الكوبرا
رواية الكوبرا بقلم لبنى دراز
الفصل الخامس
🌾❤🌾❤🌾
"أحيانًا لا يقتصّ البشر من البشر، بل يقتصّ القدر حين يملأ الكيل، فيُسقط الجبّارين بسمٍّ لا يراه أحد… ويتركنا نتعلّم أن الدم لا يورث إلا دمًا، وأن الثأر الحق لا يُدار بأيدينا، بل بيدٍ أعلى من كل يد."
الكوبرا بقلمي✍️___________لبنى دراز
في فيلا رمزي الوزّان
بعد انتهاء مراسم الدفن والعزاء، عاد جواد ونزار إلى الفيلا وهما يغليان كالمرجل. الغضب يتفجر في صدريهما مع كل خطوة، والوجوه التي عزّتهما لم تُطفئ شيئًا من النار المشتعلة داخلهما. كلاهما يعرف الحقيقة، والدهما لم يمت موتًا طبيعيًا، بل اغتيل بدمٍ بارد. والقاتل واحد، لا غير سليمان النوري. لكن كل ما ينقصهما الدليل، الدليل الذي سيحول ظنونهما إلى حبل يلتف حول عنقه.
جلس جواد على أقرب أريكة، يضغط كفيه بعنف فوق ركبتيه حتى ابيضّت أصابعه. رأسه مثقل بعاصفة من الأفكار المتلاحقة، رفع عينيه نحو نزار وهو يزفر بحرقة:
"نفسي أفهم سليمان جاب التعبان جوة المطعم إزااااي؟!"
كان نزار واقفًا وسط البهو، ظهره مشدود، يداه خلفه كمن يحاول حبس انفجار داخلي، وصوته يخرج متقطعًا بالغضب:
"وده اللي مجنني! مطعم فاخر زى ده، معروف بالنضافة والأمان، إزاي يحصل فيه كدا؟ إزاي؟!"
نهض جواد فجأة كمن لدغه عقرب، وصرخ بصوت دوّى في أرجاء الفيلا وهو ينادي على الحرس الخاص وسائق والده. هرعوا مسرعين، اصطفوا أمامه برؤوس منكسرة ووجوه يغمرها الذعر. حدّق جواد فيهم بعينين تقدحان نارًا، حتى شعروا أن أنفاسهم تُسحب من صدورهم.
صاح فيهم بلهجة مرعبة:
"عايز أعرف سليمان عمل عملته إزاي؟! وانتوا كنتوا فييييين؟! انطقووووا!"
ارتجفت أجساد الحرس، وعيونهم إلى الأرض، الأيادي متشابكة أمام البطون، كأنهم أطفال أمام جلاد. تقدّم واحد منهم بخطوات مترددة، وصوته بالكاد يُسمع:
"كل حاجة كانت طبيعية يا جواد باشا، لكن اللي لفت نظرنا إن سليمان بيه كان حاجز المطعم كله. ولما سألنا رجالته قالوا دي عادته مع الضيوف المهميين."
ضاق جواد عينيه، حك ذقنه بتفكير غاضب، ثم رفع حاجبًا وهو يقول:
" اممممم، يعني المطعم كله ما كانش فيه غير بابا وسليمان، ورجالته وانتوا."
ازدرد الحارس ريقه بصعوبة وهو يتلعثم:
"لأ يا باشا، الحقيقة إن سليمان بيه أمر إن كل الحرس يفضلوا برة، حتى رجالته، ولما بصينا لـ رمزي باشا، شاور لنا نخرج، وفضل لوحده مع سليمان."
هنا انفجر نزار فجأة، قبض على عنق الحارس بعنف حتى ارتطم جسده بالجدار، صوته كزئير أسد مجروح:
"وما بلغتنااااش ليييييه يا حيواااان؟! كنا لحقناه"
ارتجّ الحارس تحت قبضة نزار كسمكة تُسحب من الماء، يختنق والدموع تتجمع في عينيه، بينما صوته المبحوح يتوسل:
"سامحني يا باشا، دي كانت أوامر الباشا الكبير الله يرحمه"
لكن نزار لم يسمع شيئًا، عيناه كانتا تقدحان نارًا، أسنانه تصطك من شدة الغضب، ضغط بقوة أكبر حتى علا وجه الحارس الزُرقة.
