google.com, pub-6802150628270214, DIRECT, f08c47fec0942fa0 حق مكتسب بقلم اسماء ندا الفصل الثامن
أخر الاخبار

حق مكتسب بقلم اسماء ندا الفصل الثامن

حق مكتسب 

حق مكتسب بقلم اسماء ندا الفصل الثامن

بقلم اسماء ندا الفصل الثامن 
 الجزء الأول


كان صوت الباب المعدني الثقيل وهو يُغلق خلفها كطعنةٍ في الذاكرة. ارتجفت ليلى للحظة، شعرت أن الجدران الرمادية للمكتب تقترب منها كأنها تُعيدها إلى زنزانتها القديمة، إلى رائحة العفن والحديد والظلم الذي التصق بأنفاسها لسنوات. جلست على المقعد المقابل للمحقق الشاب، الذي كان ينظر في ملفٍ سميك أمامه، تتناثر فيه صور، أوراق، وتوقيعات باهتة تحمل اسمها.


رفع رأسه ببطء، وقال بصوتٍ هادئ يخفي خلفه شيئًا من الحذر:

ـ السيدة ليلى عادل... هذا هو اسمك الحقيقي، صحيح؟


أومأت دون كلام. كانت عيناها تتفحصان وجهه كما لو كانت تبحث فيه عن نية مبيتة أو شفقة مخفية.


ـ قضيتِ ثمانية عشر عامًا في السجن، بتهمة قتل رجل الأعمال "سامر الملاح"، أليس كذلك؟


ـ نعم.


ـ لكنك الآن تدّعين أن الجريمة ارتُكبت بواسطة زوجته الحقيقية... "ريهام الطحان".


رفعت رأسها بثبات، وقالت بصوتٍ متماسك رغم ارتعاش أصابعها:

ـ لا أدّعي. أنا أقول الحقيقة.


صمت لحظة، ثم قال وهو يقلب في الأوراق:

ـ الحقيقة بعد كل هذه السنين؟ لماذا الآن يا ليلى؟


نظرت إليه نظرة بعيدة، كأنها تخترق الزمن.

ـ لأن الحقيقة لم تمت، كانت فقط مدفونة... تحت أقدام من يملكون المال والسلطة.


أغلق الملف، وأسند ذقنه إلى كفيه، متأملاً ملامحها. كانت امرأة في منتصف الأربعين، لكنها تحمل في عينيها ما لا تحمله نساء في السبعين: وجعٌ ثقيل، وإصرار لا يُكسر.

قال بهدوء:

ـ احكي لي من البداية، كما تتذكرينها.


ابتلعت ريقها بصعوبة. كان المشهد يعود إليها ببطء، كما يعود الحلم بعد غياب.



---


كانت تلك الليلة تمطر بغزارة. كانت تعمل خادمة في قصر آل الطحان منذ عامين، تربي بطنها الحامل في شهرها السادس في الخفاء، تخشى أن يُكتشف سرها فتُطرد قبل أن تلد. كانت تعلم أن ريهام الطحان امرأة لا ترحم، باردة النظرات، تتعامل مع الجميع كما لو كانوا خدمًا في مسرح كبير تؤدي هي بطولته.


قالت ليلى بصوتٍ خافتٍ وهي تنظر إلى الأرض:

ـ كنت أعمل في المطبخ حين سمعتُ صراخًا في الطابق العلوي. هرعتُ إلى السلم، كانت السيدة ريهام تصرخ في وجه زوجها سامر، تتهمه بخيانتها مع امرأةٍ أخرى... سمعت ارتطام شيءٍ ثقيل، ثم صمت.


ارتعشت أصابعها وهي تواصل:

ـ حين صعدت، كان جسده ممددًا على الأرض، ورأسه ينزف. والسيدة ريهام تقف قرب النافذة، تمسك بتمثال رخامي ملوث بالدم.


رفعت عينيها إلى المحقق:

ـ حين رأتني، تجمدت، ثم اقتربت وقالت بصوتٍ هادئٍ ومرعب في آنٍ واحد: "أنتِ لم تري شيئًا، مفهوم؟"


لكنها لم تمنحها فرصة للهرب. في دقائق كانت الشرطة قد وصلت، بعد أن اتصلت هي بنفسها، لتقول إن الخادمة "ليلى عادل" قتلت زوجها أثناء محاولة السرقة.


