الكوبرا
رواية الكوبرا بقلم لبنى دراز
الفصل الثالث
#البارت_الثالث
#الكوبرا
🌾❤🌾❤🌾
لا أحد يسمع أنين القلب، ولا يرى النزيف حين يكون في الروح.
في عالمٍ لا يعترف بالرمادي، وُلدت هي كلعنةٍ بلا ملامح، تسير بين النور والظلمة ككائنٍ منسيٍّ من كتب الخلق، لا هي من الأحياء فتُحتضن، ولا من الأموات فتُنسى، ليست ضحيةً تُبكيها المآسي، ولا قاتلةً تُسكرها الدماء، بل هي الهاوية تمشي على قدمين، جُبلت من طين الوحدة، لا لتُعانق، بل لتُتْرَك ونُفخت فيها روح لا تطفو بل تغرق في جسدٍ ضاق بها حتى اختنقت. كلما مشت، نزفت الصمت، وكلما تنفّست، نزفها الماضي.
إنها الحقيقة التي خجل منها الواقع، والخطيئة التي تبرّأ منها الزمن.
الكوبرا بقلمي✍️_______لبنى دراز
في فيلا رمزي الوزّان
بعد مرور يومين، اجتمع رمزي مع زوجته ناريمان وولديه جواد ونزار، حول مائدة الغداء التي تحولت سريعًا إلى طاولة نقاش سياسي، كانوا يتباحثون في خطط الحملات الانتخابية، يناقشون التفاصيل الدقيقة والتوقيتات المناسبة، بينما رمزي يدون بعض الملاحظات في مفكرته الصغيرة وفي خضم الحديث، قطع رنين الهاتف أجواء التخطيط، ألقى رمزي نظرة على الشاشة، فتغيرت ملامحه للحظة لكنه أخفاها سريعًا، كان المتصل سليمان النوري، ضغط على زر الإجابة، وقال بنبرة ثابتة:
"أهلاً سليمان، خير؟!"
جاء صوت سليمان عبر الهاتف هادئًا، رصينًا أكثر من اللازم، كمن يختار كلماته بعناية فائقة:
"خير يا رمزي، حبيت أكلمك بنفسي عشان ابلغك أني قررت أنسحب من الانتخابات وأسيبلك الساحة، مافيش داعي نعادي بعض أكتر من كدا، كفاية اللي فات."
صمت رمزي لحظة قبل ان يرد، إذ تسللت رعشة خفيفة إلى صدره، فصوت سليمان، على هدوئه بدا وكأنه يخبئ شيئًا في طياته، كمن يبتسم وهو يخفي سكينًا خلف ظهره، فرد بثبات رغم استغرابه وقلقه الخفيّ:
" مش غريبة دي يا سليمان؟! فجأة كدا عايز تنسحب؟!."
أطلق سليمان ضحكة خفيفة باردة:
"لا، ولا غريبة ولا حاجة، زى ما قولتلك عايز انهي الخلافات اللي بيني وبينك، خلينا نقفل الصفحة دي وكفاية عداوة لحد كدا، إيه رأيك؟!
ارتسمت على وجه رمزي ابتسامة لا تخلو من الحذر، بينما قلبه يستشعر توترًا غامضًا لم يعرف له سببًا محددًا، لكن الكلمات التي خرجت منه جاءت محسوبة:
"وماله، زى ما تحب"
ابتسم سليمان ابتسامة خفيفة تخفي وراءها نوايا لا تُقرأ بسهولة، ثم قال بنبرة يغلفها لطف مصطنع:
" خلاص إيه رأيك نتعشّى سوا آخر الأسبوع؟ نفتح صفحة جديدة ونرمي اللي فات ورا ضهرنا؟"
تسلّل التوتر إلى قلب رمزي كخيطٍ بارد يتلوى داخله، لكنّه أخفى ارتباكه خلف نبرة هادئة مُتقنة، وردّ دون تردد:
"ماشي يا سليمان، موافق."
ورغم هدوئه الظاهري، ظلّ صدى الدعوة يتردّد في ذهنه، يوقظ أسئلة لا إجابات لها، فأغلق الهاتف ببطء ثم نظر إلى أفراد عائلته الذين تابعوا ملامحه بصمت.
سأله جواد وهو يحدّق في وجهه بتمعّن:
"سليمان النوري؟"
أومأ رمزي برأسه، وعيناه لا تزالان شاردتين نحو الفراغ:
"أيوه هو، بس صوته المرة دي فيه حاجة مش مفهومة."
اقترب نزار بخطوة الي والده وظهر التوتر في نبرة صوته رغم محاولته التماسك:
"كان عايز ايه يا بابا؟"
رفع رمزي عينيه نحو ولديه، وقد لمح في ملامحهما ارتباكًا صامتًا وقلقًا خفيًا يتسلل إلى أعينهما، حاول أن يتماسك، أن يطغى صوته الثابت على ما يشعر به من توتر ينهش أعماقه، فقال بنبرة هادئة ظاهرها الثقة، وباطنها اضطراب يعصف به:
"بيقول انه انسحب من الانتخابات وعايز نتعشى سوا أخر الاسبوع ونفتح صفحة جديدة مع بعض"
لم يقتنع جواد ونزار بحديث والدهم، فهما يعرفانه جيدًا، ويدركان أن نبرته الهادئة ليست سوى قناع يخفي خلفه عاصفة من القلق والشك، لكن رغم ذلك لم يجادلاه، وفضّلا أن يمنحاه المساحة التي يحتاجها، فهما على يقين بأنه لا يتصرف عبثًا، وأنه يعرف تمامًا ما يفعل.