صرخ مجنونًا:
"أوامر ايييه وزفت ايييييه؟! تقدر تقول لي استفدت اييييه انا دلوقتي بتنفيذ الأوامر ديييي؟!"
في تلك اللحظة، انقض جواد بسرعة، أمسك بذراع أخيه بكل قوته، يحاول إبعاده:
"نزاااار! سيبه! سيبه هيموت فإيدك! هو مالوش ذنب"
لكن نزار دفعه بعنف وهو يزأر:
"سيبني يا جواد! سيبني أدفنه بإيدي زي ما دفنا أبويا! هو السبب، هو اللى ساب بابا لوحده جوة مع الحيوان ده!"
الحرس الآخرون تراجعوا للوراء، يرتجفون كالأطفال أمام مشهد أسطوري من الغضب. وبعضهم رفع عينيه للسماء يدعو ألا يموت زميلهم بين يدي سيده.
جواد، رغم الدماء التي تجري في عروقه مثل الجمر، حاول أن يسيطر على الموقف. تقدّم بثبات، صوته عميق، صارم، يقطع زئير أخيه:
"نزار، ركّز معايا، لازم نجيب حق أبونا ونخلي سليمان يدفع تمن كل روح أخدها. اسمعني كويس، سليمان النوري خلاص حفر قبره بإيديه، والليلة هيندفن فيه!"
كلمات جواد اخترقت أذن نزار كالمطرقة. ارتعشت يده للحظة، أنفاسه تتقطع، ثم أفلت الحارس فجأة، ليسقط الرجل على الأرض يتنفس كمن عاد من قبره.
ظل نزار واقفًا، صدره يعلو ويهبط كجبل يتنفس، عيناه تبرقان بالدمع والغضب. التفت نحو جواد وصوته يخرج متكسّرًا:
"أقسم بالله يا جواد، مش هرتاح ولا هيجيني نوم غير لما أشوف سليمان بيتعفن تحت التراب"
اقترب جواد منه، وضع يده الثقيلة على كتفه، وعيناه تقدحان عزمًا باردًا:
" ما تقلقش يا نزار، كل حاجة معمول حسابها، هنخليه يحصل بابا، بس بهدوء مش بالتهور"
وبينما الحارس المسكين يسعل على الأرض، والآخرون يتبادلون نظرات الخوف، أدرك الجميع أن لحظة الثأر قد بدأت، وأن سليمان النوري سيدفع الثمن غاليًا.
______________________
في فيلا سليمان النوري
في الوقت ذاته، عادَت بسيل إلى المنزل بخطوات ثقيلة، لكن في عينيها كان لمعان قاتل، لمعان مَن اعتاد أن يسفك الدم دون أن يرف له جفن. كان المساء ساكنًا، إلا من صوت باب المنزل حين أُغلق وراءها، صوت أشبه بإغلاق باب زنزانة على سجين، لكن السجين هذه المرة هو العالم كله، وبسيل هي السجّان.
استقبلها سليمان بذراعين مفتوحتين، ملامحه تفيض بالشوق:
"حمد الله على السلامة يا قلب أبوكي، انبسطتي في الخروجة؟"
أجابت بابتسامة جانبية، كمن يخفي سكينًا خلف ظهره:
"انبسطت جدًا يا سولي، بس ياريتك كنت معايا."
لم تُمضى دقائق حتى جلست بجواره، تحكي عن يومها، ثم تركته لتبدّل ثيابها، وعادت لتجده في المطبخ، السكين تلمع في يده، والبخار يتصاعد من وعاء الطعام. اقتربت، أمسكت سكينًا أخرى، وبدأت تقطيع الخضار ببطء متعمد، تقطع معها سكون الجو. ثم، بصوت هادئ لكنه يقطر سمًّا، حكت له عن الفتاة في المول، وعن الجرح الصغير الذي تركته على يدها، وعن السم الذي تسلل إلى دمها كما تتسلل الحيّة إلى الفأر.
