الكوبرا
رواية الكوبرا بقلم لبنى دراز
الفصل الرابع
💔🌾💔🌾💔
القوة الحقيقية ليست في كسر الآخرين ولا في تركهم يسقطون، بل في أن تترك أثرًا يبني ولا يهدم. أن تمضي من مكان وأنت تعرف أنك أضفت إليه حياة، لا أنك نزعت منه روحًا. النصر الحقيقي أن تكون سببًا في ابتسامة، في أمل يتجدد، في قلب يطمئن لوجودك. أن تمشي بين الناس وتترك وراءك أثرًا من نور، لا ظلًّا من خوف. فاليد التي تداوي أقوى من اليد التي تؤذي، والروح التي تعفو أرفع شأنًا من الروح التي تنتقم.
الكوبرا بقلمي✍️__________ لبنى دراز
في فيلا رمزي الوزّان
في اللحظة ذاتها التي قُتِل فيها رمزي، كانت ناريمان تجلس في غرفتها يلفّها القلق كغيمة ثقيلة لا تُبدّد كانت تنتظره، تراقب عقارب الساعة كأنها تُعاقبها وكلما تأخرت أكثر، زادت ضربات قلبها اضطرابًا وفجأة، شعرت بشيء غريب، انقبض قلبها بقسوة وزاغ بصرها كأن أحدًا ضربها بمطرقة خفيّة شقّت روحها إلى نصفين شهقت ثم صرخت بكل ما فيها، اسمًا واحدًا خرج من أعماقها ممزقًا:
"رمززززييييي"
صعد نزار وجواد على عجل، مذهولين من صراخها المفاجئ. كانت تقف وسط الغرفة شاحبة، يداها ترتجفان والدموع تنحدر على خديها بلا توقف.
اقترب نزار منها وسأل بقلق:
"ماما مالك؟ في إيه؟"
نظرت إليه كأنها لا تراه، ثم قالت بصوت مبحوح، مخنوق بالدموع:
"أبوكم مش بخير، رمزي مش بخير أبداً، اتصلوا بيه حالًا، شوفوه فين وطمنوني عليه"
أمسك جواد بهاتفه سريعًا وقلبه يدق كطبول الخطر، يحاول أن يُخفي قلقه عنها ولو بكلمات هشّة لا تسند شيئًا:
"اهدي يا ماما، دلوقتي يوصل ونطمن عليه كلنا"
ثم ضغط على اسمه وانتظر قليلًا، لا إجابة، كرر المحاولة مرة، واثنتين، ثم عشر مرات.
الصمت في الطرف الآخر كان يصرخ، وكلما مرّت ثانية كان القلق ينمو بداخله ككابوسٍ يوشك أن يبتلع كل شيء.
نزار كان يراقب شقيقه بعينين متوجستين، تتقافز داخلهما هواجس كالسهام. كل ثانية تمر كانت تضغط على صدره بثقلٍ لا يُحتمل، التقط الهاتف بيد مرتعشة، وراح يتنقّل بعصبية بين الأسماء، حتى استقر إصبعه على اسم السائق الخاص برمزي، ضغط عليه وانتظر.
رنّ الهاتف، ثانية، اثنتان، ثم جاءه الصوت من الجهة الأخرى، مختنقًا، متقطعًا، يحمل رعبًا لا تخطئه الأذن، كان مزيجًا من الخوف والانهيار:
"الحقني يا نزار بيه، رمزي باشا تعيش انت."
كلمات قصيرة، لكنها دمرت العالم من حوله، وقف نزار مشدوهًا، لا يلتقط أنفاسه، ولا يصدق أذنيه، النبض في أذنه صار طبول حرب، صمتت الدنيا للحظة، ثم خرج صوته مفجوعًا، أشبه بالصرخة:
"إنت بتقول إيييه يا بني أدم انت؟!"
رفع عينيه ببطء نحو والدته وشقيقه، وصدره يعلو ويهبط كمن يحاول التنفس تحت الماء.
كان الكلام يتفجّر داخله، لكنه لم يجد له مخرجًا، الحدس الذي خنقهم منذ لحظة مغادرة رمزي تحقق، ذلك الشعور البارد الذي تسلل إلى أرواحهم، بأن من خرج لن يعود، كان نذيرًا حقيقيًا وكانوا جميعًا يعلمون.