قال المحقق وهو يدوّن ملاحظاته:

ـ وهل لديك ما يثبت أنكِ بريئة؟


ضحكت ضحكة قصيرة حزينة، وقالت:

ـ لو كان للفقر صوت... لكان صمته دليلي.



---


عادت بذاكرتها إلى تلك الليلة داخل قسم الشرطة. كانت تجلس على الأرض الباردة، ترتجف من الخوف، بينما ريهام الطحان تجلس في غرفةٍ أخرى تشرب القهوة وتُدخن سيجارة، محاطة بالمحامين والضباط.


قال أحدهم يومها:

ـ خلاص، الموضوع انتهى، البنت اعترفت.


لكنها لم تعترف. لم تفعل قط. فقط كانت عاجزة عن الدفاع، لأن صوتها كان يُغرقه نفوذ الطحان.


عادت إلى الحاضر، والمحقق ينظر إليها بعينٍ مترددة بين الشك والاحترام.

ـ ولماذا لم تدافعي عن نفسك وقتها؟


ـ لأن من يدافع عن نفسه يحتاج من يسمعه. أنا كنت مجرد خادمة... وحامل.


توقف عند الكلمة الأخيرة.

ـ حامل؟


ـ نعم. كنت في الشهر السابع. لم أجرؤ أن أقول. كنت خائفة أن يظنوا أني ارتكبت كل شيء بدافع فضيحة أو انتقام.


أشار برأسه بتفهم، ثم سألها بنبرةٍ أكثر جدية:

ـ هل كنتِ تعرفين والد الطفل؟


ساد صمتٌ طويل، كأن الجدران تنتظر الجواب. ثم قالت بصوتٍ منخفض:

ـ لا.


لكن الحقيقة كانت أعمق من ذلك بكثير.

الحب الذي جمعها ذات يوم بـ “هيثم النجار”، أحد محامي سامر الملاح، كان سرّها الأكبر. رجلٌ وعدها بالزواج ثم اختفى قبل أن تعلم بحملها بشهرين.


حين علمت أنه يعمل الآن مع "ريهام الطحان"، فهمت كل شيء. فهمت لماذا لم تُقبل شهادتها، ولماذا كانت كل الأدلة ضدها.


المحقق لم يكن يعلم كل ذلك، لكن حدسه بدأ يلتقط الخيوط. كان هناك شيء في عينيها يقول إنها لا تكذب.


قال وهو يتنفس ببطء:

ـ يبدو أن هناك أسماء كبيرة متورطة هنا يا سيدة ليلى. هل لديك ما يربط السيدة ريهام بالجريمة فعلاً؟ أي دليل مادي؟


مدت يدها إلى حقيبتها الصغيرة، أخرجت منها ظرفًا باهت اللون، ناولته له بحذر. فتحه، فوجد بداخله صورة قديمة، يظهر فيها سامر الملاح وزوجته ريهام في حفل، وخلفهم ليلى ترتب الزهور على المائدة. لكن ما لفت نظره لم يكن الصورة نفسها، بل ما كُتب على ظهرها بخطٍّ متسرع:


> “لن تسكت الحقيقة طويلًا، والدم لا يُمحى بالمال.”




رفع عينيه إليها متسائلًا، فقالت بهدوء:

ـ وجدت هذه الصورة داخل علبة قديمة في السجن، كانت ضمن أغراضي التي صودرت. لم تكن بخطي. لا أعرف من كتبها.


لكنها كانت تعرف في أعماقها أن يدًا واحدة فقط كان يمكنها فعل ذلك... يد امرأة تدعى “أمينة”، سجينة سابقة كانت تعمل خادمة أيضًا عند ريهام، ودخلت السجن بعدها بعام.


المحقق شعر بارتباك. أشار إلى الحارس أن يتركهما، ثم قال بصوتٍ خافت:

ـ أريد أن أراجع سجلات القضية القديمة بنفسي.



---


بعد ساعات، كانت الشمس تميل نحو الغروب حين خرجت ليلى من مبنى النيابة. شعرت كأنها خرجت من قبرٍ جديد. الهواء البارد لامس وجهها وأعاد إليها شيئًا من الحياة. لكن في أعماقها كانت تعرف أن الطريق أمامها طويل.


وقفت أمام درج المحكمة، تراقب الناس يمرّون. وجوه كثيرة، أصوات، ضجيج سيارات، لكنها لم تكن ترى سوى ظلّ امرأة ترتدي ثوبًا أبيض، وتضحك بخبث... ريهام الطحان.