ومع هذا، لم يقفا مكتوفي الأيدي؛ بل قرّرا أن يتحركا في صمت، يراقبا تحركات سليمان عن كثب، ويتتبعاه دون أن يشعر، يبحثان في ظله عن أي دليل يكشف نواياه الحقيقية. وفي الوقت نفسه، اتفقا على تشديد الحراسة حول رمزي دون علمه، خشية أن يصيبه أذى من ذلك الرجل الذي لم تطمئن له قلوبهم منذ اللحظة الأولى، كانت خطواتهما حذرة، مدروسة، هدفها حماية من يحبون، دون أن يتسببوا له في مزيد من القلق.
__________________
في فيلا سليمان النوري
بعد أن أنهى سليمان المكالمة مع رمزي الوزّان، ظل يحدّق في شاشة الهاتف لثوانٍ، كأنما يستحضر شيئًا ما من الماضي، ثم تنفس ببطء وابتسامة باهتة ترتسم على شفتيه، لكنها لم تصل إلى عينيه، مدّ يده بهدوء نحو هاتفه مجددًا، وضغط على اسم محفوظ في ذاكرته وهو صائد الثعابين، رن الهاتف مرة، مرتين ثم أُجيب، قال سليمان بصوت منخفض ولكنه حاد:
"تعالى فورًا، عندنا سفرية جديدة"
سكت لحظة كأنه ينتظر سؤالًا أو ترددًا، لكن الطرف الآخر اكتفى بكلمة واحدة:
"تمام."
أغلق سليمان الهاتف ببطء، كمن يطوي صفحة ظاهرها سلام وباطنها نية مبيتة، ثم نهض من على كرسيه كمن يخرج من تحت أنقاض صبره، خطواته بطيئة لكن ثقيلة، تشبه وقع المطرقة على قلبه، اتجه نحو النافذة الواسعة ووقف خلف الزجاج كصائدٍ يراقب فريسته قبل الانقضاض، عينيه مسمرتان في الحديقة، تائهتان في ضوء خافت لا يراه سواه، كأنما ينتظر شبحًا يظهر أو يسقط، الجو كان ساكنًا، لكن التوتر يتسرّب من جدران الفيلا كما يتسرّب السم من بين أسنان الأفاعي.
وبعد وقتٍ بدا وكأنه دهر، دوّى صوت محرك سيارة يقف عند البوابة، تبعه طرقٌ سريع على الباب، ثم دخل الرفاعي، بخطوات حادة ونظرة مشتعلة، كمن استُدعي ليشهد مشهد ذبح طال انتظاره، عينيه راحتا تجوسان المكان بجنونٍ ناعم، وكأنّه يبحث عن أثرٍ للنية الحقيقية خلف هذا اللقاء، ثم قال وهو يقف أمام سليمان، بنبرة متوترة محشوّة بالترقّب:
"خير يا باشا؟"
جلس سليمان ببطء على كرسيه خلف المكتب، كمن يتهيأ لتوقيع حكم إعدام، أشعل سيجارًا فاخرًا وأمسكه بين أنامله بثباتٍ لا يشبه ما بداخله، نفث الدخان في وجه الرفاعي، ليس عبثًا، بل كمن يرسم له حدود الطاعة، ثم قال بصوت ناعمٍ لكنه مشبع ببرودة لا تليق إلا بالقاتلين:
"جهّز نفسك، هنسافر بكرة ع أول طيارة"
انعقد حاجبا الرفاعي، وتقدم خطوة بطيئة نحو المكتب، عيناه تتابعان خيوط الدخان المتراقصة وكأنها تقوده إلى لغزٍ لم يُكشف بعد، ثم تمتم بدهشة خافتة:
"فجأة كدا؟! ده الصيد الجديد شكله غالي عليك أوي يا باشا!"
رفع سليمان عينيه ببطء، نظر إليه كمن يحدّق في حفرة مظلمة قد حفرها بيديه، ثم مال بجذعه للأمام، وهمس بنبرة مليئة بالخبث والغلّ:
"جدًا، أصلك ما تعرفش غلاوته وصلة لحد فين."
ردّ الرفاعي بنبرة حذرة، وقد بدأ الحماس يخفت ليحلّ مكانه الحذر:
"والمطلوب؟"
"اعتدل سليمان في جلسته كمن يستعد لعقد صفقة مع الشيطان، وأسند مرفقيه على سطح المكتب، دق بأصابعه ببطء، وحدّق في عيني الرجل أمامه، ثم قال بنبرة هادئة تُخفي عاصفة:
"عايز جرعة سم قوية تجيب من الأخر."
أومأ الرفاعي برأسه في صمت، كأن الكلمات أصبحت عبئًا لا ضرورة له، ثم غادر الفيلا بخطوات ثابتة، يجر خلفه وعودًا مميتة.
أما سليمان، فنهض ببطء من خلف مكتبه، كمن أفرغ ما في جوفه من شر وراح يستعد للتلذذ بالحصاد، توجه نحو غرفته بخطوات متأنية كأن كل خطوة تُمهِّد لليلة انتصار شيطانية، فجلس على حافة السرير واستند بظهره إلى المسند الخشب المحفور، ثم أرخى رأسه للخلف وأغمض عينيه، ابتسم ابتسامة خبيثة تشبه شقوقًا في جدار الروح، لا تعرف إن كانت فيها شماتة أم نشوة، راح ذهنه يطوف في الغد، يتخيله كوليمة فاخرة تُقدَّم خصيصًا له، كل شيء بدا كما خطط له، والموت كما أراده، سيكون أنيقًا، سريعًا، وهادئًا.
همس لنفسه:
"أخيرا هخلص منك يا رمزي ويبقى ما فيش غيري فـ السوق والمجلس."
