفكير زجسده اندفع بقوة وقفز في المياه بينما صرخت غيم وهي تغرق تقاوم بضعف ذراعاها تتحركان بفوضوية في محاولة للبقاء على السطح لكن المياه كانت تبتلعها بسرعة حتي فقدت وعيها تماما وكأنها تري شريط حياتها امام عيونها وغاص جارح نحوها وقلبه يصرخ قبل صوته وم ذراعيه بقوة وانتشلها قبل أن تبتلعها الظلمة… لكنه ادرك انه تأخر كثيرا وبعد فتره وقف الجميع في قاعة المنزل الكبير و التوتر يملأ الأجواء، والجدة واقفة بعصبية ووجهها يشتعل غضبا وعيناها تضيقان وهي تتحدث :
ازاي... فارس يعنل اكده ؟! ياربلط مع واحدة زي دي... دا حتى مفكرش يختار بنت كويسه.. بنت ناس
تنهد مسعود بضيق وهو يردد:
معلش يا حجه.. متزعليش الولاد شكلهم اتجننوا كلهم ولا اي عاد.. المهم خلينا نفكر هنعمِل اي دلوجتي
لكن رجاء تدخلت بحدة وقد بدأت تشعر أن الأمور تتجه لمنحنى خطير واردفت :
مش وجته العتاب... لازم نشوف هنتصرف ازاي في ال احنا فيه دا
لم تهدأ الجده بل نظرت إليهم بعزم وهي تطرق بعكازها على الأرض بقوة، قائلة بحسم:
عارفين بجا احنا لازم نعمل اي؟! لازم نجوز جارح لسماح... أنا مش هستنى لحد ما دا كمان يضيع مننا زي فارس
ساد الصمت للحظات قبل أن يقطعه صوت سيارات قادم بسرعة من الخارج تلاه صوت صفارات الإسعاف يعلو في المكان فـ التفت الجميع بقلق وفجأة دلف الحارس إلى القاعة يلهث وعيناه مليئتان بالذعر وهو يهتف بصوت مرتجف:
الحقيني يا حجه… تعالي بسرعة
تجمد الجميع في أماكنهم ثم اندفعوا خارج المنزل وعندما وصلوا إلى المدخل اتسعت عيونهم بصدمة وهم يشاهدون المسعفين يفتحون باب سيارة الإسعاف ليظهر أمامهم جسد عصام ممددا داخلها وجهه شاحب وجسده مغطى بالكدمات والجروح فوقفت الجدة في مكانها وعيناها متسعتان من الذهول بينما ارتفع شهقات الصدمة في المكان وبقي الجميع واقفين في صمت تام لا يصدقون ما يرونه أمامهم…اما عند جارح كان قلبه يضرب صدره بقوة وهو يحتضنها بين ذراعيه بينما جسدها كان ساكنا تمامًا وأن الحياة قد غادرته. شعر برعب لم يعرفه في حياته من قبل وهو يرفعها إلى السطح ويده ترتجف وهو يخرجها من الماء ويضعها على الأرض راكعا بجانبها يهز جسدها بجنون:
— غيم… جوطي بالله عليكي… متسبنيش اكده… غيييم.. ابوس يدك.. انا خسرت جميله مره مش هجدر اخسرك انتي كمان.. مش هجدر اعيش الشعور دا تاني.. جومي بالله عليكي
حاول جارح كثيرا لكنها لم تتحرك… كانت مغمضة العينين و أنفاسها مختفية وشفتيها شاحبتين فشعر وكأن الهواء قد اختفى من حوله وضغط على صدرها بقوة يحاول إنعاشها يحاول أن يعيدها إليه وكأن روحه هي التي تلفظ أنفاسها الأخيرة وفي هذه اللحظة كان الرجال الملثمون لا يزالون في مكانهم لكن الأمور بدأت تتغير ز أصوات إطلاق النار تعالت أكثر وصوت أحدهم يصرخ:
انسحبوا… انسحبوا دلوجتي!!