أغمضت عينيها، واستعادت آخر مشهد قبل أن تُغلق أبواب السجن خلفها قبل ثمانية عشر عامًا.

ريهام كانت واقفة أمامها في المحكمة، تنظر إليها بابتسامة انتصار، بينما القاضي يقرأ الحكم.

ـ السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة.


تلك الكلمات ما زالت ترن في أذنها حتى الآن.



---


في تلك الليلة، عادت ليلى إلى شقتها الصغيرة في ضاحية بعيدة من المدينة. كانت الغرفة شبه مظلمة، فيها نافذة واحدة تطل على شارعٍ ضيق. جلست على الكرسي الخشبي قرب الطاولة، أخرجت من حقيبتها صورة ابنها التي حصلت عليها من دار الأيتام، بجوار الورقة التي كتبها بخطّه المرتب:


> “إلى أمي... حتى لو تأخرت، أنا أنتظرك.”




لم تستطع أن تمنع دموعها. احتضنت الورقة كما لو كانت ذراعاه.


رنّ الهاتف فجأة، ارتجفت. رقم غريب على الشاشة.

ردّت بصوتٍ حذر:

ـ من يتحدث؟


جاءها صوت رجلٍ خافت، كأنه يعرفها:

ـ لو كنتِ تريدين الحقيقة... قابليني الليلة في الميناء القديم، عند المخزن رقم سبعة.


ـ من أنت؟


ـ فقط تعالي وحدك... أو انسَي ابنك.


انقطع الخط.


تسارعت أنفاسها، شعرت أن كل شيء عاد ليدور في نفس الدائرة القديمة — التهديد، الغموض، الأسرار. لكن هذه المرة لن تهرب.

نظرت إلى صورتها في المرآة، رأت امرأة مختلفة، ليست الخادمة الضعيفة التي سُجنت ظلمًا، بل أمًّا خرجت من النار تحمل رماد الماضي كسلاح.


ارتدت معطفها، وخرجت من الباب بخطى ثابتة، دون أن تدري أن خلف الزاوية، كان خالد يراقبها في صمت، يده ترتجف على مقود السيارة، وصوته يهمس لنفسه:

ـ إلى أين تذهبين يا أمي؟


كان الليل يبتلع المدينة، والبحر البعيد ينتظر اللقاء الأول بين الماضي والحقيقة.


---


الفصل الثامن – الجزء الثاني


لم يكن صوت الساعة في غرفة التحقيق سوى تذكيرٍ قاسٍ بأن الزمن لا يرحم أحداً. كانت عقاربها تدور ببطءٍ غريب، كما لو كانت تشهد على انهيار روحٍ بشرية أمامها. جلست ليلى مائلة على الكرسي المعدني، يداها متشابكتان، ونظراتها معلّقة في الفراغ. أمّا سامي، فكان يراقبها بعين رجلٍ يعرف أن بين يديه لغزًا أكبر من مجرد جريمة قتل.


قال بهدوءٍ متعمد، كمن يخشى أن يُفسد اعترافًا على وشك الظهور:

– ليلى، قلتِ إن نادر السبب في موت والدك... ممكن توضحيلي إزاي؟


رفعت عينيها نحوه ببطء، كأنها تخرج من قاع بحرٍ عميق.

– كل حاجة بدأت قبل عشر سنين... في اليوم اللي اتقتل فيه أبويا.



---


كانت الليلة ماطرة. الرياح تصرخ خلف النوافذ، والبحر يضرب الشاطئ بغضبٍ عارم. كان والدها، الدكتور “فؤاد مراد”، عالِمًا في علم الأعصاب، يعمل على مشروعٍ سريّ تموّله جهة غامضة. كانت ليلى صغيرة وقتها، لكنها تتذكر جيداً تلك الليلة التي عاد فيها إلى البيت مضطرباً، يحمل حقيبةً صغيرة لم تفارقه لحظة.


سمعته يتحدث في الهاتف، صوته مرتجف، يقول:

– قلتلكم المشروع ده خطر... مش هنقدر نتحكم في النتائج.

ثم صمت قليلاً، قبل أن يضيف بصوتٍ أشبه بالهمس:

– لو حصللي حاجة، قولوا لليلى تفتش عن الحقيقة في “الملف الأزرق”.