ظلَّ جالسًا على حافة السرير، يحدق في الفراغ بعينين تلتمعان بنشوة الانتصار، حتى غلبه النعاس وأُسدلت أجفانه في هدوء غريب، وفي صباح اليوم التالي، نهض من فراشه بنشاط غير معتاد، وكأن اليوم يحمل له مفتاح المجد، دخل حمامه وهو يدندن لحناً خافتًا لا يسمعه سواه، ثم وقف تحت الماء الدافئ يستشعر كل قطرة تسري على جسده وكأنها تغسل عنه ما تبقى من صبر وانتظار،
بعد استحمامه ارتدى ملابسه بعناية مفرطة، ثم وقف أمام المرآة يصفف شعره بدقة، يراقب ملامح وجهه التي بدت أكثر إشراقًا من أي وقتٍ مضى، وابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه، تفضح ما يخفيه قلبه من نوايا، فتح خزانة ملابسه وأخذ يختار بعناية ما يكفيه لثلاثة أيام، يطوي القطع واحدة تلو الأخرى ويضعها في حقيبته الجلدية اللامعة، ثم أغلقها وأحكم إغلاقها كما يحكم خطته الشريرة، خرج من غرفته بخطوات ثابتة نحو غرفة ابنته، طرق الباب برفق ثم فتحه، وأخبرها بسفره القصير، ناصحًا إياها بعدم الخروج من المنزل حتى يعود، لم تَخلُ كلماته من نبرةٍ آمرة، لكن وجهه كان يحمل قناع الأب المهتم، بينما داخله كان مشغولاً فقط بخططه،
غادر البيت متوجهًا إلى المطار حيث كان صائد الثعابين في انتظاره، وعند لقائهما، بدأت مغامرتهما بين الهند وأستراليا لجمع سمٍّ نادر من أخطر أنواع الأفاعي، وكل خطوة يخطوها هناك، كانت تقربه أكثر من تحقيق حلمه المسموم، عاد بعد انقضاء الأيام الثلاث وفي جعبته السم، وفي قلبه يقين أن خطته ستُنفذ كما رسم، دون أن يُعكر صفوها أحد.
____________________
في فيلا سليمان النوري
غرفة بسيل
بعد سفر سليمان، خيّم الصمت على أرجاء الفيلا الواسعة، صمتٌ ثقيل لا يشبه الفراغ المعتاد، بل كأن الغياب نفسه تحوّل إلى كائنٍ زاحف، يلتفّ حول الأعمدة، ويتدلّى من السقف، ويتمدد في الزوايا حتى الهواء صار يتنفس معها ببطء، وكأنه يختنق بصمتها، أو يواسيها بلا جدوى.
صعدت بسيل إلى غرفتها بخطى مثقلة، وكأنها لا تصعد الدرج، بل تهبط إلى أعماقها. جلست على الأريكة تحدّق في اللاشيء، كل زاوية في الغرفة بدت وكأنها تهمس لها بما تخشاه "ستظلين دائمًا وحدكِ، ولن يراكِ أحد" لم يكن غياب أبيها هو ما يؤلمها فقط، بل ما يتركه الغياب خلفه من مرآة لحقيقتها أنها كائن معزول عن كل شيء، عن الناس، عن الدفء، عن الحب، أن في عروقها سمًّا لا يقتل فقط، بل يمنع عنها الحياة، كان سجنها يسري في دمها، لم تكن الغرفة زنزانتها الحقيقية، بل جسدها.
ذلك الجسد الذي خُلق ليكون قاتلًا رغمًا عنه، ذلك الجسد الذي منعه السم من أن يُحضن، يُحب، يُقبّل دون خوف، ليست وحيدة فقط بل منفية داخل حياة لم تخترها وكأنها خلل وُضع بين البشر عن طريق الخطأ، ثم نُسي عمدًا.
تمنّت لو أن أباها قاتل لأجلها، لأجلها هي فقط، لا لأجل طموحاته، تمنّت لو أن هناك من يدرك أن هذا الجسد القاتل، يحوي قلبًا صغيرًا هشًا، يصرخ كل ليلة من شدّة الوحدة.
لقد كانت الوحدة تنهشها من الداخل، كما يفعل السمّ في أجساد ضحاياها، فهي القاتلة الصامتة لكنها أيضًا الضحية الأكثر صمتًا، لم يكن أحد يجرؤ على لمسها، أو النظر في عينيها طويلًا، ففي تلك العينين سؤال يتيم يتردد بلا جواب:
"لماذا خُلقتُ هكذا؟ ولماذا يُكتب الموت على كل من يقترب مني؟"
عندما تنظر إلى نفسها في المرآة، لا ترى فتاة بل ظلًّا مشوهًا لإنسانة لم تعش يومًا واحدًا بشكل طبيعي، لا تُحتضن، لا تُحب، لا تُشارك أحدًا وجبة، ضحكة أو حتى نوبة بكاء، هي مزيجٌ من الحنين والخطر، من الطفولة التي لم تعشها والوحش الذي لم تختر أن تكونه، كل ما كانت تتمناه هو بسيط في ظاهره، مستحيل في واقعها، أن تُلمَس دون أن يُصاب أحد، أن تُحَب دون أن يُلعَن من يُحبها، أن تُصدّق بأنها إنسانة قبل أن تكون لعنة تمشي على قدمين، لكن الواقع كان أقسى من كل أمانيها.