لكن القائد الملثم الذي دفع غيم للماء لم يتحرك… كان يقف بعيدا يراقب المشهد وركض بسرعه وهو يردد بصوت مرتفع :
متفتكرش إن القصة خلصت هاحتا… إحنا لسه مبدأناش أصلا
فرفع فارس سلاحه بغضب وكأنه على وشك إنهاء الأمر لكن في اللحظة ذاتها، انطلقت رصاصة من بعيد أصابته في كتفه، فارتد جسده للخلف وسقط بينما بقية الملثمين بدأوا في الانسحاب وسط فوضى المعركة. أما جارح فلم يكن يرى أو يسمع شيئا سوى أنفاسه المتقطعة وهو ينظر إلى وجه غيم الشاحب… ثم فجأة اهتز جسدها بعنف وشهقت بعنف وهي تفتح عينيها وتلفظ الماء وتتنفس بجنون وكأنها عادت للحياة من جديد فـ شهق جارح بنفس القوة وكأن الأكسجين عاد إلى رئتيه أيضا، ثم أمسك وجهها بيديه بقوة ونظراته مجنونة وخوفه لا يزال يسيطر عليه وهو يصرخ فيها بحدة:
بالله عليكي متعمليش كده تاني… كنت هنتجن… كنت هضيع لو جرالك حاجة!
لكن غيم لم تكن قادرة على الرد، فقط أغمضت عينيها للحظة، الدموع تختلط بالمياه التي تبلل وجهها، بينما قلبها يدق بجنون… لأنها أدركت الحقيقة:
جارح لم يكن مجرد زوج بالورق… بل كان رجلًا أحبها حد الجنون، حتى لو لم يعترف بذلك حتي شعرت بألم شديد اسفة معدتها ورددت بصوت ضعيف:
ابني يا جارح... ابننا بيموت
نظر جارح اليها بعدم فهم وتفاجئ عندما وجدها تنزف بشده وقبل ان يتحدث انصدم عندما وجد هذه الفتاه تقترب منه فردد جارح بصدمه:
جميله و
الفصل ١١
وقف جارح في ممر المستشفى قلبه يخفق بقوة وهو يراقب باب غرفة الفحص بينما كان فارس بجانبه يبدو أكثر هدوءا لكنه يشاركه نفس القلق.... لحظات مرت وكأنها دهر حتى خرج الطبيب أخيرا ينزع القناع الطبي عن وجهه واردف بصوت هادئ:
الحمد لله... الجنين بخير... كانت معجزة والله بس ربنا كريم
رفع جارح عينيه سريعا إلى الطبيب وكأن الكلمات لم تصل إلى وعيه بعد فاستطرد الطبيب:
حالتهما كانت حرجة لكن دلوقتي هي محتاجه راحة تامة.. وممكن تروح البيت لو عايزين كمان بس تهتموا بيها كويس
تنفس جارح بعمق وكأنه استعاد روحه التي كانت على وشك التلاشي ثم أومأ للطبيب الذي غادر بعدها تاركً الصمت يلف المكان فـ تحرك جارح ليدخل الغرفة حيث ترقد غيم لكن يد فارس امتدت لتوقفه وهو يردد بحزم:
فين جميلة
نظر إليه جارح ببرود ثم اردف بصوت خالي من أي مشاعر:
ولا كأنها كانت موجودة ولا حتي تجيب سيرتها... انساها زي ما أنا نسيتها يا فارس
القي جارح كلماته ثم دخل إلى الغرفة تاركا فارس واقفا مذهولا من كلماته اما داخل الغرفة كانت غيم تجلس على السرير و ملامحها شاحبة ومرهقة وعندما رأت جارح رفعت نظرها إليه بضعف فأردف بضيق:
— "معرفتنيش ليه إني حامل؟"
تنهدت غيم بتعب واردفت :
ملحقتيش...؟ ومين الناس دي وعملوا فيا اكده ليه عاد
اقترب جارح منها أكثر واردف بلهجة يملؤها الغضب والوعيد:
لسه مش عارف بس هعرف... وهندمهم على اللحظة ال لمسوكي فيها... انا اسف اني مجدرتش انقذك قبل ما كل دا يوحصل. بس انتي اي ال جابك البيت تاني
لم تتمالك غيم نفسها أكثر فاقتربت منه بضعف ثم انهارت بين ذراعيه تبكي بحرقة وهي تهمس:
متسبنيش... بالله عليك متسبنيش يا جارح ابوس يدك
احتضنها جارح بقوة وكأنه يحاول حمايتها من كل شيء، وهمس بصوت خافت :
مش هسيبك، أبدا والله خلاص
القي جارح كلماته بحزن وفي المساء في احدي الاماكن البعيده. كان يقف مسعود امام شفيق وهو يردد بغضب:
إزاي دا حوصل؟ إزاي عصام لسه عايش؟! انت جولت إنك خلصت عليه... هو انت بتضحك عليا يا شفيق؟!
