تركيا .. الإرث العثماني
جاني أم مجني عليه؟
........
بقلم / فتحى عبدالحميد
.........................
المقال الثالث من / سلسلة التاريخ كما يجب أن يكون
........................
التاريخ إذا ما أعيدت كتابته بصدق لا يبقى مجرد حكاية تروى بل يصبح مرآة كاشفة وجرسا يوقظ الغافل وحكمة تحمي الأمم من أن تتكرر فيها المآسي نفسها.
ولعل من أكثر المواضيع التي الصق بها ظلم متعمد وتزييف مدروس وإسقاطات أيديولوجية متشابكة موضوع الدولة العثمانية وإرثها الممتد الى تركيا الحديثة.
فبين من يصور آل عثمان ملائكة لا يخطئون ومن يصورهم شياطين خرجوا على الإنسانية ضاعت الحقيقة وضاع معها ادراك جوهر التحول الذي قاد ذلك الكيان الإمبراطوري المترامي الأطراف إلى دولة اسمها تركيا.
ولان هذا المقال جزء من مشروع التاريخ كما يجب أن يكون الذي عقدنا العزم على تنفيذه .
فان غايتنا ليست التمجيد ولا التحامل بل إعادة ميزان العقل إلى نصابه وإظهار الصورة كما هي بلا رتوش تلميع ولا سكاكين تشويه. ولم تكن الدولة العثمانية عند نشأتها اكثر من إمارة حدودية صغيرة ضمن أطراف العالم الاسلامي المتداعي بعد سقوط الخلافة العباسية وتهالك ما تبقى من دول المشرق.
ظهر عثمان بن ارطغرل في تلك البقعة الأناضولية المضطربة لا ليؤسس إمبراطورية من أول يوم بل ليجمع الناس حول عدل وقوة ومنهج جهادي يحمل راية الإسلام في وجه التتار والصليبيين على السواء.
ولكن إرادة الله ثم إرادة الرجال صنعت ما هو أكبر.
كبرت الإمارة واتسعت رقعتها وتتابع سلاطينها حتى اصبحت الخلافة العثمانية آخر مظلة جامعة للمسلمين بعد ان تفككت الممالك الاسلامية شرقاً وغرباً.
وحين نصل الى القرن التاسع عشر لم يكن العالم كما كان. كانت اوروبا الصناعية المتقدمة تتحرك بثورة العلم والتقنية وكانت الدولة العثمانية مثل غيرها من الدول القديمة تترنح بين محاولات الإصلاح وضغوط الإنهيار.
ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتضع اخر الأختام على سقوط الإمبراطورية وتقاد الى ظهور دولة جديدة باسم تركيا تتبنى العلمانية وتقطع صلتها من حيث الشكل السياسي مع الخلافة لكن تاريخ آل عثمان ظل مطبوعا على هوية تلك الدولة رغم كل محاولات محوه. والحقيقة ان تركيا ليست استمرارا مباشرا للخلافة لكنها ليست قطيعة كاملة ايضا.
هي دولة نشأت فوق تراب العثمانيين وتحمل في جدرانها ومعمارها ومدنها ولغتها وشخصيتها القومية كل ما تركه آل عثمان من ميراث ضخم.
فعندما تم الغاء الخلافة سنة 1924 لم تقم تركيا من فراغ بل قامت على بقايا دولة عمرها اكثر من ستة قرون. ولذلك بقيت تركيا حتى وهي جمهورية حديثة تتعامل مع العالم باعتبارها وريثة ذلك الإرث سواء أرادت أم لم ترد.
ولان التاريخ ليس ورقة تطوى فقد بقيت القوى الدولية القديمة تنظر الى تركيا باعتبارها الجسد الباقي من الإمبراطورية التي أرهقت اوروبا ودخلت في صراع معها قرونا طويلة.
ولذلك لم يكن غريبا أن تعامل تركيا وما تزال كخصم إستراتيجي في عقل الأوروبيين لا لشيء الا لانها تحمل ذاكرة إمبراطورية لم يمت شبحها بعد.
ومن يقرأ تاريخ العثمانيين يعلم انهم مثل كل دولة بشرية مروا بفترات إزدهار وقوة وعدل وفترات ضعف وفساد كما تمر كل الامم.
لكن الغريب أن التركيز على الجوانب السلبية أصبح في العصر الحديث اشبه بحملة منهجية.