تأملت السماء من شرفتها، تطارد بعينيها طائرًا صغيرًا يحلق في فضاء لا يعرف القيد، تمنت لو كان لها جناحان، لا لتطير بهما بل لتغادر ذاتها، فهي لا تنتمي إلى السماء العالية، ولا حتى إلى الأرض التي طالما لفظتها، بل لذاك الفراغ المعلق بينهما، حيث لا وطن للغريب، لا اسماء تُمنح ولا جذور تُغرس، لم تكن مجرد فتاة بدمٍ مسموم فحسب بل روحًا مشبعة بالوحدة، مشوّهة بالحذر، غارقة في صمتٍ لا يجرؤ أحد على كسره، تئن تحت عبء أسئلة لا يملك أحد جرأة الإجابة عنها كأن السم يسرى في عروقها منذ ولادتها، لا ليقتلها بل ليمنعها من الحياة.
أغمضت عينيها للحظات، فعادت بها الذاكرة شهورًا قليلة إلى الوراء، إلى اللحظة التي التقت فيها رحيل للمرة الأولى، الفتاة الوحيدة التي اخترقت صمتها، ونسجت لها خيطًا رقيقًا من الأمل وسط عتمتها.
رحيل لم تكن مجرد صديقة، بل أشبه بطوق نجاة قُذف لها في بحرٍ موحش، فتمسكت به دون أن تدرك إن كانت النجاة ممكنة حقًا أم لا، لكنها رغم كل ما منحته لها من دفء، لم تستطع أن تخبرها بالحقيقة، كيف لها أن تعترف بشيء لا تستطيع حتى أن تعترف به أمام مرآتها؟
كانت تخشى أن تخسرها، أن ترى الخوف في عينيها، أو أن تتحول ملامحها من القرب إلى النفور، فحقيقتها ليست شيئًا يُروى بل شيء يُدفن.
"فلاش باك"
في صباحٍ باردٍ من صباحات يناير، وقبل أيام قليلة من بدء امتحانات نصف العام، كانت بسيل تجلس في فناء المدرسة، في ركنٍ بعيد اعتادت أن تختبئ فيه عن صخب العالم، جلست وحيدة كما تفعل كل يوم، تلفّها طبقات من الصمت، ودفء زائف تمنحه قفازات يديها وكمامتها التي أخفت ملامحها المرتبكة، ومن خلف عينيها الغائمتين تابعت زميلاتها وهنّ يتبادلن الضحكات والكلمات العابرة، نظراتها كانت خافتة، مشبعة برجاء خفي ليتها تملك صديقة واحدة، تسند وحدتها، تنصت لهمومها، وتحتضن ألمًا لم تملك يومًا شجاعة البوح به.
لكنها كانت دومًا تضع حاجزًا بينها وبين الآخرين، حاجزًا من الخوف، ومن الحذر، حتى من الأمل نفسه، وفجأة، وسط هذا الركود، اقتربت منها فتاة ذات ملامح هادئة، وخطوات ناعمة، تحمل في نظرتها شيئًا مألوفًا يُشبهها.
ابتسمت رحيل ابتسامة خفيفة وهي تقترب:
"ينفع أقعد جمبك؟"
تفاجأت بسيل ونظرت لها بتوتر، ثم حركت رأسها بالإيجاب بخجل:
"آه طبعًا، اتفضلي."
وضعت رحيل حقيبتها المدرسية وجلست بهدوء:
"أنا اسمي رحيل، وأنتي؟"
توترت بسيل قليلًا ثم أجابت بصوت منخفض:
"بسيل."
رحيل بلطف:
"اسمك حلو، شبهك."
ابتسمت بسيل ابتسامة خفيفة، ثم نظرت بعيدًا:
"شكرًا"
بعد لحظة صمت لم تدوم طويلًا خرج صوت رحيل دافئ حنون:
"أنا بشوفك كل يوم قاعدة هنا لوحدك، انتي ما عندكيش اصحاب؟"
ترددت بسيل ثم ردت بنبرة متوترة:
" لأ ما عنديش."
ابتسمت رحيل بود:
"طب ايه رأيك نبقى أصدقاء؟"
نظرت لها بسيل، والقلق ينهش قلبها القابع بين أضلعها كوحشٍ خفيّ:
"بس أنا بخاف أقرب من الناس ووعدت بابا إني أفضل بعيدة عن أي حد."
اقتربت رحيل بخطوات هادئة، ومدّت كفها لتُمسك يد بسيل برفق من فوق القفاز، وابتسامة دافئة ترسم ملامحها:
"وتخافي ليه من الناس؟ ع فكرة إحنا بني آدمين والله، مش مصاصين دماء عشان تخافي مننا."
ضحكت بسيل بخفة، كأن الضحكة فُلتت من سجن قلبها لأول مرة، لكن شيئًا بداخلها ظل يتألم بصمت، فهي لا تخشى الناس، بل تخشى أن تؤذيهم كما أذَت أيتن من قبل:
"دي أول مرة حد يقولي كدا"
مدّت رحيل يدها إلى جيب معطفها، وأخرجت قطعة شوكولاتة صغيرة، ثم قدمتها إلى بسيل بلطف:
"بتحبي الشوكولاتة؟"
ترددت بسيل، خائفة من أن تمتد يدها لتأخذ ما لا ينبغي لها أن تأخذه، وردّت بصوت خافت يعلوه حزن دفين:
"بحبها جدًا، بس للأسف ماقدرش آخدها منك."
نظرت لها رحيل بدهشة، حاجباها ارتفعا باستغراب بريء:
"طب ليه؟ طالما بتحبيها؟"
لمعت الدموع في عيني بسيل، لكنها أسرعت بإخفاء حقيقتها خلف قناع هشّ من التبرير:
"أصل انا عندي مرض مناعي بيحرمني من حاجات كتير، عشان كده بتلاقيني ع طول لابسة كمامة وجوانتي عشان العدوى."