اقترب جواد بخطوات متلاحقة، وجهه شاحب وصوته مبحوح من الخوف:
"في ايه يا نزار؟! بابا حصل له حاجة؟! بالله عليك اتكلم!"
لكن نزار لم يجب، بل انهار فجأة على ركبتيه، كأنّ جسده لم يعد قادرًا على حمل وزنه أو الحقيقة، وخرج صوته محشورًا كأنّه يُنتزع من بئر:
"مات، السواق قال بابا مات."
صمتٌ ثقيل هوى على المكان.
ناريمان لم تصرخ، لم تبكِ.
بل جلست بهدوء مرعب على كرسيها، ملامحها تجمدت كتمثال نُحت في لحظة فجيعة.
كانت عيناها تبحثان عن رمزي في كل ركن، كأنها تتوسل للكون أن يُعيد الزمن ساعة واحدة فقط، لتمنعه من الخروج.
أما جواد فنظر الى نزار، وانفجر بغضبٍ عارم، تمزقت حنجرته وهو يصرخ:
"مش وقت انهيار يا نزار فووووق، بابا أكيد مات مقتول، ما ماتش موتة ربنا!"
ثم اقترب خطوة، وعيناه تتقدان بنار الانتقام:
"قبل ما يندفن رمزي الوزّان، لازم يتحفر قبر سليمان النوري."
رفعت ناريمان رأسها إليه، نظرتها لم تكن كسابق عهدها.
كانت هناك نار خلف الدموع التي تهبط في صمت، نار امرأة لم تفقد زوجًا فقط، بل خسرت شريك الحياة وسُرقت منها كل دفعة أمل، ثم همست بصوتٍ ميت، لكن كل حرفٍ فيه كان يقطر دمًا:
"إكرم أبوك الأول يا جواد، واعلن ان الوفاة طبيعية، وبعد ما يخلص العزا نفكر بهدوء ازاى ناخد بتار رمزي من غير ما تيجي سيرتكم."
أومأ جواد لناريمان بصمت، نظرة قصيرة كانت كافية لتبادل العهد، ثم خرج من الغرفة بصحبة نزار، خطواتهما سريعة، كأنهما يطاردان الحقيقة قبل أن تهرب، الطريق إلى المستشفى بدا أطول من المعتاد، يختنق بالأسئلة والظنون التى تتزاحم في الرأس، وحين وصلا وجدوا السائق واقفًا أمام باب الغرفة التي يرقد فيها جثمان رمزي، وإلى جانبه الحرس الخاص، وجوههم منكسرة، والجو مشبع برائحة الحزن الصامت.
تقدم نزار بسرعة، يجر أنفاسه بصعوبة، اقترب من السائق حتى كاد يلتصق به، وصوته مبحوح، مشوب برجفة الغضب والشك:
"إيه اللي حصل بالظبط؟! سليمان هو اللي عملها؟!"
خفض السائق رأسه، كأنه يخشى النظر في عينيه، وأجاب بنبرة أثقل من الرصاص:
"لأ يا بيه، الباشا جاله ضيق نفس وهو فـ العربية، جريت بيه على هنا، لكن أمر الله نفذ قبل ما نوصل."
تصلبت الكلمات في أذن جواد، لكنها ارتدت عن قلبه كالرصاص على صخر.
شعور عاصف اجتاح صدره، خليط من غضب أسود وريبه لزجة تزحف على روحه، وكأن الحقيقة تُدفن مع والده قبل أن تُقال، رمق السائق بنظرة شرر، ثم استدار فجأة، مندفعًا نحو الطبيب بخطوات بطيئة وثقيلة، كأن الأرض تحت قدميه تعرف أنه قادم للثأر.
وجهه صار جدارًا من صخر، وعيناه ضاقتا حتى صارتا خيطين من جمر.
في آخر الممر، كان الطبيب يجلس خلف مكتب صغير، يقلب أوراقًا بيد مرتعشة، كمن يحاول أن يلهي نفسه عن مواجهة العاصفة التي تقترب.