حاول شفيق أن يتمالك نفسه لكنه شعر بتوتر يتصاعد في صدره فأجاب بصوت مرتجف:
أنا... أنا نفذت الأوامر زي ما جولتلي بالظبك... ضربته بنفسي يا بيه بس واضح إنه كان عنده حظ او انه لعب علينا كلنا... اومال جثه مين ال اندفنت عاد
نظر مسعود اليه بغضب وهو يصرخ:
حظ؟! انت فاكرني بهزر معاك؟! أنا مش بشتغل مع ناس فشلة والأدهى من اكده بنتك... أنا جوتلك تبعتها لفارس علشان تضحك عليه مش علشان تحبه...و دلوجتي بطت حامل منه؟! دي مصيبة.. هو انت بتلعب عليا يا شفيق ولا اي عاد
ارتبك شفيق أكثر ز مسح العرق عن جبينه وحاول التبرير مرددا:
أنا مليش دعوة بال حوصل... أنا عملت ال طلبته مني والبنت نفذت كلامي بس الظاهر إن فارس أثر عليها.. بس متخافش يا بيه انا هتصرف معاها
وقف مسعود فجأة ونظر إلى شفيق نظرة تهديد جعلت الرجل يشعر بالاختناق ثم اردف بصوت حاد:
كفاية عليك اكده يا مسعود... أنا هتصرف بنفسي
القي مسعود كلماته ثم استدار وأخرج هاتفه واتصل بأحد رجاله بينما كان شفيق يراقبه بخوف.. يعلم جيدا أن الأمور ستخرج عن السيطرة قريبا صباح يوم جديد..كانت غيم تقف بجوار جارح في صدمة و عيناها متسعتان وهي تحدق في الرجل الجالس على السرير أمامها... عصام! الرجل الذي كانت تظنه ميتا عاد ليقف أمامها حيا يرزق فـ ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تراقبه يمرر يده على رأسه يبدو ضائعا، قبل أن ينظر إليهما قائلا بصوت هادئ لكنه مشوش:
انا مش فاكر أي حاجة... مش عارف إي ال حوصل ولا فاكر
ارتجفت غيم دون إرادة منها لكن قبل أن تستوعب صدمتها وجدته ينهض فجأة من مكانه واقترب منها ليحتضنها قائلاً بانفعال:
واحشتيني جوي يا غيم
شهقت غيم بفزع وتراجعت بسرعة زعيناها تمتلئان بالخوف ثم صرخت بصوت مرتجف:
إبعد عني اوعي تلمسني.. ابعد
القت غيم كلماتها وهربت خلف جارح وكأنها تبحث عن ملجأ بينما كان وجه جارح متصلبا وعينيه تضيقان وهو يراقب عصام ببرود. ثم نطق أخيرا بصوت واثق لكنه يحمل تحذيرا واضحا:
نورت بيتك يا عصام... بس غيم مرتي أنا دلوجتي.. فلازم تبعد عنها ومتلمسهاش تاني احسن... انا محدش يلمس مرتي يا عصام حتي لو اخوي
ساد الصمت للحظات وعيون العائلة كلها تتنقل بين عصام وجارح في صدمة واضحة لكن فجأة اخترقت رجاء ذلك الصمت بقولها بحزم:
اكده انت جوازك إنت وغيم باطل يا جارح... يعني مينفعش تكملوا مع بعض
التفتت الأنظار إلى جارح الذي ابتسم بسخرية وهو يرد عليها بثقة:
لع مش باطل يا عمتي... عصام كان طلك غيم قبل ما يعمل علينا مسلسل الموت دا بيوم واحد وغيم عارفة دا كويس.. انا اصلا جولتلها من اللحظه ال اتجوزتها فيخا اهه بكمله الصدمات ال. خدتها منه.. مش اكده يا غيم؟"
أومأت غيم برأسها ببطء وملامحها لا تزال مرتعبة بينما اشتعل الغضب في وجه عصام فتقدم خطوة للأمام وهو يهتف:
يعني إنت شايف إنه عادي تتجوز مرت أخوك.. لع وكمان بتدافع. عنها جصاد اخوك يا جارح
ابتسم جارح ابتسامة باردة قبل أن يرد بنبرة تحمل تهديدا واضحا:
آه... عادي جدا ما اتجوزهت.. غيم مرتي وال هيعدي حدوده معاها... أنا هجتله ومسلسل الموت ال انت عملته دا؟ مدخلش عليا... أنا كنت عارف إنك مش ميت يا عصام بس ملحقتش ادور عليك.. انت جبت قبل انا ما ادور واعرف مكانك.. يلا مصلحه وفرت عليا التعب في التدوير عليك يا اخوي