"عودة إلى الوقت الحالي"
استفاقت بسيل من دوّامة الذكرى كمن يُنتشل من غرقٍ هادئٍ وطويل، لتجد نفسها جالسة في نفس الزاوية، تحت نفس الضوء الخافت، وكأن شيئًا لم يتغيّر سوى اتساع الصمت من حولها، قطع رنين الهاتف هذا السكون الرتيب، رنينٌ بدا كأنه ينتمي لعالمٍ آخر لا علاقة له بما كانت تغرق فيه،
مدّت يدها إلى الهاتف ببطء، وعيناها لا تزالان عالقتين في هوامش الغياب، نظرت إلى الشاشة، اسم والدها يسطع عليها واضحًا، مألوفًا كضوء بعيد في ليلٍ طويل، ضغطت على زر الرد، وجاءها صوته الهادئ الدافئ، يخبرها بموعد عودته القريب بعد انتهاء مهمته.
أنهت المكالمة سريعًا وكأنها تخشى أن يسرق صوت الواقع بقية ما تبقى من أثر الذكرى وعادت تحدّق في الفراغ، بعينين مثقلتين بما لا يُقال ثم التفتت ببطء نحو زجاج النافذة، فرأت انعكاسها شاحبًا، متلبّدًا، لكن عينيها ظلّتا تحملان شيئًا لم يتغير، ذلك الحنين الصامت وذلك الأمان الذي منحته لها رحيل دون أن تطلبه.
مرّرت أناملها على الزجاج كما لو كانت تطارد طيفًا بعيدًا، ورسمت دائرة صغيرة بإصبعها فوق الضباب المتكاثف، دائرة بدت أشبه ببابٍ لا يُفتح.
"رحيل"
همست بالاسم كمن يُنادي الغائب بيقين الطفلة، كأنها للحظة ساذجة صدّقت أن صديقتها ستظهر من خلف الزجاج، كما اعتادت أن تفعل كلما احتاجتها لكن الزجاج ظل زجاجًا، والانعكاس ظل انعكاسًا، لا أحد يأتي بهذه السهولة، ولا أحد يستطيع أن يصل حقًا إلى ما خلف الجدران التي بنتها حولها، ابتلعت غصّتها بمرارة، ثم أخذت نفسًا عميقًا محاولةً إعادة ترتيب شتاتها وإقناع نفسها أن كل شيء بخير، أن كل ما حدث لم يكن سوى ذكرى لطيفة مرّت بها وغادرت، دون أن تترك أثرًا، لكن الحقيقة لم تكن كذلك، الحقيقة أن رحيل أصبحت الشيء الوحيد الذي تخشى أن تفقده، والأشد وجعًا أنها تعلم أن هذه الصداقة مهددة، لأن صدقها قد يُفزع من تحب، فكيف تخبر من أحبّتها أنها ليست كما تبدو؟
أن في عروقها خطرًا، وفي قلبها خوفًا من أن تخسر أكثر؟
كيف تقول لرحيل إنها أعز من تملك، ولكن لا تقتربي أكثر؟
مرّ الوقت سريعًا وكأن الساعات طوت نفسها لتُفسح له الطريق. عاد سليمان من رحلته اللعينة، ورائحة المؤامرة لا تزال عالقة بثيابه، تنبض في أنفاسه وعلى وجهه ابتسامة باردة تُخفي نوايا أكثر ظلمة من ليلٍ بلا قمر، وفي طريق عودته من المطار إلى فيلته، أدار محادثة هاتفية مع رمزي الوزّان، نبرته كانت هادئة أكثر من اللازم، أكد عليه موعد العشاء ومكانه، بنفس النبرة الواثقة التي يخفي خلفها نصلًا مسمومًا، فهذا العشاء بالنسبة لسليمان لم يكن مجرد لقاء عابر بل كان العشاء الأخير، اللقمة التي ستُسقط آخر من تبقى واقفًا في طريقه،
والخطوة الأخيرة نحو العرش الذي لطالما حلم بالجلوس عليه.
فبعده لن يكون هناك منافس، سيمحو كل الوجوه القديمة ويصنع عهده بنفسه، فلم يكن يرى أمامه سوى مشهد النهاية وهو منفردًا بالقوة، متوجًا على قمة عالمٍ صنعه بالدهاء لا بالشرف، اتسعت ابتسامته وعيناه لمعتا بشررٍ لا يخطئه من يعرفه، سليمان كان عائدًا، لا كرجلٍ من رحلة، بل كوحشٍ عاد ليأكل ما تبقى من فرائسه، وصل إلى منزله أخيرًا، وقد عزم على إنهاء كل شيء تلك الليلة. لم يكن في داخله سوى ذلك السكون المخيف الذي يسبق العاصفة، أخبر بسيل بما ينتوي فعله برمزي الوزّان، ثم فتح زجاجة صغيرة محكمة الإغلاق، استخرج منها جرعة مركزة من السم المستخلص من أفعى الكوبرا، ثم حقنها بهدوء في الوريد بجرعة مضاعفة، ثم دسّ لها أخرى في كأس العصير الذي أحبّت مذاقه دومًا، حتى يتضاعف التأثير، وينتشر السم في جسد الضحية كضوء خافت يبتلع الروح دون أثر.
____________________
في فيلا رمزي الوزّان
شعر رمزي بشيءٍ ثقيل يزحف في صدره عقب إنهاء المكالمة مع سليمان، فلم تكن مجرد كلمات قيلت بل نبرة خافتة تُخفي تحتها نصلًا باردًا لا يُرى. انقبض قلبه كما لو أن حدسًا قديمًا استيقظ بداخله، شيء ما في نبرة سليمان كان أشبه بجرس إنذار لا يتوقف، أدار وجهه نحو ولديه وعيناه تسبحان في قلقٍ دفين، كأنه يرى سحابة سوداء تزحف على الأفق، ثم قال بصوتٍ خافتٍ متردد:
"في حاجة غلط، سليمان صوته ما كانش طبيعي."