وقف جواد أمامه، وانحنى حتى صار صوته يضرب أذن الطبيب همسًا مسمومًا:
"عايز أعرف أبويا مات ازاى؟ موتة طبيعية؟ ولا مات مقتول؟"
ترددت نظرات الطبيب بينه وبين نزار الواقف كظل خلفه، ثم قال بصوت مختنق:
"بصراحة ما كانتش موتة طبيعية."
انكمشت ملامح جواد، وصوته صار أعمق، أكثر حدة:
"مش طبيعية إزاي؟"
تنفس الطبيب ببطء، وكأنه يبتلع خوفه، ثم همس:
"الأعراض ماكانتش ضيق تنفس عادي، دي أعراض تسمم، ومش أي سم، ده أخطر انواع سموم الأفاعي."
خيم الصمت، حتى أن دقات قلب جواد كانت وحدها تصدح في صدره، رفع رأسه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، كمن نطق بحكم الإعدام:
"طب اسمع بقى، التقرير اللي هتكتبه هيقول أن الوفاة طبيعية بسبب ازمة قلبية، وما تجيبش سيرة عن السم خالص."
نظر إليه الطبيب بحدة، يحاول أن يتمسك بواجبه:
" كلامك ده معناه وجود شبهة جنائية وفي الحالة دي لازم أبلغ البوليس."
ضرب جواد بيده على المكتب حتى ارتج المكان وتطايرت الأوراق من يد الطبيب، وصوته خرج منخفضًا، حادًا، كلسعة أفعى:
"لو عايز ترجع بيتك وتبات وسط ولادك، تنفذ كلامي، وإلا هتدفن جنبه النهارده، فاهم؟"
ارتجف الطبيب، أومأ سريعًا:
"حاضر، حاضر."
في دقائق كتب التقرير كما أمره جواد، مثبتًا أن الوفاة طبيعية بلا شبهة جنائية، ثم أتم إجراءات الدفن.
تسلم جواد ونزار الجثمان، وأعلنا أن رمزي رحل إثر أزمة قلبية، لكن في عيون جواد، كان هناك وعد صامت بأن هذه لم تكن النهاية بل بداية ثأر دموي.
حين بلغ سليمان النوري خبر وفاة رمزي الوزّان، ابتسم في سره ابتسامة المنتصر، ثم ارتدى قناع الحزن وذهب إلى المسجد لأداء صلاة الجنازة، متقمصًا دور الصديق المكلوم.
وقف بين المشيعين بثبات، يوزع نظراته المليئة بالتمثيل، يمد يده لمصافحة المعزين، وكأن قلبه يقطر ألمًا بينما داخله يرقص نشوة، كمن خرج للتو من معركة دموية ظفر فيها برأس خصمه، اقترب من جواد ونزار، اصطف بجوارهما كتفًا بكتف، يتلقى العزاء كأنه واحد من أهل البيت.
لكن جواد، وهو يراه يتظاهر بالأسى، كان قلبه يشتعل كأرض بركانية على وشك الانفجار. عيناه كانت تراقب كل حركة في وجه سليمان، وكل ارتعاشة وهمية في صوته، حتى صارت أصابعه تحك كفّه بعنف، كاد أن يمد يده إلى عنقه ويمزق هذا القناع الكاذب.
التقط نزار الشرر في نظرات شقيقه، تحرك بهدوء وأمسك يده، ضغط عليها بقوة لا تخلُ من تحذير، وهمس له بصوت مبحوح بالكبت:
"اصبر، لسه دوره ما جاش، نخلّص العزا وبعدين نرتب له ع رواق."
ظل سليمان واقفًا، ملامحه منحنية بوقار مصطنع، وابتسامة ماكرة تتسلل من زاوية فمه، كان يعلم أن أنياب جواد مخبأة الآن، تنتظر اللحظة المناسبة لتُغرس في عنقه، وأن عليه أن يحذر لكن هيهات، فغرور المنتصر أعماه عن رائحة الخطر التي بدأت تحوم حوله.