بعد ساعاتٍ قليلة، سمعوا الانفجار. لم يبقَ من المختبر سوى رمادٍ وبعض الأوراق المحترقة. قالوا إنه حادث، لكن خالتها “هدى” كانت الوحيدة التي لم تصدق الرواية الرسمية. كانت تهمس دائماً:

– فؤاد ما بيموتش كده... في حاجة وراه.


مرت السنوات، وظلت ليلى تعيش بين الشك والحيرة، حتى جاء نادر إلى حياتها، يحمل تلك النظرات التي تشبه والدها حين كان يفكر في شيءٍ خطير.



---


تنهدت ليلى وهي تواصل حديثها أمام سامي:

– في البداية، نادر ما قالش حاجة عن والدي. كان بيظهر اهتمام غريب بكل تفصيلة تخص حياتي. سألني عن طفولتي، عن الليالي اللي كنت بصحى فيها مفزوعة من الكوابيس... وعن ذكرياتي الأخيرة مع بابا.

ولما سألته ليه بيسأل، قاللي “أحيانًا الماضي بيبقى المفتاح للحاضر.”


لكن الحقيقة كانت أبشع من كده بكتير.


– إزاي؟ – سأل سامي وهو يميل بجسده للأمام.

– نادر كان شغال في نفس المشروع اللي مات فيه والدي.


تجمد الهواء في الغرفة. حتى الضابط الجالس خلف سامي رفع رأسه من الورق بدهشة.

تابعت ليلى بصوتٍ واهن:

– هو كان تلميذ بابا. اشتغل معاه سنين طويلة، وكان بيعتبره أبوه الروحي. بس لما المشروع فشل، بدأ يشك إن بابا خبّى النتائج علشان يمنعهم من استغلالها. نادر اعتبر ده خيانة. ومن يومها، قرر يكمّل التجربة بنفسه... بأي تمن.



---


في ذلك المساء الذي رأت فيه ملف والدها على مكتب نادر، اكتشفت ليلى أكثر مما كانت تتمنى. الملف لم يكن مجرد ملاحظات علمية؛ كان فيه تقارير عن تجارب على “التحكم بالعقل عبر الذاكرة”، وعن مشروع يحمل اسم رمزي: الظلّ الرابع.


كتبت ليلى في دفترها يومها:


> “كل شيء في حياتي بدأ يتشقق من اللحظة التي قرأت فيها اسم أبي بجانب كلمة التجربة. لم أعد أعرف من هو الضحية ومن هو الجاني. نادر لم يكن باحثًا فقط... كان مهووسًا.”




في اليوم التالي، واجهته.

– ليه كنت مخبي الحقيقة دي عني؟

– علشان تحمليها، كنتِ محتاجة تكوني قوية.

– قوية على إيه؟ على إني أكتشف إنك كنت السبب في موته؟


تغير وجه نادر، بدا كأنه يحاول السيطرة على عاصفةٍ في داخله.

– ما كنتش قصدي يموت. كنت عايز بس أعرف الحقيقة... وهو رفض.


– فعملت إيه؟ – قالتها وهي ترتجف.

– سبت القدر يقرر.



---


عادت ليلى إلى الحاضر، والدموع تلمع في عينيها.

قال سامي بصوتٍ منخفض:

– يعني هو ما اعترفش صراحة إنه قتله؟

– ما احتاجش يقولها. نظرة واحدة كانت كفاية.


رفع سامي رأسه نحو الضابط المساعد:

– سجل ده حرفياً.


ثم التفت إليها من جديد.

– ليلى، إنتِ فاهمة إن الكلام ده ممكن يقلب القضية كلها؟

– فاهمة... ويمكن علشان كده أنا هنا دلوقتي.


سكت للحظة، ثم أضافت بصوتٍ خافت:

– بس اللي مش فاهمه... هو ليه رجع بعد كل السنين دي؟ ليه قرر يقرب مني تاني؟


أجاب سامي وهو يضيق عينيه:

– يمكن كان بيكمل اللي بدأه. يمكن ما خلصش اللي عايزه من التجربة.


– التجربة؟

– آه، التجربة اللي بتتكلمي عنها... “الظل الرابع”. فيه تقارير جديدة بتقول إنه رجع يشتغل عليها تاني قبل موته بأسابيع.


تسارعت أنفاس ليلى، وبدت كأنها ستفقد وعيها.