نظر إليه نزار بقلقٍ متصاعد، وحاجباه معقودان:
"مالك يا بابا؟ قلقان من ايه؟"
اقترب رمزي منه بخطوة مترددة، كأن الأرض تُثقل قدميه وزفر أنفاسًا بطيئة:
"قلبي مقبوض مش عارف ليه، عندي إحساس إن سليمان بيدبّر حاجة، بس إيه هي، مش قادر اعرف"
جواد كان ساكنًا طوال الوقت، لكنه نهض فجأة وعيناه تشتعلان بالقلق:
"يعني إيه؟ تقصد إنه ناويلك على شر؟"
رد رمزي وهو يهز رأسه بحذر: "مش عارف، بس طريقته في الكلام، نبرته، والإصرار على المعاد، مخليني حاسس إن وراه حاجة مش واضحة."
تدخلت ناريمان، وصوتها يعلو بخوفٍ صادق:
"طب ما تروحش يا رمزي، واعتذر بأي حجة."
هز رمزي رأسه بتصميم، وصوته خافت لكن حاسم:
"ما ينفعش يا ناريمان، لو اعتذرت دلوقتي، هيعتبره ضعف أو هروب، لازم أروح وأفهم هو ناوي ع إيه."
اقترب نزار بخطوتين سريعتين، نظراته مضطربة وصوته متوتر:
"بس يا بابا طالما انت شاكك فيه بالشكل ده؟! ليه تخاطر وتروح تقابله؟"
لمس رمزي في عيون زوجته وأبنائه قلقًا خافتًا يتسلل خلف الابتسامات، ورغم اضطرابه الداخلي، حاول أن يزرع فيهم بعض الطمأنينة ولو بكلمة تُخفي ارتجافة قلبه وبنبرة هادئة:
"ما تقلقوش، أكيد هاخد احتياطاتي، ومش هروح اقابله لوحدي، هيكون معايا الحرس عشان لو فكر يغدر، يسبقوه ويبقى كتب نهايته بإيده"
اقتربت ناريمان منه بخطى مترددة، وملامح وجهها تنطق بكل ما لم تستطع قوله، وضعت يدها على صدره، وعيناها تلمعان بالدموع فجأة، صوتها خرج هامسًا مخنوقًا بالخوف:
"بلاش تروح يا رمزي أرجوك، قلبي مش مطمن"
ابتسم لها برفق، ثم مال عليها وقبّل جبينها بحنان كأنه يطبع قبلة الوداع، وهمس بكلماته الأخيرة بصوت هادئ لكنه غريب في عمقه:
"ما تخافيش يا حبيبتي، عمر الشقي بقي، وبعدين يعني الموضوع كله ساعة زمن وهتلاقيني عندك."
ابتعد عنها قليلًا، ثم استدار وصعد الدرج بخطوات ثقيلة، كأن قدميه تعرفان المصير قبل أن يقرّره قلبه، اختفى رمزي خلف جدار الطابق العلوي، وترك خلفه صمتًا يُشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، ذلك النوع من السكون الذي تُحسّه في صدرك قبل أن تراه بعينك، دخل غرفته وأغلق الباب خلفه بإحكام، بينما بقيت ناريمان واقفة أسفل الدرج، تحدّق إلى الأعلى كأن عقلها يأبى أن يتركه يبتعد. فجأة، دفعتها نبضاتها للصعود، ركضت خلفه بخوف الأم التي تشمّ رائحة الغياب، لكنها حين وصلت لم تجد إلا بابًا مغلقًا يحجبها عن كل ما تخشاه، وضعت كفّها عليه، سمعت خطواته تتنقّل داخل الغرفة ببطءٍ غريب، خطوات كأنها تُوزن بالحذر، لا بالعجلة، كان يتحرك كأن قلبه هو من يختار الملابس، لا عقله، يمد يده إلى دولابه لا ليبحث عن أناقة، بل ليختار شيئًا يُناسب الوداع لا العودة، مضت الدقائق كأنها زمن منفصل، ثقيل ثم انفتح الباب وخرج رمزي يرتدي بدلته الداكنة، ينفض عن كتفه رماد التردد، لكن في عينيه كان شيء آخر، شيءٌ يشبه رجلًا عرف الحقيقة ولم يبح بها، مرّ بجوار ولديه ببطءٍ مقصود وكأن الوداع يمرّ عبر اللمس، ربت على كتف نزار، ثم وضع راحة يده على صدر جواد في نظرةٍ طويلة، لم تجد لها الكلمات طريقًا، وتوقف أمام ناريمان يتأمل وجهها لبرهة كأنه يحاول أن يحفر ملامحها في ذاكرته قبل أن يبتعد، ثم همس بنبرة ناعمة، دافئة على غير عادته:
" ما تقلقيش يا حبيبتي، دي مش اول مرة يعني أواجه فيها سليمان، ما تخافيش هرجع لك بسرعة"
ثم قبّل جبينها وتحرك نحو باب الفيلا، وعندما فتحه اندفع الهواء البارد إلى الداخل، كأن الشتاء نفسه دخل معهم بلا استئذان، وفي اللحظة التي عبر فيها رمزي عتبة الباب، شعر الجميع دون اتفاق أن شيئًا ما غادر معه، شيء ثقيل، كأن أنفاسه الأخيرة سُحبت من جدران البيت، وترك خلفه فراغًا لا يُملأ، حتى الأثاث بدا شاحبًا، وكأن الحياة التي كانت تدب بين زواياه قد انطفأت بلحظة.