____________________
في فيلا سليمان النوري
عاد سليمان إلى فيلته بعد انتهاء مراسم دفن وعزاء رمزي، يجرّ خطواته بثبات الواثق، وكأن كل خطوة يخطوها تُغلق بابًا خلف جريمته. ما إن فتح الباب حتى وجد بسيل واقفة في البهو، ذراعاها متشابكتان، وملامحها يكسوها ظلّ قلق من تأخره غير المعتاد. رفعت حاجبها وهي تسأله بنبرة حذرة، تتفحص وجهه:
"اتأخرت ليه يا باشا؟"
ابتسم سليمان ابتسامة جانبية بطيئة، كأنها تسيل من فمه مثل سمّ الأفعى، وهو يتجاوزها دون رد، متجهًا نحو أقرب أريكة. جلس متثاقلًا، أسند ظهره وأرخى كتفيه، يلتقط أنفاسه ببطء كما لو كان يتذوق لحظة انتصار نادرة. عينيه تلمعان بنشوة من انتزع فريسته أخيرًا، وبدأ يحكي لها، صوته منخفض لكنه محمّل بلذة خفية، عن كيف أزاح عن عنقه الثقل الذي ظل يكبّله طويلًا. لم يكن يدرك أن ثقلًا آخر، أعمق وأثقل، قد عُلِّق على رقبته أمام رب العباد، وأن الديّان الحق يُمهل ولا يُهمل، وأن ساعة القصاص قد بدأ عدّها التنازلي.
انفجرت بسيل بضحكة عالية، أظهرت نواجذها في لحظة انسجام مريبة، ثم جلست بجواره ومالت برأسها على ذراعه وهي تقول بخفة لا تخلو من السخرية:
"مش سهل إنت يا سولي برضو، تقتل القتيل وتمشي في جنازته."
ارتفع حاجباه بثقة، وانفرجت شفتاه عن ابتسامة رضا متعجرفة، وكأنه يتباهى بوسام شرف:
"اتعلمي من أبوكي يا بيسا، هو ده بالظبط اللي بقولك عليه طول عمرك."
قفزت من مكانها بخفة، ألقت ذراعيها حول عنقه، طبعت قبلة على خده، ثم غنّت بمرح طفولي يخفي وراءه مكرًا وراثيًا:
"إنت معلّم وبيسا منك تتعلّم."
وقف هو الآخر، يتأملها بنظرة فاحصة، عيناه تلمعان بمكر متوارٍ:
"وده اللى بتمناه، إنك تتعلمي تنتقمي صح، من غير ما تسيبي وراكي دليل."
أومأت برأسها، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها، عينها تبرق بخيط من خبث مكتوم:
"حاضر يا حبيبي، أكيد هتعلم."
دخل سليمان إلى غرفته ليستريح، وكأنه أزاح صخرة من على صدره، لكن داخله كان يفكر في مكافأة ابنته على ما يراه "إنجازًا". ناداها بصوت رخيم فيه لمسة إغراء بالخير الموعود، ولما جاءت راكضة، عينيها تلمعان بسعادة، مدّ إليها رزمة أوراق نقدية ثقيلة:
"خدي يا قلب أبوكي الفلوس دي، انزلي اتفسحي وانبسطي، بس خلي بالك من نفسك."
حدقت في المال، أصابعها تتلمسه بدهشة، ثم رفعت بصرها نحوه وقد تلوّن صوتها بمزيج من الاندهاش والسرور:
"كل الفلوس دي ليا أنا؟"
أومأ برأسه مبتسمًا، وفي عينيه بريق من يستمتع بتمرير السم في العسل:
"طبعًا يا روحي، أنا عندي كام بيسا يعني؟"
خرجت بسيل من غرفة أبيها وهي تكاد تطير من الفرح، قبضتها تحتضن رزمة الأوراق النقدية كمن حصل على كنز. دخلت غرفتها بخطوات سريعة، فتحت الخزانة بعجلة، تنتقي ما يليق بيومٍ قررت أن يكون يومها. وقفت أمام المرآة، مررت أصابعها على شعرها بعناية، وضعت لمسة من أحمر الشفاه، ارتدت كمامتها وقفازاتها، ثم غادرت المنزل وهي تخطط لجولة في الحدائق والمولات، حيث ستشتري كل ما يروق لها من ملابس وأدوات تجميل.