تجمد سليمان، وترك السكين تسقط على الطاولة بصوت معدني صادم.
"إزاي تعملي كده؟! إنتِ اتجننتي؟! بالشكل ده بتلفتى النظر ليكى وتفتحي عيون البوليس عليكى وكدا غلط يا بسيل، فاهمة يعنى ايه غلط؟"
رفعت بسيل رأسها، التقت عيناه بنظرة حادة، كأنها سيف مسلول:
"ماتخافش اوى كدا ماحدش هيكشفني، هى دي يعنى كانت أول مرة، ما أنا ياما عملت كدا"
ضرب سليمان الطاولة بقبضته، فارتجفت الأكواب:
"يظهر كدا أنى كنت غلطان، لما إديتلك مساحة من الحرية تخليكى تعملى اللى يعجبك، من غير ما تفكرى عواقب عمايلك دى ايه!"
اقتربت بسيل منه بخطوة واحدة، كانت كافية ليتراجع أنفاسًا للخلف، حتى شعرت أنفاسها الساخنة على وجهه، وقالت ببطء قاتل:
"أنا ماحدش يقولى أعمل ايه وما أعملش ايه من النهاردة أى حد هيقف فى طريقى هنسفه، سامع يا بابا"
تطاير الشرر من عينيه، صرخ:
"الظاهر كدا أنك فعلا اتجننتي، ولازم ترجعى لعقلك من تانى قبل ما تنكشفى، من النهاردة مافيش خروج من البيت غير بأمري"
ابتسمت، ابتسامة جعلت قلبه يضطرب:
"من النهاردة انا مش هاخد أوامر من حد ولا حتى منك، اللى انا شايفاه صح هعمله، انا خلاص كبرت وعندى أستعداد أدمر أى حد وأمسحه من الوجود لو فكر يقف قصادي"
ثم استدارت، وغادرت المطبخ بخطوات ثابتة، كل خطوة تحمل وقع التحدي والتمرد، تاركة خلفها هواءً مشبعًا بالغضب والسمّ، كأن الجدران نفسها قد ارتجفت من حدّة كلماتها.
ظل سليمان واقفًا في مكانه، صدره يعلو ويهبط كمن يوشك على الانفجار، عيناه زائغتان في الفراغ، كأن صورة ابنته ما زالت واقفة أمامه تتحداه بجبروت لم يتوقعه منها. لثوانٍ، لم يعد يسمع شيئًا سوى صدى كلماتها الأخيرة وهي تمزق كبرياءه الأبوي.
بخطوات ثقيلة خرج من المطبخ، يسير وكأنه مخمور من شدة الغضب، يداه ترتجفان وهو يمرر أصابعه فوق وجهه المنهك. صعد إلى غرفته، فتح خزانة الملابس بعنف حتى ارتجت أبوابها، ارتدى أول ما وقعت عليه يداه دون أن يلتفت لهيئته، اصبح الهروب من جدران البيت هو الحل الوحيد كي لا ينفجر بداخله.
دوى صوت باب الفيلا وهو يُغلق خلفه بعنف، ثم انطلق مسرعًا نحو سيارته. جلس خلف المقود، ضغط بقدمه على البنزين بعصبية، فزمجرت السيارة كوحشٍ مقيد أُطلق فجأة. انطلق بلا اتجاه، يبتلع الشوارع بعينيه الحمراوين، يلفّ المدينة كما يلف الغضب روحه، لا يدري إلى أين يذهب، ولا ما الذي يبحث عنه فقط كان يهرب من صورة بسيل التي باتت تطارده في كل زاوية من عقله.