الهواء صار ساكنًا كأن الزمان توقف للحظة، وكل من بقي بعده التفت نحو الباب، ليس لأنهم ينتظرون عودته بل لأنهم علموا يقينًا أنه الوداع، البيت لم يعد كما كان وحتى ضوء المصباح المعلق في الردهة صار باهتًا، يترنح كأنّه ينوح على من غادر، لقد أخذ معه شيئًا لا يُرى، لكنه يُحس كأن روحه كانت تحمل أسرارًا لن تُقال، وأحزانًا لن تُفهم، لكنه أصر أن يرحل بها دون أن يترك فرصة للغفران، أو حتى للتفسير، لقد خرج لكنه لم يترك فقط البيت بل مزق خيط الأمل الأخير.
_________________
في المطعم
وصل رمزي إلى مكان العشاء، خطواته متثاقلة كأن قلبه يرفض المضي قدمًا، تطلّع حوله بقلق، فوجد المطعم خاليًا تمامًا من الزوّار، وكأن الحياة قد أُفرغت منه خصيصًا لاستقباله وحده، استقبله السكون الثقيل والموسيقى الهادئة التي تسللت إلى أذنه كهمسٍ مريب، لا يُطمئن ولا يُهدّئ، بل يزيده ارتيابًا، الأضواء الخافتة بدت أشبه بعيونٍ تتربص، ترقبه في صمت والطاولة أمامه كانت عامرة بأصناف فاخرة من الطعام تنمّ عن عناية فائقة لا تليق بلقاء عابر، وكل شيء في المكان كان مُعدًا بعناية مُريبة كأن العرض قد بدأ ولم يتبقى سوى أن يؤدي هو دوره، في تلك اللحظة، التفت إلى رجاله ليأمرهم بالدخول، لكن الأمن أوقفهم عند الباب، أشاروا إليه بأن التعليمات واضحة:
"الدخول للضيوف فقط."
انقبض قلبه أكثر، لم تُعجبه تلك العزلة المفروضة، رمقهم بنظرة خاطفة ثم تابع طريقه نحو الطاولة محاطًا بالفراغ، والشك ينمو داخله كوحشٍ يستيقظ من سباته، جلس على الكرسي المقابل لسليمان، الذي كان ينتظره بابتسامة مصطنعة ونظرة لا تحمل سوى الغموض. وبرغم دفء الترحيب الظاهري، كان رمزي يشعر أن الخطر ليس بعيدًا عنه بل جالسٌ معه على ذات الطاولة.
نظر رمزي إلى سليمان بثبات ظاهري، يخفي وراءه قلقًا داخليًّا يتسلل في هدوء إلى صدره، وعيناه راحتا تتنقلان في أرجاء المكان الخالي كما لو أنه يحاول التقاط صوت خافت أو حركة غريبة، توقف برهة ثم قال بنبرة جادة، يحاول بها كسر الصمت الذي بات يخنقه:
"شكلك حاجز المطعم كله يا سليمان؟"
ابتسم سليمان ابتسامة خفيفة، لكن خلفها ارتسمت نوايا مظلمة، وكأنها صفعة ناعمة على وجه التوجس:
"عشان تعرف غلاوتك عندي يا رمزي باشا."
تجمدت ملامح رمزي لثانية، وكأن عقله يحاول تحليل كل كلمة خرجت من فم سليمان، ثم قال بابتسامة مشوبة بالحذر:
"للدرجة دي أنا غالي عندك؟"
اعتدل سليمان في جلسته ببطء، كأن كل حركة محسوبة بعناية أسند ظهره إلى المقعد، ثم رفع ساقه اليمنى فوق اليسرى في هدوء يوحي بالثقة وربما الاستعلاء، مدّ يده نحو كأس العصير الموضوع أمامه، لكنه لم يحتسِ منه، فقط أمسك بالكأس بين أصابعه يديره بخفة، كمن ينتظر لحظة مناسبة لقول شيء خطير:
"أكيد يا رمزي، وإلا ما كنتش قولتلك نفتح صفحة جديدة مع بعض."
في المقابل، كان رمزي يراقبه عن كثب، ظهره مشدود وعينيه لا تغادران وجه سليمان، صدره يرتفع وينخفض بنبض داخلي متسارع، يُخفيه بابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه، وبنبرة لا تخلو من التوتر:
"هات من الآخر يا سليمان، انت عايز إيه بالظبط؟"
أعتدل سليمان في جلسته مجددًا والتقط الشوكة والسكين ليبدأ في تناول طعامه وهو ينظر في عيني رمزي وقد تغيّر بريق عينيه فاختفى دفء التمثيل وظهر فيهما ظل الصفقة المسمومة والنوايا المغلفة بابتسامة غير مطمئنة:
"المطعم ده بيعمل أكل تحفة، مد إيدك يا رمزي عشان يبقى عيش واسكلوب، هههههه"
ثم قال بصوت منخفض بارد كنصل السكين:
"عايز ندفن الماضي ونبدأ من جديد يا رمزي، انا تعبت من الشك والقلق واللف حوالين بعض، انا بعرض عليك الشراكة وفـ المقابل هنسحب من الانتخابات وكمان هقف وراك انا ورجالتي، قولت ايه؟"
ظلّ رمزي يحدّق فيه بصمتٍ لثوانٍ، يراقب كل ارتعاشة في وجهه، وكل خلية بداخله تصرخ بالإنذار، كان يعرف سليمان جيدًا، يعرف متى يبتسم، ومتى يلدغ، لكنّه اختار أن يلعب معه حتى النهاية، ابتسم بسخرية، وقال بنبرة لاذعة:
"وماله يا سُولي، نتشارك"
ثم شرع في تناول طعامه وهمس بنبرة باردة:
"اممممم، العشا شكله دسم، زي نواياك بالظبط يا سليمان."
