عالم موازي.
رواية عالم موازى بقلم نورا محمد علي
الفصل الاول
تراقصت الدموع على وجهها وهي تنظر إلى زوجها بخوف، لا تعرف ماذا عليها أن تفعل؟ الحرارة لا تتوقف عن الإرتفاع!
فعلت كل شيء من أجل أن تساعد (مروان) طفلها الصغير ذو الخمس سنوات، عليه أن يستعيد وعيه بأن تنخفض حرارته ويتوقف عن الهذيان .
أربت زوجها على كتفها وهو يقول:
_ اهدي يا سما هيبقى كويس
_ يا رب يا معتز قلبي بيتقطع.. الدوا مش عامل نتيجة؛ الحرارة ما بتنزلش والوقت اتاخر هننزل نروح فين دلوقت؟!
_ إلبسي هدومك وأنا هتصرف..
وقد كان، كانت تركض خلف زوجها في أروقة المستشفى وهي تدعوا الله بداخلها أن ينجي طفلها، هي لا تريد غيره..
لقد عانت الأمرين حتى رزقها الله به، يومها لا يكتمل إلا بوجوده وضحكه ولعبه وهو ينثر الفرح في طريقها..
والآن يحمله والده مثل الجثة الهامدة ، عرق يتصبب من رأسه ودرجة حرارة تجاوزت الأربعين وكأن دمه يغلي ويفور وآه من توابع المستور..
نظر الطبيب لهم بصدمة بعد قياس حرارة الطفل، وهز رأسه بأسف أعطى له أدوية في محلول ملحي، عله يستطيع إنقاذه ولكنه يعرف التوابع ان استمرت الحرارة بهذه الدرجة..
دكتور راضي: ده اسم حقنة لو لقيتها هتفرق كتير .
معتز: مسافة السكة .
راضي: للاسف هي مستوردة، ممكن ما تلاقيهاش في أماكن كتيرة! بس مفيش قدمنا غير إننا نحاول.
أخذ (معتز) الورقة وهو يركض خارج المستشفى استقل سيارته وهو يقول "يارب"…
مرت الدقائق عليه ثقيلة كأنها سنوات وهو يشعر بالاحباط كلما دخل إلى صيدلية ويخرج منها بخيبة أمل، رغم أنه لم يتوقف عن البحث إلا أن أحد الصيادلة أخبره أنه غير متوفرة من مدة ولن يحصل عليها!
معتز : يعني إيه ؟!
الصيدلي: آسف ..بس حضرتك بتقول اني الصيدلية رقم عشرين بس حتى لو وصلت ل100 للأسف مش هتلاقيه، هو مش موجود من فترة رغم اهميته، وكمان غالي جداً.
معتز: أنا عندي استعداد ادفع بس القاها.. ده ابني الوحيد وأنا....
صمت لم يقوَ على الكلام، شعر (حامد) بالشفقة عليه خاصة عندما لاح في عينه سحابة من الدمع، فرفع الهاتف وهو يقول:
_ هحاول..
_ ربنا يبارك فيك
اخذ يتصل بأكثر من زميل في صيدليات كبرى لكن الإجابة واحدة !!
بعد وقت كان( معتز) يعود إلى المستشفى، نظر له الطبيب باستفسار، رغم أنه يعلم أن هذا العقار لا يتوفر في العادة ، إلا أنه كان يأمل أن يجده لكن نظرة الحزن الممزوجة بالعجز في عين الأب كانت تحمل الإجابة واضحة، إلا أنه همس: ملقتش الدواء..
راضي: عارف ان فيها عجز بس كان عندي أمل لو 1% بس هحاول هو حاليا في العناية تقدروا تستنوا بره..
سما: طمني.. هيبقى كويس؟
راضي: إن شاء الله، بس لسه منعرفش..
سما: تقصد أيه؟
راضي: لما يفوق هنعرف..