أما بسيل، فغادرت الفيلا مسرعة، خطواتها متعثّرة تحمل في طياتها بقايا الشجار الملتهب بينها وبين أبيها، ولم يكن في خاطرها أدنى معرفة بما قد يحدث له بعد أن تركته. كانت أنفاسها متلاحقة، وحرارة الغضب ما زالت تتصاعد من صدرها، تهمس لنفسها بنبرة ممتلئة قهرًا:
"إزاى يعمل فيّا كدا؟! أنا اللي سمعت كلامه ونفذت كل أوامره، ده جزائي؟ يعاملني بالشكل ده!"
واصلت السير في الطرقات بلا وجهة، وكأن المدينة بأضوائها وازدحامها لا تقدر أن تطفئ النار المشتعلة في روحها. لحظات، حتى تذكرت صديقتها "رحيل"، فأخرجت هاتفها وأجرت اتصالًا، وما إن سمعت صوتها حتى انطلقت تشكو بانفعال:
"رحيل أنا مش قادرة! اتخانقت مع بابا، وسِبت البيت، مش عارفة أروح فين."
سكتت قليلًا، تتحاشى أن تكشف السبب الحقيقي وراء هذا الشجار
لكن رحيل ردّت عليها بصوت هادئ يحمل حنانًا صادقًا:
"بسيل حبيبتي، حاولي تهدي شوية وارجعي البيت، زمان عمو سليمان قلقان عليكي."
تنهدت بسيل تنهيدة ثقيلة، وزفرت أنفاسها بعصبية تحاول طرد الغضب من صدرها، ثم مالت برأسها جانبًا ساخرة بمرارة:
"قلقان عليا! سليمان النوري مايعرفش يقلق ع حد يا رحيل، أنا خلاص تعبت منه ومن تحكماته، لأ، مش راجعة واللي يحصل يحصل."
على الطرف الآخر، ارتسمت على شفتي رحيل ابتسامة هادئة، محاولة أن تبعث الطمأنينة في صوتها، فخفضت نبرتها وكأنها تربّت على قلب صديقتها بالكلمات:
"بلاش تسيبي عصبيتك وغضبك يتحكموا فيكي يا بسيل، مهما كان اللي حصل بينك وبينه، هيفضل أبوكي هو ضهرك وسندك، ومفيش حد في الدنيا هيخاف عليكي زيه، صدقيني."
تجمّدت الكلمات في حلق بسيل، لم ترد. أغلقت الخط بصمت، وظل الهاتف في يدها المرتجفة. بدأت الذكريات تهاجمها واحدة تلو الأخرى: أبيها الذي كان يمدّ يده ليمسك بها طفلة، يرفعها على كتفيه في الأسواق، يعلّمها كيف تواجه الدنيا، وكيف لا تهاب أحدًا. صورته وهو يضحك حين يحقق لها أمنية صغيرة، وصورته وهو يحميها من أي أذى. رفعت يديها إلى وجهها وضغطت على عينيها بقسوة، تحدّث نفسها بمرارة:
"إزاى سمحت للغضب يخليني أصرخ في وشه؟! مهما تجبّرت، انا من غيره ولا حاجة"
تسارعت خطاها فجأة، قلبها يجرّها نحو المنزل. ركضت وسط الشوارع المزدحمة، لا تبالي بنظرات الناس، تهمس بصوت مرتجف:
"لازم أرجع، لازم أعتذر له وأبوس إيده وأقوله يسامحني، واني هسمع كلامه وعمري ما هزعله تاني."
وفي داخلها دارت معركة شرسة بين غرورٍ أورثها إياه بيديه، وبين حنينٍ يشدّها إليه بقوة. كاد الحنين أن ينتصر، لولا أن القدر لا يكفّ عن العبث بالمصائر، فيدفعنا إلى منعطفات لم نجرؤ يومًا على تخيّلها.
_______________________
في فيلا رمزي الوزّان
جلس جواد ونزار بعد انصراف الحرس والسائق، والفيلا تغرق في صمت ثقيل كأنها تخفي أنفاسها من هول ما يُخطط له بين جدرانها. جلس جواد على الأريكة، قبضته مشدودة حتى ابيضّت أنامله، عيناه مشتعلة بنيرانٍ لا تهدأ، ثم رفع نظره نحو أخيه بنبرة مشبعة بالحقد:
"أنا مش هارتاح غير لما أخلّص على سليمان، وأخد بتار أبويا."