ابتسم سليمان ابتسامة ماكرة وهو يتأمل رمزي بنظرة لا تخلو من الخبث، مرّت الساعة ثقيلة كأن الزمن يُبطئ خُطاه خصيصًا لهذين الرجلين، وبانتهاء جلسة العشاء التي كانت مُشبّعة باللعب بالكلمات، وقف الاثنان وخرجا معًا من المطعم، يسيران في صمت كأن كلاً منهما ينتظر حركة الآخر ليردّ بها ضربته.
حين أوشك رمزي على ركوب سيارته، لمح من زاوية عينه ظلاً أنثويًّا يتقدّم نحوه بخُطى هادئة، فكانت بسيل بإطلالتها الساحرة وابتسامتها التي تسرق العقول، بوجه مكشوف بلا كمامة، بلا قفازات، اقتربت منهم أكثر وهي تنظر الى أبيها، صوتها ناعم لكنه مشحون بطاقة غريبة:
"مش كنت تقول يا بابي ان معاك ضيوف"
ثم تقدّمت نحوه بثبات، ومدّت يدها تُصافحه بابتسامة هادئة، تحمل في طياتها سمًا قاتلًا، كانت تلك المرة الأولى التي يراها فيها، والأخيرة بلا شك، وبنبرة هادئة مصطنعة:
"هاى يا اونكل، انا بسيل سليمان"
شرد رمزي لوهلة، عيناه تتنقّل بين ملامح الفتاة القادمة بثقة، وبين وجه سليمان المتماسك على بعد خطوات، كأن شيئًا ما بداخله يحاول فهم هذا الظهور المفاجئ، لمح في عيني بسيل هدوءًا مبالغًا فيه، مزيجًا غريبًا من الدفء المصطنع والنوايا الخفية، ثم ابتسم ابتسامة متوترة ونظر نحو سليمان وهو يحاول سحب يده برفق من يد بسيل، وبنبرة تمزج بين المزاح والدهشة:
"معقول يا سليمان عندك بنت بالجمال ده كله ومخبيها عننا؟"
ابتسم سليمان، ونظراته تفيض بنشوة المنتصر الذي أتم خطته بحنكة:
"لازم يا باشا، اخبيها واحافظ عليها من عيون الناس، دى وحيدتي"
نظر رمزي إلى بسيل ثانية، وعيناه لا تزالان تتفحصان ملامحها، كأن بها شيئًا مألوفًا وغريبًا في آن واحد، ثم قال لسليمان بنبرة فيها مزاح:
"احنا كدا بقى مش هنبقى شركاء وبس يا سليمان، شكلنا هنبقى نسايب كمان"
ضحكت بسيل بخجلٍ مصطنع، واقتربت منه خطوة وهمست في أذنه، لتنفث رذاذ أنفاسها مباشرة في وجهه، وكأنها تودعه:
"ما تكسفنيش بقى يا اونكل"
ضحك رمزي وهو يصافحها مجددًا، ثم استدار نحو سيارته بخطواتٍ واثقة كعادته، كما لو أن لا شيء يعكّر صفوه، ركب وأغلق الباب خلفه، أومأ للسائق بانطلاقٍ خفيف وتحركت السيارة ببطء نحو المخرج، لكن بعد أمتار قليلة فقط، ارتجف جسده فجأة، شيءٌ ما انكسر بداخله، شعور غريب بالبرد تسلل إلى صدره، وكأن الهواء يُنتزع من رئتيه بلا رحمة، شهق بقوة، لكن الشهقة لم تكتمل، اختنق وارتعشت أنفاسه حتى صارت متقطعة، وتحول وجهه إلى زُرقة مرعبة، مدّ يده نحو السائق أراد أن يصرخ، أن يقول شيئًا، لكن الكلمات خانته، والصوت تحوّل إلى همس متقطع، كأن الموت يمسك بحنجرته، ثم ارتعشت أصابعه، وتشنجت في الهواء، قبل أن تسقط بلا حول ولا قوة على ساقه، سقط رأسه إلى الخلف ببطء، كأن الحياة انسحبت منه على مراحل، بلا ضجيج، انتهى كل شيء في لحظة، دون صراخ، دون وداع، فقط صمت ثقيل، وفي الجهة الأخرى من الطريق، كان سليمان يركب سيارته بهدوء وبجانبه بسيل، تلتقط أنفاسها بتوترٍ خفي، بينما هو يربت على يدها بثبات وابتسامة جامدة، كأن المشهد الذي خلفهما لا يعنيه، شقت السيارة طريقها وسط الزحام، كمركب لا يكترث بأمواج خلفه،
بينما العالم يستمر كأن شيئًا لم يحدث، وبسيل تنظر من النافذة وعيناها تفرّان من كل شيء، حتى من نفسها، رفع سليمان عينيه نحو المرآة الأمامية، فرأى الشارع خلفه لكن في داخله، رأى رمزي ينهار ببطء، كما خطط له تمامًا، ثم همس لنفسه وصوته بالكاد يُسمع:
"أخيرًا خلصت منك يا رمزي"
تُرى هل طوى سليمان هذه الصفحة حقًا؟ أم أن الغد يخبئ له سطرًا لم يُكتب بعد؟
الكوبرا بقلمي✍️_______لبنى دراز
يتبـــــع