– مستحيل... نادر قال إن المشروع انتهى.

– الظاهر إنه ما انتهاش... الظاهر إنك كنتِ جزء منه.


تراجعت بخوفٍ واضح.

– أنا؟!

– أيوه يا ليلى. عندنا إشارات في ملفه بتتكلم عن “العنصر الحي” اللي بيحمل ذاكرة مزدوجة. المعمل لسه بيحلل البيانات، بس كل الدلائل بتشير إن العنصر ده هو... إنتِ.


شهقت ليلى، ووجهها شحب كأن الدم تراجع عنه.

– أنا... كنت تجربة؟



---


تداخلت الأصوات في رأسها، ضجيج الذاكرة انفتح فجأة، والذكريات انقضّت عليها كعاصفة.

رأت نفسها في غرفة بيضاء، مربوطة بأسلاك رفيعة، وأصوات رجال يتحدثون عن “التحفيز العصبي” و“الانقسام الإدراكي”. سمعت صوت نادر يهمس بجانبها:

– كل شيء هيبقى بخير يا ليلى... دي بس بداية الحقيقة.


صرخت حينها، لكن صوتها لم يخرج. رأت وجه والدها في الظل، يحاول أن يقول شيئاً، لكن نادر كان دائماً هناك، يمنعها من الفهم.



---


عاد صوت سامي يقطع شرودها:

– ليلى؟ سامعاني؟


أومأت برأسها بصعوبة.

– فيه حاجة لازم تعرفها، سامي... نادر ما ماتش.


توقف كل شيء في الغرفة. الضابط أسقط قلمه، وسامي جمد في مكانه.

– بتقولي إيه؟

– ما ماتش. شُفتُه قبل أسبوع من الحادث. كان لابس جاكيت رمادي، بنفس الريحة اللي كنت أعرفها. وقف في الشارع قدامي، وبصلي وقال: “لسه اللعب ما خلصش.”


– ليلى، الجثة اتحددت بالحمض النووي.

– الحمض النووي ممكن يتبدل، مش كده؟ أنت محقق، المفروض تعرف.


لم يجد سامي ما يرد به. جلس في صمتٍ ثقيل، عقله يدور بسرعة. إذا كان ما قالته ليلى صحيحًا، فالقضية أكبر من جريمة قتل. نحن أمام مسرحية علمية تُدار من خلف الستار.



---


وفي تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة فجأة، ودخل رجل ببدلة سوداء ونظارات داكنة. ناول سامي مظروفًا مختومًا بختم أمني.

– التقرير الجديد يا فندم... عن المعمل.


فتح سامي المظروف، بدأ يقرأ، ثم تجمّد وجهه تماماً.

رفع نظره إلى ليلى وقال بصوتٍ متحشرج:

– النتائج طلعت... البصمة الجينية اللي كانت على أداة الجريمة... تطابق بنسبة تسعة وتسعين في المية معك يا ليلى.


تراجعت على الكرسي، ويدها ارتجفت على الطاولة.

– مستحيل... أنا ما قتلتهوش!


لكن سامي لم يرد. الأوراق بين يديه كانت كفيلة بأن تزرع الشك حتى في أكثر القلوب نقاءً.


أما ليلى، فكانت تنظر إلى صورتها المنعكسة في زجاج المكتب، كأنها ترى للمرة الأولى امرأةً لا تعرفها... امرأةً خُلقت من الظلّ الرابع نفسه.


---


الفصل الثامن – الجزء الثالث


كانت الصدمة كالسهم، اخترقت وعيها حتى شعرت أن أنفاسها تختنق في صدرها. الأوراق بين يدي سامي لم تكن مجرد أوراق... كانت سكينًا حادًا تفتح جرحًا لم يلتئم منذ سنوات.

تراجعت ليلى على الكرسي، أنفاسها تتقطع، ويديها ترتعشان كمن يحاول الإمساك بالهواء.


قال سامي بهدوءٍ مصطنع، كمن يضع قدمه على أرضٍ من زجاج:

– ليلى، التقرير بيأكد إن البصمة على أداة الجريمة تخصك. بس ده مش معناه إنك القاتلة... محتاجين نفهم إزاي وصلت هناك.


رفعت عينيها نحوه، بعينين تتأرجحان بين الذعر والإنكار:

– أنا ما كنتش هناك! كنت في البيت... مع خالد.