كان ذهنها يسرح في أحداث الأيام الأخيرة؛ لم يمر سوى ساعات قليلة على مقتل رمزي، وهي الآن أتمت السابعة عشر من عمرها، وأصبحت ناضجة بجمال صارخ يجعل العيون تلاحقها أينما ذهبت. وسط هذا التدفق من الأفكار، تذكرت صديقتها الوحيدة رحيل، الصديقة التي تخفي وجودها عن أبيها حتى لا يقطع صلتها بها، أخرجت هاتفها بعد أن ابتعدت عن الفيلا بما يكفي حتى لا يعلم سليمان بالمحادثة، وضغطت على زر الاتصال، قلبها يخفق بخفة وهي تضع الهاتف على أذنها، تنتظر اللحظة التي تسمع فيها الصوت الذي تعرفه عن ظهر قلب. وما إن جاءها الرد حتى ابتسمت ابتسامة واسعة، تهتف بدفءٍ ممزوج بالشوق:
"وحشتيني يا رحلتي."
جاءها صوت رحيل مفعم بالبهجة، كما لو كانت ترد على غياب أيام طويلة:
"أنتِ أكتر يا قلب رحلتك."
خفضت بسيل صوتها قليلًا، نبرتها تنساب كهمس مؤامرة لطيف:
"بقولك إيه، أنا عيد ميلادي كان من يومين، وبابا كان مشغول شوية، والنهاردة بس قدرت أخرج من الفيلا، إيه رأيك تيجي تحتفلي بيه معايا بدل ما أقضيه لوحدي زى كل سنة؟"
جاء صوت رحيل مترددًا، مشوبًا بالأسف:
"بسبوستي حبيبتي، أنا آسفة، مش هقدر سامحيني."
انعقد حاجبا بسيل، وانخفض صوتها نبرةً:
"يعني هتسيبيني لوحدي في يوم زي ده يا رحلتي؟"
زفرت رحيل بضيق، وكأنها تحاول تبرير غيابها:
"أعمل إيه بس، ماما مصممة أسافر معاها عند تيتة النهاردة وأنا أصلاً مش عايزة أسافر."
ابتسمت بسيل ابتسامة قصيرة، أقرب للمُرّة:
"سافري يا رحيل، غيري جو. ياريت كنت أعرف أهل ماما، كنت سافرت عندهم أنا كمان بس انتي عارفة، هي كانت أجنبية، وماتت وأنا صغيرة، ما لحقتش حتى أتعرف عليهم."
أنهت المكالمة وهي تشعر بثقل الوحدة، لكن خطواتها ظلت ثابتة. عبرت الشوارع، تنقلت بين الأرصفة المزدحمة، حتى وصلت إلى مول ضخم تلمع واجهاته الزجاجية تحت الأضواء الملونة، دخلت تتأمل المحلات واحدًا تلو الآخر، حتى توقف بصرها عند فستان معروض على مانيكان في واجهة محل راقٍ، اقتربت عيناها تلمعان بإعجاب، وأشارت للعاملة خلف الكاونتر:
"لو سمحتي ممكن أشوف الفستان ده؟"
لم تكد العاملة تتحرك نحو الفستان حتى جاءها صوت أنثوي من خلف بسيل، حادّ وممتلئ بالغيظ:
"ده فستاني، براند جاي مخصوص من برّة عشاني. شوفي لك حاجة غيره."
التفتت بسيل ببطء، نظراتها حادة كالسهم، تقيس الفتاة الواقفة أمامها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، ثم قالت ببرود قاتل:
"أنا هشوفه بس، مش هاخده."
تقدمت امرأة في منتصف العمر، تحمل ملامح طبقية متعجرفة، ووضعت يدها على الفستان قبل أن يصل إلى بسيل، وهي تقول بلهجة متعالية:
"المحل مليان فساتين غيره، ليه مصممة تاخدي الفستان ده بالذات؟"
أمالت بسيل رأسها قليلًا، وابتسامة ساخرة تتسلل لشفتيها:
"قلت هشوفه بس، مش هشتريه"
ثم أطبقت فكّيها بقوة، وصوتها يقطر تهديدًا:
"عشان لو طلع مظبوط عليا، أطلب واحد زيه."
تجمدت أنفاس العاملة وهي تنظر بينهن، لكن الأم انتزعت الفستان من يدها ودفعته نحو ابنتها وهى تنظر إلى بسيل:
"وانا قولت لأ، مش هينفع، ده جايلنا مخصوص، مش عارفة ايه الأشكال اللي بتتحدف علينا دي ياربي."