اقترب نزار بخطوات بطيئة، يضع يديه خلف ظهره كمن يحاول كبح طوفان غضبه، وصوته يخرج غليظًا حادًا:
" أنا معاك، بس خد بالك، سليمان مش أي عدو يا جواد. ده تعلب، بيضرب ويختفي وما يسيبش دليل وراه. يعني لو استعجلنا، هنكون إحنا الضحية الجاية."
نهض جواد فجأة، يدور في البهو كأن الأرض تضيق به، عيناه لا تستقران في مكان:
"وده اللى بفكر فيه، ازاى نخلص منه بنفس طريقته، ونجيبله تعبان نبعته له بيته ويموت بنفس السم اللى مات بيه بابا"
ارتسمت على وجه نزار ابتسامة باهتة، مزيج من السخرية والانتقام، واقترب أكثر حتى كاد صوته يهمس في أذن أخيه:
"يبقى أول خطوة نعملها، نعرف مكان بيته ونعرف كل تحركاته، ونشوف حد من رجالته يكون عنده استعداد يبيعه، وقتها، الضربة هتيجي في مقتل، وهنشوفه بيقع بنفس الطريقة اللي وقع بيها بابا."
ساد بينهما صمتٌ خانق، لم يقطع حدّته سوى أنفاسهما المتلاحقة، وكأن كل منهما يسمع صدى ضربات قلب الآخر، يتأهبان معًا لفتح أبواب جحيم لن يُغلق إلا بسقوط سليمان.
وبينما الكلمات تتطاير في الهواء كشرارات غضب، انفتحت أبواب البهو بخطوات واثقة، لتدخل ناريمان، بملابسها السوداء ووجهها المشدود كلوحة صخرية، عينان لا تحملان دموع زوجة بل بريقًا من نار الغلّ. تقدّمت ببطء، نظرتها حادة تخترق ولديها، ثم قالت بصوت خافت، لكنه حاد كالسكين:
"كفاية كلام ماعندناش وقت نضيّعه. سليمان ما قتلش أبوكم وبس، ده قتلكم وقتلني أنا قبلكم، داس على كرامتي وكرامتكم، ومفيش حاجة هتطفّي نار قلبي غير دمه."
ارتبك جواد قليلًا وهو يبتلع ريقه، ثم اقترب منها:
"يعني إنتي معانا يا أمي؟"
رفعت رأسها بكبرياء مرير، وأجابت بثبات:
"أنا أولكم، بس لازم نفكر ونخطط صح ونخليه يطمن خالص اننا مانعرفش ان هو اللى عملها وقتل رمزي"
تبادل الشقيقان نظرة سريعة، ثم أومآ معًا كأنهما أقسما على ولاء جديد. وفي تلك اللحظة، بدا وكأن الظلام في البهو يزداد كثافة، يلفّهم جميعًا بعباءة من مؤامرة لا رجعة فيها.
________________________
في فيلا سليمان النوري
بعد ساعاتٍ طويلة ظلّ فيها سليمان يقود سيارته في شوارع المدينة دون وجهة، يطارده صدى كلماته مع ابنته، عاد أخيرًا إلى فيلته منهكًا، كأن التفكير استنزف ما تبقى فيه من قوة. عبر بوابة المنزل بسيارته ببطءٍ شديد، وكأنه يسوق أحمال الدنيا فوق كتفيه، حتى بلغ المكان المخصص لصفّها.
أطفأ المحرك، ولبث لحظة متسمّرًا في مقعده، ينظر أمامه بعينين زائغتين، قبل أن يترجّل بخطوات مثقلة تجرّ قدميه كأنما الأرض تبتلعه.