سكت سامي لحظة ثم قال:

– خالد نفسه قال إنه ما شافكش طول الليلة.


تجمدت ملامحها. كلمات سامي ضربتها في الصميم. لم تكن تتوقع أن يخونها ابنها، أو بالأحرى، الشاب الذي كافحت لأجله، وانتزعت من أجله حقها في الحياة.


ابتلعت ريقها بصعوبة، وصوتها خرج مبحوحًا:

– هو مش بيكدب... بس مش فاكر.


– يعني إيه مش فاكر؟


– لأن اللي حصل معايا مش طبيعي... كان في حاجة غريبة الليلة دي.


انحنى سامي للأمام، صوته غاص في نغمة التحقيق الحذرة:

– احكي يا ليلى، كل حاجة بالتفصيل.



---


تراجعت ذاكرتها إلى تلك الليلة، إلى اللحظة التي انقلبت فيها حياتها رأسًا على عقب.

كانت في بيتها الصغير على أطراف القاهرة، المطر يتساقط، والريح تعوي كأنها نذير شؤم. كانت تقلب في أوراق قديمة وجدتْها في صندوق خشبي بين متعلقات أبيها — أوراق كتبت بخط يده، مليئة بمعادلات وأسماء لم تفهمها.

وبين الصفحات، وجدت صورة... تجمع أباها مع نادر، ومع شخصٍ ثالث لم تره من قبل، رجل بملامح جامدة، وعينين كأنهما مأخوذتان من ظلال الليل. على ظهر الصورة كانت كتابة صغيرة:


> “تجربة الظل الرابع – 2004”




قبل أن تستوعب الأمر، سمعت صوت ارتطام في الخارج. نهضت بخوفٍ، نظرت من الشباك، فرأت ظلًّا يمر بجوار سور البيت. فتحت الباب ببطء، كان الظلام كثيفًا، والهواء محمّل برائحة الأرض المبتلة.

ثم... رأت الخطوات على الأرض الموحلة. خطوات رجُل. نفس الحذاء الذي كانت تراه في كوابيسها القديمة.


صرخت، لكنها لم تسمع صوتها. شعرت بوخزٍ في عنقها، ثم كل شيء اختفى.



---


استيقظت في غرفةٍ بيضاء. كانت مربوطة على سريرٍ معدني، وأسلاك دقيقة تمتد من رأسها إلى أجهزة تومض بإشارات خضراء. حاولت الحركة، لكن القيود كانت محكمة.

سمعت صوتًا مألوفًا يأتي من خلف الزجاج. كان نادر.

– ليلى... أخيرًا رجعتي. كنت خايف إنك ما تصحيش.


صرخت فيه:

– إيه اللي بيحصل؟ سيبني أخرج من هنا!


– مفيش داعي للخوف. دي مجرد مرحلة صغيرة... لازم نعيد التجربة علشان نفهم الحقيقة.


– أي تجربة؟!


– مشروع الظل الرابع، يا ليلى. التجربة اللي بدأها والدك، واللي فشلت بسبب خوفه. بس إحنا نقدر نكمّلها... معاكِ.


كانت دموعها تتساقط بحرقة.

– إنت مجنون! أبي ما كانش عايز غير الخير للناس.

– الخير؟ هو اللي قتل نفسه علشان يمنع المعرفة؟!

– لا... إنت اللي قتلته!


تغير وجه نادر للحظة، ثم قال بصوتٍ بارد:

– أحيانًا الحقيقة بتحتاج تضحية... وهو اختار يكون التضحية.



---


تذكرت ليلى تلك اللحظة جيدًا. الضوء الأبيض، صوت الأجهزة، والرائحة المعدنية التي التصقت بأنفاسها.

قالت لسامي وهي ترتجف:

– بعدها فقدت الوعي... لما فُقت، كنت في بيتي، مش فاكرة حاجة. كان الصبح، وكل حاجة حواليا كانت متغيّرة. حسّيت إن في وقت ضاع مني.


– وده كان قبل الحادث؟

– بساعات قليلة.


سامي كتب الملاحظات بسرعة، وعيناه تتحركان بتوتر.

– يعني انتي بتقولي إنك اتخطفتي واتعملت عليك تجربة علمية... قبل ما نادر يموت؟


– أنا مش بقول... أنا متأكدة.