عندها اتسعت عينا بسيل، وكأن جدارًا خفيًا انكسر داخلها. خطوة واحدة للأمام، وصوتها هذه المرة كان كالسوط:
" وانا قولت هقيس الفستان ده بالذات سواء رضيتوا أو ما رضيتوش، ايه قولكم بقى؟"
"هو إيه بالعافية يعني؟!" صاحت الفتاة بها، والشرر يتطاير من عينيها، ثم التفتت لوالدتها مستنجدة:
"ماما اتصرفي، ما ينفعش حد يلبس فستاني قبلي، حتى لو هتقيسه"
نظرت الأم الي ابنتها تطمئنها وبنبرة حنونة وهى تعطيها الفستان:
"ما تقلقيش يا حبيبتي، ما حدش هيلبس فستانك غيرك"
ثم مدت يدها، دفعت بسيل بقوة حتى اسقطتها أرضًا، وهي تصرخ:
"إنتي شكلك حرامية يا بت انتي وجايّة تسرقينا."
نهضت بسيل فجأة، كأن بركانًا انفجر تحت قدميها، النار تتقد في عينيها، وأنفاسها تتصاعد حارّة، متقطعة، كزفرات وحش جريح يتحفز للانقضاض على فريسته، غلي الدم في عروقها حتى شعرت أن أصابعها نفسها تريد أن تشتعل، وشرارات غضبها لو لامست الهواء لاحترق ثبتت عينيها على والدة الفتاة، نظرة كالسيف، تحمل وعدًا بعقابٍ لا يُنسى، وتعهدًا صامتًا بأن تجعلها تندم حتى آخر يوم في حياتها، تحركت بخطوات بطيئة، ثقيلة، لكن كل خطوة كانت تحمل في طياتها عاصفة من الغيظ. نزعت قفازها بحركة محسوبة، كما ينزع صياد غمد خنجره، دون أن تثير ريبة أحد. ثم فجأة، وبعينين تقدحان شررًا، انقضّت على الفستان بين يدي الفتاة، وفي اللحظة نفسها، انزلقت أصابع بسيل على يدها كالنصل، تاركة جرحًا دقيقًا، خفيًّا، تسلّل بخبث قاتل، وكأن الغضب نفسه صار له أنياب مسمومة، لم تنطق بكلمة بل دلفت إلى غرفة القياس وأغلقت الباب خلفها، أخذت نفسًا عميقًا، وحدّقت في الفستان للحظة، ثم نزعت كمامتها واقتربت منه نفثت فيه سمّها، ببطء ولذة، كما لو كانت تخطّ عليه توقيعًا غير مرئي، خرجت بخطوات هادئة، وابتسامة باردة ترتسم على ملامحها، مدّت يدها بالفستان للفتاة من جديد، وقالت بنبرة تتقطر سخرية لاذعة:
"ما عجبنيش، أصلا قيمتي أكبر من أني أجيب ماركة زي دي، حلال عليكي."
ثم ابتعدت بخطوات هادئة، تتظاهر بأنها تتجول بين المحال، بينما عيناها لا تفارقان الفتاة وأمها، تراقبهما من بعيد كما يترقب الصياد الفريسة بعد أن نصب الفخ، كانت نظراتها حادة، ثاقبة، تتبع كل حركة، وكل لحظة تأخير، وكأنها تنتظر إشارة غير مرئية تُعلن سقوط الشباك، رأت الفتاة تدلف إلى غرفة قياس أخرى، وتغيب بداخلها أكثر مما ينبغي، عندها، بدأت بسيل تُمشّط بصرها بين باب الغرفة وملامح الأم التي بدأ القلق يأكل ملامحها، تارة تحدّق في الباب، وتارة تسرق نظرة سريعة إلى شاشة هاتفها، وكأن الثواني تحولت إلى ساعات،.وفجأة شق الصمت صوت الأم الغاضب وهي تدق على الباب بعصبية، تحث ابنتها على فتحه، لكن لا رد. ارتفع صوتها أكثر، يختلط فيه الغضب بالخوف، حتى تدخل أحد العاملين، يحاول فتح الباب، ثم ركله بقوة حتى انكسر.