لم يكن يدري أن جندًا من جنود الله في انتظاره، جاء من بيئةٍ لا مكان لها في فيلا مترفة كهذه. عقربٌ صغير تسلّل كأنه رسول قضاءٍ مكتوب، ليقتصّ لكل نفسٍ أزهقها سليمان بدمٍ بارد. وبينما هو يعبر الممر الحجري بخطى متثاقلة، شعر بوخزٍ لاذع في كاحله، امتد كالنار يحرق عروقه.
تجمّد لوهلة، ثم سقط على الأرض يتلوّى كالأفعى من شدّة الألم، يصرخ ويكتم أنفاسه، يبحث عن يدٍ تنقذه، لكن لا أحد.
كان العقرب قد مضى، بعد أن أدّى رسالته، تاركًا هذا المتجبر يذوق من ذات الكأس التي سقاها لغيره، لكن بسمٍّ من نوعٍ آخر، سمٍّ لا ينفع معه ترياق ولا مصل.
ظل جسده يتشنّج فوق الأرض الباردة، فيما الظلام يطوي صوته شيئًا فشيئًا، حتى انطفأ كل شيء.
في ذات اللحظة، وصلت بسيل إلى الفيلا، غير مدركة أن القدر يُخبئ لها مشهدًا لم يخطر لها على بال. ولجت إلى الداخل بخطًى متثاقلة، وما إن وقع بصرها على الأرض حتى تجمّد الدم في عروقها؛ رأت والدها مطروحًا بلا حراك، جسده ساكن جثة بلا روح. تسمّرت قدماها في مكانها، كأن الأرض التفت حولهما بسلاسل ثقيلة تمنعها من الحركة. ارتعش جسدها، وعيناها اتسعتا في هلعٍ لا يُوصف. حاول عقلها أن يُكذب ما تراه، لكن الحقيقة كانت أقوى من أي إنكار.
بعد محاولات يائسة لإجبار قدميها على التقدّم، استجمعت ما بقي فيها من قوة، وسارت نحوه بخطوات متعثّرة، كأن كل خطوة تُسحب من قلبها معها. جثت بجواره، عيناها مغرورقتان بدموعٍ حارّة، رفعت يدها المرتعشة تتحسّس وجهه الشاحب، وخرج صوتها مبحوحًا مرتجفًا كأنما يُنتزع من صدرها:
"بابا إنت نايم هنا ليه؟ قوم يللا أدخل جوة، قوم ع أوضتك. قووووم ما ينفعش تسيبني لوحدي، أنا ماليش غيرك. قوم يا حبيبي والله ما هزعلك تاني، هاسمع كلامك كله بالحرف، بس بالله عليك ماتسبنيش يا بابا."
راحت تهزّ جسده الهامد بيدين مذعورتين، تُكابر في إقناع نفسها أنه سيُفيق، أنه سيقوم كما اعتاد دومًا، أنه لن يتركها وحيدة في هذا العالم البارد. لكن لا حياة لمن تُنادي؛ كان قد رحل بالفعل، تاركًا إياها غارقة في بحرٍ من الفقد.
شهقت شهقة مكتومة، كأن روحها تُنتزع منها، وصرخت داخلها بصوتٍ يجلدها قسوة:
"إنتي السبب، إنتي اللي قتلتيه!"
ظلّت على حالها، تحتضن جسده البارد، تبكي وتلتمس منه حياةً رحلت، حتى خارت قواها وسقط رأسها على صدره، قبل أن تلمّ شتاتها ببطء، منهكة، كأنها تحاول النهوض من تحت أنقاض قلبها.
لم يمر وقتٌ طويل حتى حضرت الشرطة لتتحرّى أمر جثة سليمان. كان صوت أقدامهم يملأ أرجاء الفيلا الصامتة، وأسئلتهم تتردّد كوقع مطارق فوق قلب بسيل. سألوها عن يومها، فأجابت بصوتٍ متقطع وهي تحاول أن تبدو ثابتة: إنها كانت خارج المنزل تحتفل بيوم ميلادها، وأنها حين عادت وجدته ملقىً بلا حراك ولا تعلم شيئًا آخر.
