أخر الاخبار

رواية الكوبرا بقلم لبنى دراز الفصل الثاني

 الكوبرا 

رواية الكوبرا بقلم لبنى دراز الفصل الثاني

رواية الكوبرا بقلم لبنى دراز
 الفصل الثاني 

          💔🌾💔🌾💔


في دهاليز الصمت تُشعل الحروب، لا يُسمع فيها دويُّ رصاص، لكن كلُّ نظرةٍ سهمٌ مسموم، وكلُّ وعدٍ مكسور، خيانةٌ تقطر عسلاً مُخدِّرًا.


فالعدوُّ لا يطرق الباب دومًا بسلاح، بل يتسلّل في هيئةِ ابتسامةٍ ناعمة، تخفي في طيّاتها شبحَ الموت، وتزرع في الروح ندبةً لا تُرى، لكنها تنزف بصمت، يوقظ في القلب جرحًا كان نائمًا على خدِّ الانتظار،

ويُشعل في الظلِّ ألف حكايةٍ لم تُروَ بعد.


الكوبرا بقلمي✍️_______ لبنى دراز


في المدرسة


لم تدرك أيتن أي جحيمٍ استيقظ حين فتحت بيديها بابًا لن يغلق إلا بموتها، فبعد أن سمعت بسيل سخريتها وتنمرها عليها، انغرزت الكلمات في روحها كخناجر مسمومة، تقطّع أوتار صبرها الهش، حاولت أن تبتعد بصمت مرتبك وانسحاب واهن، تجرُّ خطواتها على الأرض كأنها تفرُّ من ساحة معركة، لكن أيتن لم تترك لها مهربًا ظلّت تتنمّر بكل جبروت، تسحقها بنظراتها وكلماتها، كأنها تستلذ بوجعها، وتنهش ضعفها كما تنهش الضواري فريستها، لم تكن تعلم أنها بكلماتها تلك كانت توقّع على حكمٍ لا رجعة فيه، حكم لا يُبطل إلا بالموت.

وهناك، في ركنٍ قصيّ من الفناء، تجمّدت ملامح بسيل. لحظة صامتة، لكنها كانت تحمل انفجارًا داخليًا مدمرًا.

قلبها الذي اعتاد الخوف تحوّل إلى قلب آخر، عينها لم تدمع، لم تهتز، لكنها رأت في تلك اللحظة ما يجب أن يكون.

كان القرار واضحًا وستنفذه في الحال، قررت أن تلقّن أيتن درسًا لا يُنسى ولا يُمحى، ليتعلم كل متنمر أن الصمت لا يعني الضعف، وأن أكثر الأرواح وداعة حين تُستفز، قد تتحوّل إلى قنبلة لا رحمة فيها، وفي لحظة عابرة، وبينما كانت أيتن تضحك دون حذر غير مدركة لما ينتظرها، وضعت زجاجة مياهها على الطاولة وغادرت لبضع دقائق، زحفت بسيل بخطوات رشيقة كالأفعى، خفيفة لا تُسمع، دقيقة لا تُلاحظ، اقتربت من الزجاجة، أنفاسها تكتم صخب قلبها وعيناها تترصّدان المكان، ثم نفثت رذاذ أنفاسها بخفّة قرب فوهة الزجاجة وانسحبت كأن شيئًا لم يكن، عيناها لم تغفل عنها وقلبها يخفق بقوة كقرع الطبول في المعركة، ترقب اللحظة وتنتظر النتيجة، وها هي أيتن تعود وتتناول الزجاجة لتشرب، مرت لحظات، ثم بدأ المشهد يتكشف كالكابوس، بدأت تشعر أيتن بالاختناق ووضعت يدها على عنقها، وجهها يزرق تدريجيًا، شفتاها ترتجفان، تتلوى فى مكانها والهلع يملأ عيون من حولها، صاحت زميلاتها في فزع يتراكضن، يبحثن عن منقذ لها، فهرعت إحدى الطالبات وأبلغت طبيب المدرسة، وأسرعت إحدى المعلمات نحوها، تصرخ في الطبيب الذي حضر فورًا، أجرى فحصًا سريعًا ثم قال بحزم لا يحتمل التأخير: 

"لازم حالًا تتنقل المستشفى، وبلغوا أهلها فورًا".


أومأت المعلمة، توترها يرتجف في صوتها: 

"أنا كلمتهم، بس لازم نلحقها قبل ما يجرالها حاجة."