أبصرت بسيل من مكانها، الفتاة ساقطة أرضًا، جسدها ساكن، واللون يفرّ من وجهها. عندها، لم تنتظر أكثر. أدارت ظهرها لتغادر بهدوء، وفي قلبها برودة لذيذة تشبه إحساس المقامر حين يحصد الجولة الأخيرة، دوّى خلفها صراخ الأم ممزقًا أجواء المكان وهي تجثو بجوار ابنتها، عاجزة عن استيعاب ما تراه.
هرع صاحب المحل لطلب الشرطة، ولم تمضِ دقائق حتى تحوّل المول إلى خلية نحل مضطربة، أصوات الخطى السريعة تختلط بصفير أجهزة الإنذار، والناس يتجمهرون في دوائر فضولية، يمدّون أعناقهم نحو غرفة القياس.
دخلت الشرطة بخطوات حاسمة، يتقدّمهم ضابط ذو وجه صارم، بينما كان صاحب المحل يشرح بارتباك ماحدث.
اقترب الطبيب الشرعي، ركع بجوار الجثة، فحص آثارًا صغيرة على ذراعها، وتمتم بصوت يكاد لا يسمع:
"الفحص المبدئي بيقول انها ماتت بسبب سم أفعى."
التفت الضابط بعينين متسعتين:
"أفعى؟! جوة مول؟ طب ازاى؟"
بدأ رجال الأمن يمشطون المكان، يفتحون كل غرفة، يفتشون تحت الرفوف وبين البضائع، لكن لا أثر للأفعى. كأنها تبخّرت، وبينما كانوا يبحثون، كانت بسيل قد خرجت بالفعل، تعبر بوابة المول بوجه هادئ وعينين لامعتين، وكأنها مجرد متسوقة أنهت جولتها، في تلك اللحظة، على كاميرات المراقبة، ظهر مشهد عابر لفتاة ترتدي قفازًا، ثم تخلعه قبل دخول غرفة القياس بدقائق من دخول الضحية، لكن لا أحد يعلم ما حدث داخل الغرفة، وهكذا، قُيّدت الجريمة ضد الأفعى المجهولة، كما سُجِّلت من قبل جرائم أخرى على يد الكوبرا القاتلة.
بينما خطوات بسيل خارج المول كانت ثابتة، لكن داخلها كان صخب آخر يعصف بها. لم تكن تسمع صرخات الأم ولا ضجيج الشرطة، بل موسيقى خافتة يعزفها عقلها وحده؛ لحن النصر الممزوج برائحة الخوف التي خلفتها وراءها، كل خطوة كانت بالنسبة لها كإغلاق صفحة في كتاب تعرف نهايته مسبقًا. كانت تشعر أن أنفاسها تتناغم مع دقات قلبها، بطيئة، واثقة، كمن يتحكم في زمن الآخرين. في عينيها بريق لم يكن بريق الفرح، بل ذلك اللمعان الذي يسبق لدغة الكوبرا حين تطمئن أن الفريسة لن تهرب، رفعت رأسها قليلًا وهي تمر عبر البوابة الزجاجية، استنشقت هواء المساء، وكأنها تتذوق طعم الحرية الممزوجة بدم الضحية، لم تلتفت إلى الوراء بل ابتسمت ابتسامة هادئة وراودها خاطر بارد:
"كل اللى هيفكر يضايقني، هيلقى نفس المصير"
عادت إلى بيتها بخطوات هادئة، لكن داخلها كان يشتعل إحساس لاذع بالنشوة. كانت لذة القوة تتسلل في عروقها كتيار كهربائي، تشعر أنها تمسك بخيوط العالم في يدها، وأن مصائر الآخرين مجرد أحجار صغيرة على رقعة لعبتها الخاصة، جلست على فراشها الوثير، وأغمضت عينيها قليلًا، تستمتع بارتعاشة الانتصار، تلك التي لا يعرف طعمها إلا من ذاق حلاوة السيطرة، ومن أدرك أن القوة الحقيقية تكمن في أن تُنهي حياة أحدهم، وتغادر دون أن يجرؤ أحد على لمس ظلّك.
ولكن؟! هل يُدرك الصياد يومًا أن الفخ قد يُنصب له؟
الكوبرا بقلمي✍️_________لبنى دراز
يتبـــــع