وهناك جهات لعبت الدور الأكبر في شيطنة الدولة العثمانية أولها الاستعمار الاوروبي الذي أراد ان يمحو صورة الخلافة من عقول المسلمين وان يشوه من كانوا يمثلون مظلة سياسية عالمية للمسلمين.
وثانيها القوميات العربية الحديثة التي تصادمت في بداياتها مع المركز العثماني فاسقطت غضبها على التاريخ كله.
وثالثها التيارات الأيديولوجية التي أرادت فصل الدين عن الدولة فكان تشويه الخلافة وسيلة لقطع أي حنين شعبي لعودة نموذج إسلامي جامع.
لكن المشكلة ليست في هؤلاء فقط بل في من انساق من أبناء الامة خلف هذا التشويه دون فهم ولا علم ولا قراءة. فصاروا يتحدثون عن جرائم الخلافة كما لو كانت سلسلة من الشرور المحضة وينسون أن أي دولة بشرية لها حسنات وسيئات وأن الله قال ولا تزر وازرة وزر اخرى. وان الرسول صلى الله عليه وسلم قد بشر بفتح القسطنطينية وقال. لنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش.
وقد تحقق هذا الوعد في آل عثمان وحدهم فلماذا نلغي ما اثبته الوحي لنستبدله باحكام انفعالية وتعصب اعمى.
واذا أردنا فهم سبب العداء التاريخي لتركيا فعلينا العودة الى المدينة التي شكلت مفصلا عالميا .. أنها القسطنطينية.
فمنذ ان فتح المسلمون الشام ومصر صار الطريق الى القسطنطينية حلما عسكريا وسياسيا. حاول بنو أمية فتحها ثم حاول العباسيون وتتابع عشرات القادة والجيوش دون ان يستطيعوا اقتلاع ذلك الحصن الروماني المنيع.
كانت المدينة توصف بانها باب اوروبا المغلق في وجه المسلمين وكانت كنيسة آيا صوفيا رمزا للمسيحية الشرقية وقلب الامبراطورية البيزنطية.
وعندما وصل محمد الفاتح عام 1453 لم يكن مجرد سلطان شاب بل كان تجسيدا لنبؤة نبوية انتظرها المسلمون قرونا. وبعد حصار عبقري وتكتيكات عسكرية غير مسبوقة نجحت الدولة العثمانية في فتح المدينة التي استعصت على الجميع وتغير وجه العالم.
لم تعد القسطنطينية بيزنطية بل اصبحت اسطنبول عاصمة الخلافة الاسلامية لخمسة قرون. وتحولت آيا صوفيا من كاتدرائية مركزية الى جامع كما تحولت العديد من الكنائس قديما في تاريخ الفتوحات. والأهم من ذلك ان المدينة انتقلت من عصر الجمود الى عصر العمران ومن القلاقل الى الإستقرار ومن الدولة المنهارة الى المدينة العالمية.
ولم يغفر الغرب هذا الفتح لان القسطنطينية كانت قلب العالم المسيحي الشرقي وكان سقوطها في يد آل عثمان ضربة موجعة وحاسمة. ولم تنس هذه الضربة عبر القرون وما تزال بعض النزعات السياسية والثقافية الاوروبية تقرأ تركيا عبر عدسة ذلك السقوط القديم. ولذلك عندما أعادت تركيا افتتاح آيا صوفيا كمسجد من جديد رأت اوروبا في ذلك استفزازا تاريخيا بينما رآه المسلمون تصحيحا لمسار التاريخ.
وتكاد آيا صوفيا تكون رمزا مصغرا للصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب. وليس سرا ان تحويلها الى جامع بعد الفتح كان امرا طبيعيا في عرف ذلك الزمن كما كانت الكنائس تحول او تبقى حسب الظروف. وعندما قام النظام الجمهوري بتحويلها الى متحف لم يكن ذلك حماية للتراث بقدر ما كان محاولة لقطع الصلة مع الماضي العثماني. لكن عودتها مسجدا في العصر الحديث اعادت النقاش من جديد. فهل تركيا تتبنى ارثها العثماني وهل هي امتداد للخلافة وهل هي عدو حضاري قديم في نظر بعض القوى. وكل هذه الأسئلة تظهر أن الإرث العثماني ما يزال فاعلا ومؤثرا رغم مرور قرن على سقوطه.