– طيب ليه ما قلتيش ده في التحقيق الأول؟

– لأن محدش كان هيصدقني. أنا نفسي كنت خايفة أصدق.


صمت سامي لحظة. كانت نبرتها صادقة لدرجة أربكته. نظر في عينيها، فلم يرِ جنونًا، بل خوفًا حقيقيًا.



---


رنّ الهاتف على مكتبه. رفع السماعة بسرعة. كان صوت النقيب عمر من قسم التحريات:

– باشا، جت لنا معلومة غريبة جدًا.

– قول بسرعة.

– الكاميرات اللي على طريق بيت ليلى يوم الحادث... رصدت عربية نادر وهي خارجة الساعة 11 بالليل، بس في عربية تانية تبعته... ولما وصل للمنطقة الصناعية، العربية اختفت.

– والعربية التانية كانت لمين؟

– على حسب اللوحة... باسم خالد فؤاد مراد.


أغلق سامي الهاتف ببطء، ونظر إلى ليلى.

– ليلى... إنتِ قلتي خالد كان في البيت؟

– أيوه.

– بس الكاميرات بتقول العكس. عربيتُه كانت في طريق نادر.


شهقت ليلى، وصوتها انكسر:

– مستحيل... ابني ما يعرفش نادر حتى!


– يبدو إنهم كانوا يعرفوا بعض أكتر مما كنتِ تتخيلي.



---


في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة ودخل أحد الضباط يحمل مظروفًا جديدًا.

– التقرير الجيني التكميلي يا فندم.


فتح سامي المظروف بسرعة، قرأ السطور الأولى، ثم تجمّد مكانه.

ليلى كانت تراقبه بعينين قلقتين.

– في إيه؟ قولّي يا سامي...


رفع رأسه ببطء، وصوته خرج خافتًا كأن الكلام يهرب منه:

– التحليل الجديد بيأكد إن الحمض النووي اللي على أداة الجريمة... بيتطابق معك فعلاً بنسبة 99%، لكن مش لوحدك.

– يعني إيه؟

– يعني في بصمة تانية متطابقة جزئيًا... تخص خالد.


تراجعت ليلى إلى الوراء، جسدها كله يرتجف:

– ابني...! لا، لا يمكن!

– التحليل ما بيكدبش، يا ليلى. بس فيه حاجة غريبة جدًا.

– إيه؟

– بصمة خالد ليها نمط جيني مطابق جزئياً مع نادر.


– نادر؟!

– أيوه... يعني فيه احتمال كبير إن خالد مش بس ابنك. ممكن يكون جزء من التجربة.



---


الوقت تجمّد في الغرفة. الكلمات سقطت كالصواعق على رأسها. عيناها اتسعتا حتى بدا وكأنها ترى العالم لأول مرة.

– مش ممكن... ده معناه إنهم استخدموا ابني!

– أو خلقوه، ليكون امتداد للتجربة.


غطّت وجهها بيديها، وبكت بصمتٍ موجع.

سامي اقترب منها بهدوء، وضع أمامها منديلاً.

– لازم نعرف الحقيقة قبل أي حد تاني.


رفعت رأسها نحوه، والدموع تلمع تحت ضوء المصباح:

– أنا هعرفها يا سامي، حتى لو كانت آخر حاجة أعملها في حياتي.


– بس هتعملي كده إزاي؟

– هرجع المكان اللي بدأ منه كل شيء... المعمل القديم.


– المعمل اتحرق من سنين.

– لأ... في معمل تاني. أنا شُفته بعيني في الحلم اللي كنت فاكره كابوس. في منطقة اسمها "وادي النحاس".


سامي نظر إليها بدهشة. الاسم لم يكن غريبًا عليه.

– وادي النحاس؟ ده المكان اللي اختفى فيه ملف الظل الرابع أول مرة.


ابتسمت ليلى بمرارة:

– أهو ده اللي كنت عايز أقوله من الأول... كل الطرق بتودي لنفس الجحيم.



---


مع غروب الشمس، خرجت من قسم الشرطة تحت المراقبة، وجهها شاحب لكن عينيها تشعان بإصرارٍ لم يعرفه من قبل أحد. كانت تعرف أن الرحلة إلى "وادي النحاس" لن تكون سهلة، لكنها لم تعد تخاف.

وربما، في مكانٍ ما بين الجبال والظلال، كانت الإجابات تنتظرها... ومعها النهاية التي لا عودة بعدها.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-