صدم كلام جارح الجميع بينما اتسعت عينا عصام بارتباك وهو يتمتم:
انت بتجول إي؟ عرفت إزاي
اقترب جارح منه أكثر وهمس ببرود:
متسألش... علشان لو جولت جدام العيلة هزعلك وهخلي شكلك وحش جوي يا اخوي وانا ميرضنيش ان ابن الاسيوطي يبجي شكله اكده جدام عيلته
القي جارح كلماته ثم أمسك بيد غيم بقوة وكأنه يعلن ملكيته لها أمام الجميع ثم انسحب بها خارج الغرفة تاركا الجميع في صدمتهم بينما عصام يحدق فيهما بغضب مكتوم وفي مكان اخر في غرفه فارس كان يقف بثورة عارمة و عيناه مشتعلة بالغضب وهو يحدق في نرمين التي كانت تقف أمامه مذعورة تحاول فهم سبب هذا الانفجار المفاجئ وفجأة، ارتفع صوته بغضب عارم:
انتي كدابة... إنتي عمرك ما حبتيني! دي أكيد خطة وسخة من أبوكي صوح
اتسعت عينا نرمين بصدمة ووضعت يدها على صدرها وكأنها تحاول استيعاب كلماته ثم تمتمت بذهول:
فارس... إنت بتجول إي عاد.. اي الكلام ال بتجوله دا
اقترب فارس منها بخطوات سريعة وعيناه تشتعلان بالكراهية و صوته خرج أكثر حدة:
ال سمعتيه... أبوكي كان عايز يعمل علاقه مع غيم.. ابوكي دا راجل و*سخ وحقير... وطبعا إنتي مطلعتيش بعيدة عنه.. انتي زيه بالظبط دا انا كنت بربي حية في حضني بجا
شهقت نرمين بصدمة وعيناها امتلأتا بالدموع وهي تهز رأسها بعدم تصديق:
إنت بتظلمني... مستحيل يكون أبوي عمل اكده... مستحيل
ضحك فارس بسخرية وهو يمرر يده في شعره بعنف ثم نظر إليها باحتقار مرددا :
أنا هستنى إي من بنت واحد حرامي زيه؟! إنتي شبهه بالظبط... وعشان اكده أنا بكرهك... وبكره نفسي امي لمست واحده زيك.. دا انا شايف الفيديو بعيوني وهو بيحاول يقرب منها ويلمسها.. هو ازاي حقير اكده.. جايب كل القذاره دي منين
تراجعت نرمين للخلف وكأنها تلقت صفعة على وجهها والدموع انهمرت على وجنتيها وهي تهمس:
فارس... ليه بتجول اكده؟ إحنا... إحنا هنتجوز ونبجي مع بعض وانا معملتش حاجه والله
اقترب فارس منها أكثر وردد بصوت يشبه فحيح الافاعي :
أنا هكتب كتابي عليكي علشان ال في بطنك بس... مع إني بدأت أشك إنه يكون ابني أصلا
شهقت نرمين وكأن قلبها توقف عن النبض ورفعت يدها المرتجفة إلى بطنها بينما اكمل فارس ببرود قاتل:
بعد ما تولدي هرميكي بره البيت زي الكلبة... زي ما رمينا أبوكي قبل اكده وملكيش عندي حاجه حتي ابني هاخده مستحيل اخليه يتربي مع واحده زيك
القي فارس كلماته ونظر إليها نظرة أخيرة مليئة بالاحتقار ثم استدار وخرج من الغرفة بعنف ليتركها واقفة في مكانها وجسدها يرتجف بالكامل ودموعها تنهمر بلا توقف غير قادرة على تصديق الجحيم الذي أُلقيت فيه حتي انتبهت الي هذا السكين الموضوع علي الطاوله واخترق راسها كلمات فارس عن والدها ومدي بشاعته وفجاه التقطت السكين ووضعتها علي معصمها وفي غرفه جارح كانت غيم تجلس على الفراش.. جسدها يهتز مع شهقاتها المتواصلة وعيناها مغرورقتان بالدموع التي لم تتوقف منذ أن رأت عصام وقلبها كان يصرخ برفضه.. لا يمكنها البقاء هنا... لا يمكنها حتى التنفس براحه وهي تعلم أنه ما زال حيا فـ تمتمت بصوت مختنق وهي تمسح دموعها بعنف:
لازم أمشي... مستحيل أجعد اهنيه... مش قادرة حتى أبص في وشه.. لع انا لازم امشي و