انشغل رجال التحقيق بالبحث في كل زاوية، حتى جاء الطبيب الشرعي، يحمل حقيبته الثقيلة وملامحه الصارمة، وجلس يفحص الجثة بتمعّن. دقائق قليلة كانت كافية ليعلن أن الموت جاء بسبب لدغة عقرب، لدغة لم تمنح سليمان فرصة للنجاة.
وقفت بسيل إلى جوارهم، تستمع بآذانها لكن عقلها كان غارقًا في صخب آخر؛ في داخلها نارٌ تحرقها وتجلدها بلسانها:
أنا السبب، أنا اللي قتلته بخناقي معاه وعنادي. لولا غضبي، ما كانش خرج وما كانش مات.
تساقطت الكلمات كسهام مسمومة داخل روحها، فكل ما حولها صار رمادًا. رحل أبوها، رحل السند والأمان، ورغم قسوته وظلمه، كان يظل الركن الذي يحميها. الآن لم يبقَ سوى فراغ ينهشها، وندمٍ يتضاعف كلما سمعت صوته يتردّد في ذاكرتها.
لكن القدر، الذي لا يرحم، لم يُمهلها أكثر من لحظة ضعف. كانت تعلم في أعماقها أنه حصد ما زرعه بيديه، وأنه ذاق من ذات الكأس الذي طالما أذاق غيره منه. ومع ذلك، لم يخفف ذلك من ثقل الجرح في قلبها.
بعد أيامٍ من التحقيقات والتحريات، انتهى الأمر بالتصريح بدفنه. وارى الثرى جسده، ودفنت معه بسيل جزءًا من نفسها. وقفت هناك، بين صرخات صامتة تتناوبها بين أن تلومه أو أن تبكيه، بين أن تشفق عليه أو تلعنه.
وبعد الجنازة، حين عادت إلى وحدتها، اتخذت قرارًا يائسًا: أن تُخفي جمرات غضبها، أن تكبح جماح جنونها، وألا تفتعل جريمة أخرى، لا حزنًا على أبيها فحسب، بل خوفًا من انكشاف أمرها وسقوطها في قبضة العدالة.
وبينما كان الحزن يخيّم على بيت سليمان، كان في مكانٍ آخر جواد قد علم بما حدث لذلك القاتل. أغمض عينيه وزفر أنفاسًا ثقيلة خرجت من صدره كمن تحرّر من قيدٍ طال سنوات. شعر أن السماء قد أنصفته، وأن الله كفاه شرّ أن تتلطّخ يداه بدمٍ جديد. لم يحتج أن يقتص بيده، فقد جاء القصاص أعدل وأقوى مما تخيّل.
همس في نفسه بارتياح:
"الحمد لله، ربنا جابلنا حقي، وخلّصنا من ذنب ما كناش هنعرف نعيش بيه."
نظر إلى شقيقه نزار، وفي عينيه بريق جديد لم يعتده من قبل، بريق رجل قرر أن يطوي صفحة الدم والانتقام. جلسا معًا في هدوء، كأن الجروح القديمة بدأت تلتئم أخيرًا، وقررا أن يبدآ من جديد، بعيدًا عن الدوامة التي لم تُنجب سوى الخراب.
كانت تلك اللحظة بداية عهد مختلف؛ عهدٌ بلا سيوفٍ ولا ثأر، بل سعي وراء حياة تُبنى بالسلام لا بالدماء.
وهكذا أُسدِل الستار على حياة سليمان، تاركًا خلفه ابنةً مثقلة بالذنب، ممزقة بين الحنين والخذلان. كانت دموعها تجفّ على وجنتيها، لكن جرحها ما زال ينزف في أعماقها، كأنه لعنة لن تزول.
هل ستستطيع أن تسامح نفسها يومًا؟
أم سيظل الذنب يطاردها حتى آخر العمر؟
أم أن قلبها سيتحجّر، فتتجبر وتعيث فسادًا في الأرض؟
الكوبرا بقلمي✍️__________لبنى دراز
يتبــــــع