معتز: اهدي وقولي" يا رب"
نظرت له بألم وهي تقول: "يارب" ملناش غيرك..
مر اليوم والثاني وانخفضت الحرارة لكن بعد ماذا؟ لقد كانت حمى شوكية اثرها سيبقى على جسد الصغير، لكنهم إلى الآن لا يعرفون ما حدث له رغم الشك الذي يساور راضي ..
مر الوقت في ترقب وها هم يجلسون في مكتب الطبيب الذي يتكلم ومعتز يشعر بالخوف مما هو آت، هو يعرف جيدا تأثير (الحمى الشوكية) على العقل البشري، وما النتايج والأعراض التي تترتب عليها، وهو الآن يحتضن كف زوجته وينتظر الأسوء..
تساءلت الأم...
سما: يعني ايه؟
راضي: أنا آسف انى بقولك كده، بس درجة الحرارة عدت الأربعين و وفضلت يومين ويمكن أكثر زي ما حضرتكم بتقولوا
هز معتز رأسه وهو لا يقوى على الرد
أكمل راضي : توابع ده إنها بتأثر على الجسم المصاب بطريقة مش متوقعة، ممكن يبقى عادى وممكن يفضل تعبان، انا مقدرش اجزم بحاجة إلا لما يستعيد وعيه ونشوف رد فعله...
سما: هو فتح عينيه؟
_ ايوه يا مدام فتح عينيه بس مفيش استجابة لأي مؤثر خارجي، مفيش رد فعل واحد ممكن يكون طبيعي!
_ تقصد أن أبني مش هيبقى طبيعي؟
_ اقصد ان احنا لسه ما عرفناش حاجة، بس أنا بقول ليكم عشان تستعدوا..
نظرت سما إلى معتز وهي ترتجف وعينها يفيض منها الدمع، وهي تقول:
_ نستعد لأيه؟!
_ للي جاي.. ابنك هيبقى محتاجك أوي يا مدام..
_ ليه؟ ده دور سخونية بيجي لمليون طفل كل يوم...
تراجع راضي في مقعده وهو لا يعرف ماذا عليه ان يخبرها .. ابنها مهدد بـ خلل أو بمعنى اصح "أضطراب طيف التوحد" قد يجعله يعاني طيلة عمره!
طفلاً على مشارف السادسة من عمره، بالنظر «KG2» سيعاني من ذهن مشتت وحالة خاصة بعالم موازي يعيش فيه بمفرده، لكنه هز رأسه دون ان يقول شيئ، فهو يعرف الأعراض ومتوقع التوابع فليست الحالة الأولي التي تمر أمامه من هذا النوع...
نهض معتز يرفع عنه الحرج وهو يقول:
_ شكرا للتوضيح يا دكتور و اسفين اننا اخذنا من وقتك..
هز رأسه دون أن يرد...
مضى أسبوع من آخر لقاء مع الطبيب ولكن لا يوجد استجابة من (مروان) مهما حاولت إن تتكلم معه، أن تخترق تلك القشرة التي يحاط بها روح لا تجد رداً، لا تجد شيء يدل على أنه يسمعها من الأساس، نظرات عينه زائغة ثابتة امامه، وكأنه ينظر إلى المجهول، كأن ما يراه ليس هم ، او هذا العالم من الأساس!
دموعها التي لم تجف وعينيها المعلقة بزوجها الذي ترك كل شيء حتى يكون بجوارها هي وطفله، فلقد بدأ يتأكد من ظنونه استمع إليها وهي تقول:
_ وبعدين يا معتز؟ هيفضل كده كتير…
نظر لها دون رد، ما الاجابة التي تتوقعها ما الذي تنتظره منه؟ هو الذي يصرخ دون صوت يعلم ان من هذه اللحظة لن يكون ابنه كما كان، لن يرجع إلى حالته الطبيعية، سيكون شخص آخر سيبقى معهم جسدا فقط، ولكن عقله وروحه شاردان في مكان بعيد..