لكن قبل أن تكمل غيم جاءها صوت جارح الغاضب وهو يصرخ بانفعال مكبوت:
ولا خطوة من اهنيه يا غيم... انتي مش فاهمة حاجة… أنا عرفت كل حاجة. سمعت كل شيء واتأكدت انك مظلومه.. دا بيتك
نظرت إليه غيم بعينين دامعتين وهي تحاول أن تفهم ما يقصده لكنه أكمل بحدة وهو يقترب منها:
أنا عرفت إن أخوي عاجز… عرفت ال عمله شفيق.. وعرفت إزاي استغلوا ضعف عصام… وعرفت إزاي كان كل ده لعبة قذرة! بس أنا مش هسكت… والله ما هسيبه يقربلك تاني حتى لو كان اخوي مش هسمحله يبصلك بعيونه حتي
اتسعت عينا غيم بذهول وهي تهمس باضطراب:
بجد؟ يعني… خلاص
رفعت نظرها إليه بتردد قبل أن تكمل بصوت مهتز:
طيب… طلجني يا جارح
تجمد جارح مكانه وكأن كلماتها كانت خنجرا غرس في صدره، عيناه تلونتا بالغضب لكنه سرعان ما تنفس بعمق واردف بصوت قوي لكنه يحمل نبرة مختلفة… نبرة لم تسمعها منه من قبل مرددا :
مجدرش... مجدرش اطلجك
ليه ؟
همست غيم بعدم استيعاب فـ رفع يده وأمسك وجهها برفق يجبرها على النظر في عينيه مباشرة وهو يهمس بصوت منخفض لكنه مشحون بالعاطفة:
مجدرش أسيبك... غيم… انا بحبك
شهقت غيم بصوت مسموع وكأن قلبها توقف عن النبض للحظة. عيناها امتلأتا بالصدمة وهي تراقبه بذهول:
إنت… إنت بتجول إي.. بتحبني انا
ابتسم جارح لكنها كانت ابتسامة حزينة. ابتسامة رجل يحمل الكثير من الجراح لكنه أخيرا قرر الاعتراف بحقيقته وهتف :
ايوه بحبك بجد.. والله بحبك جوي … ومجدرش أعيش من غيرك.. خليكي معايا.. ولو مش جادرة تفضلي في البيت دا… أنا هعيشك في بيت تاني... في أي مكان تحبيه بس متبعديش عني
ارتجفت شفتي غيم وشعرت وكأنها تغرق في عاصفة من المشاعر. لأول مرة ترى في عينيه رجلا ليس فقط عنيفا أو متحكما... بل رجلاً يعشقها بكل جوارحه.. رجلاً خائفا من فقدانها فهمست بصوت ضعيف :
وأنا كمان بحبك يا جارح… بس كنت خايفة… كنت مرعوبة من كل حاجة ومنك انت كمان
مد يده وأمسك بيديها يضغط عليهما بحنان ودفء وهو يهمس بقوة:
من دلوجتي، متخافيش أبدا… أنا موجود، وهفضل جمبك طول العمر..انت ظلمتك كتير جوي وهعوضك عن كل حاجه عملتها فيكي.. سامحيني بالله عليكي يا غيم
القي جارح كلماته بحزن وهو يلامس وجهها و لكن فجأة، رن هاتفه فـ نظر إلى شاشته ليجد اسما ظهر أمامه "جميلة" فتجمد جسده للحظة وشعرت غيم بالارتباك وهي تراقب التوتر الذي ظهر في ملامحه وكأن هذه المكالمة تحمل معها عاصفة جديدة قادمه وبعد منتصف الليل في مكان مهجور تحيط به صخور ضخمة على جانبيه لا صوت يسمع سوى همسات الريح وصدى الخطوات فوق الأرض الجافة فـ توقفت سيارة سوداء عند حافة الطريق يترجل منها جارح وهو يغلق الباب خلفه بهدوء ينظر حوله بحذر على بُعد خطوات منه تقف امرأة مغطاة بعباءة سوداء تخفي ملامحها تحت وشاح طويل فـ اقترب جارح نحوها ببطء عاقدا حاجبيه حتى أصبح قريبا بما يكفي ليتحدث بصوت حاد:
عايزة مني إي عاد ؟
تحركت المرأة ببطء ورفع يديها إلى وجهها تمسك الوشاح بأطراف أصابعها وتسحبه عن ملامحها فينكشف وجه مألوف تحت ضوء القمر.. لؤلؤ... هذه لؤلؤ..فنظر اليها جارح بنظرات ثابته بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة شاحبة واردفت:
جميلة يا جارح… اسمي جميلة نسيت اسمي بسرعة اكده ولا اي عاد و
توقعاتكم للقادم
© جميع الحقوق محفوظة - أسماء ندا