وتركيا تظل في نظر الاعادي القدامى العدو التاريخي لانها اخر من حمل راية الخلافة وأخر من فتح القسطنطينية وأخر دولة وصفت بانها امبراطورية إسلامية عالمية.
وكل ذلك جعلها هدفا دائما للتيارات القومية المتعصبة وللايديولوجيات المتطرفة وللمشاريع السياسية الغربية وللجهات التي تخشى يقظة الهوية الاسلامية.
والجديد ليس في موقف الأعداء القدامى بل في أن بعض أبناء الأمة صاروا يرددون ما يراد لهم ان يقولوه دون وعي ولا إدراك للفروق بين التاريخ والواقع وبين آل عثمان وتركيا الحديثة.
ويغيب عن كثيرين الدور العظيم الذي لعبته الخلافة العثمانية في حماية المسلمين.
ولعل من أدوارها التى لن تنسى انقاذ مسلمي الاندلس عندما سقطت غرناطة إذ أرسلت السفن لاجلائهم ونقلهم لشمال افريقيا وقد اعترف المؤرخون الاوروبيون قبل المسلمين بذلك. كما كانت الخلافة العثمانية مظلة جامعة حفظت الدعوة الاسلامية في أزمنة الاضمحلال السياسي وكانت حامية الحرمين ومسارات الحج ومطورة للمدينتين المقدستين. ومن دون وجودها لكان العالم الإسلامي منذ القرن السادس عشر لقمة سهلة للإستعمار الأوروبي.
لكن هذا لا يعني أن آل عثمان بلا اخطاء فذلك غير منطقي. فمنهم الصالح ومنهم القوي ومنهم الضعيف ومنهم الفاسد مثل كل أسرة حكمت ومثل كل دولة عرفها التاريخ.
لكن الخلط بين التاريخ السياسي وأحكام الدين وبين نقد الأفراد وشيطنة الاسرة وبين الوقائع الفردية ومصادرة ستة قرون كاملة هو الخلل الذي يجب إصلاحه. فالله يقول كل نفس بما كسبت رهينة ولم يقل كل اسرة أو كل جماعة بما كسب فرد منها.
إذن فإن أصل الخلاف هو ذلك الموروث الابدى
ولماذا يتكرر الجدل حول تركيا . فلانها إمتداد جغرافي لآل عثمان ووريثة إرث سياسي وديني ضخم ودولة ذات تأثير إقليمي واسع ورمز لآخر خلافة إسلامية.
وهذه العوامل تجعلها هدفا دائما لخصوم الأمس واليوم وتجعل البعض يرى فيها أملا والبعض الآخر يرى فيها تهديدا. وبين هذا وذاك يسقط المغيبون من أبناء الأمة ضحية الدعاية المعادية دون أن يدركوا حقيقة الخلاف أو جذور الصراع.
وختاما فان المطلوب ليس تقديس الدولة العثمانية ولا تبجيل تركيا الحديثة ولا تجاهل أخطاء الماضي بل المطلوب أن ننظر بعين الإنصاف. فنذكر خير الجند وخير الأمير الذين بشر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وننسب السيئات الى أصحابها لا الى أمة كاملة ولا نسمح للإعلام أن يسرق منا ذاكرتنا.
فتركيا اليوم ليست الخلافة لكنها تحمل في جيناتها التاريخية بصمة آل عثمان وتحتفظ من إرثهم بما يجعل البعض يعتبرها العدو الذي عاد ويجعل البعض الآخر يراها أملا لتوازن القوى. ومهما تغيرت السياسة تبقى الحقيقة أن تاريخ آل عثمان جزء لا ينفصل عن تاريخ المسلمين وأن الإنصاف يقتضي ان نفهم لا ان نكره وان نقرأ لا أن نقلد وأن نرجع كل فعل إلى فاعله لا أن نعمم ولا أن نشيطن ولا أن ننسى نبؤة رسول الله التي لم تتحقق إلا فيهم .
كتب / فتحى عبدالحميد
للتواصل المباشر مع الكاتب:
البريد الإلكتروني:
fathyelkady85@gmail.com
فيسبوك:
https://www.facebook.com/share/1Empc65w3Z/
© جميع الحقوق محفوظة - أسماء ندا