اخرج لفافة من التبغ، وخرج يستنشقها، تلاقت عينيه بالطبيب الذي هز رأسه دون ان يتكلم لكن معتز أوقفه وهو يقول:
معتز: انا دورت عن حالته على النت؛ الأعراض اللي بيمر بيها بتقول حاجة واحدة، أنت عارف..
نظر له الطبيب وهو يهز رأسه بموافقة يخبره ان ما وصل إليه حقيقي أبنه مصاب «بأضطراب طيف التوحد» من الآن سيعيش حياة مختلفة، قد تنمو بعض الطفرات في عقله، ولكن قدرته على التواصل لن تكون كما كانت، عالمه سيختلف تفكيره سيختلف، نظرته للأمور ستكون أكثر حساسية، وقدرته على حفظ التفاصيل ستضعف، ولكن كلما زاد العدد من حوله، كلما زادت الضجة في عقله
ورغم انهم سيحاولون التواصل الا انه قد يبقى صامتا دون رد تساءل معتز
_والحل؟!
نظر له راضي وهو يحاول ان يتكلم بمهنية..
_حضرتك بتقول انك قرأت عن الحالة والاعراض يعني عارف كويس ان مفيش علاج، انت ممكن تحاول تخترق القشرة اللي بيحاوط بيها نفسه لكن انه يرجع زي ما كان، ما اعتقدش..
_عايز تقول لي أن دور سخونية يعمل في ابني كده
_في حاجات كثيرة ممكن تحصل من دور سخونية حاجات كثيرة ممكن يتاثر بيها طفل في سنه، وبعدين نظرة الرفض اللي في عينك دي ما لهاش لزوم، هو هيفضل ابنك حتى لو اختلف ولا انت بتفكر ازاي؟
_ انا بفكر فيها وفي الوجع اللي بتحس بيه، عارف يعني إيه طفل كان مالي الدنيا صوت وضحك ولعب فجأه يبقى جسد من غير روح!!
_ مين قال احنا لسه مش متأكدين من اللي عنده، ممكن بعد الأشاعات نكتشف حاجة تانية، يعني ممكن يكون السمع أتأثر أو النظر، لكن لو تأكدنا أن حالته مش تعب عضوي يبقي ده يؤكد الأحتمال التاني، ممكن ياخذ فترة على ما يتعود ويقدر يتكلم ويقرب..
_ بقول لك قريت يعني فاهم بلاش تديني أمل.. ويبقى في الأخر سراب
_ حاسس بيك..
_ متأكد يا دكتور؟
_مش فاهم حضرتك تقصد ايه؟
_ انك حاسس بيا أنت دكتور بتمر عليك حالات كثير، عارف كويس الاعراض متوقع النتيجة، نظرة عينك كانت بتحمل تعاطف بس في بعض الأحيان التعاطف لوحده مش كفاية.
أربت على كتفه وهو يقول: بس اوقات كتير ما بيبقاش في ايدينا غيره، اللي انت بتفكر فيه حاجة والواقع اللي قدامك حاجة ثانيه،«اضطراب طيف التوحد» مش مرض ولا حالة نفسية، ده مجرد اضطراب سلوكي أو نفسي، درجة حرارة عالية بتاثر على خلايا المخ، بتحول حاجات في العقل البشري اللي احنا رغم تطورنا، عاجزين اننا نعرف تفاصيله وندرك خباياه، لأننا في النهايه مجرد بشر، المهم أنت لازم تكون قوي عشان تقدر تسند أمه، لان الفترة الجاية هو محتاجكم انتم الاثنين..
_في ايه ؟ ده ما بيتحركش، ما بيتكلمش، ما بيطلبش الاكل ما بيعملش اي حاجة، كأنه مش عايش معانا ؟
_لانه فعلا مش عايش معاكم، هو عايش في عالم موازي…