لم يضيع الطبيب ثانية واحدة، حمل أيتن بين ذراعيه وركض بها إلى سيارته وانطلق مسرعًا كمن يركض للهروب من قدر محتوم، ودلف بها إلى غرفة الفحص، يبحث عن فرصة أخيرة وهو يطارد الوقت قبل ان يسدل ستار النهاية وتُغلق الأبواب إلى الأبد. 


أما بسيل فكانت تجلس في صمت خارجي، وصراع داخلي مرعب، في أعماقها كان يدور حوار قاتل بين الضمير والعقل،

فصوت ضميرها يصرخ ويجلدها:

"عملتي كده ليه؟ أفرض ماتت؟ هتعملي إيه؟


لكن صوت عقلها كان يرد ببرود:

"هي اللي بدأت، أستفزتني وقالت عليا مغرورة، يبقى تستاهل اللى عملته فيها"


يعود الضمير يتوسل بصوتٍ خافتٍ دامع:

"كان ممكن تمشي وتسيبيها من غير ما تأذيها."


لكن عقلها كان عنيدًا وباردًا كمنطق العدالة القاسية، ورد بجمود كالصخر:

"اللي عملته هو الصح عشان تحرم هى او أى حد غيرها يتريق عليا تاني."


وظلّت هكذا سجينة لتلك المعركة، حرب تدور داخلها بنيران لا دخان لها، قلبها يرتجف من الخوف، عيناها تحدّقان في اللاشيء، لم تكن تبكي، لكنها لم تكن بخير.

حتى انتهى اليوم الدراسي، غادرت المدرسة بخطوات بطيئة، تحمل حقيبتها على ظهرها وتحمل ذنبًا على ظهر روحها لا يعرف أحد ثقله، ولم يعلم أحد، أن تلك الطفلة الصامتة هي من أشعل فتيل النهاية.


_____________________


في المستشفى


وصل والد أيتن يركض داخل أروقة المشفى، يتخبط بين الممرات كأن الأرض تضيق عليه، يبحث عنها كما يبحث الغريق عن شهيقه الأخير،

وجهه مذعور، نظراته تائهة، تتشبث بالأمل كما تتشبث يد المرتعش بآخر خيط نجاة.

أنفاسه متقطعة، ونبضه يسبق خطواته المرتبكة، عندما لمح الطبيب، اتّجه نحوه بقلبٍ يكاد يسقط من بين أضلعه، وصوتٍ يترنّح بين الرجاء والرعب:

 "أيتن بنتي مالها؟! جرالها إيه يا دكتور؟"


رفع الطبيب عينيه، ملامحه مثقلة، كأن الحروف تُغرز في حلقه كما يُغرز السكين في لحمٍ حي، تردّد لحظة، ثم قال وصوته غارق في الأسى:

"للأسف بنتك لدغتها أفعى وماتت في الحال قبل ما نوصل بيها."


تجمّد الأب في مكانه، كأن نبأ الموت انتزع من روحه القدرة على الحركة، ثم، بلا مقدمات سقط جاثيًا على ركبتيه، وكأن الحياة انسحبت من عظامه فجأة، غرقت عيناه في دموع لا يشبهها بكاء، كان نحيبه نحيب أب لا يصدّق أن ابنته التي أرسلها للمدرسة صباحًا، ستعود إليه جثة، غطّى وجهه بيديه المرتعشتين، كأنما يختبئ من الحقيقة، كأن الظلمة خلف كفّيه سترٌ من الجنون، ثم رفع رأسه إلى الطبيب يسأله بصوت مهزوم، تكسره الحرقة ويقطعه الذهول:

"جات منين الأفعى في المدرسة؟ وإزاي ما حدش شافها؟"


رد عليه الطبيب وهو يهز رأسه في حيرة، وعينيه زائغتان وكأنّه يبحث عن تفسير لا وجود له:

"بصراحة، مش قادر أفهم، جسمها مفيهوش أي علامة للدغة الأفعى ومع كدا التحاليل أكدت وجود سم قاتل، من النوع اللي مستحيل يدخل الجسم إلا عن طريق لدغة مباشرة! يعني ببساطة ماتت من لدغة مش موجودة!"


جملة علِقت في أذن الأب، مثل صدى لُغز بلا حلّ، نظر في الفراغ بوجه شاحب وملامح متكوّرة بين الغضب والذهول، كأن كل خلية فيه ترفض التصديق، لكن الموت لا يترك مجالًا للتكذيب، أنهى إجراءات الدفن بعينين ميتتين، لا تدمعان بل تحترقان، وفي كل خطوة كان صوته الداخلي يصرخ بألف سؤال وسؤال، الطبيب أخبره بأن جسدها خالٍ من أثر أي لدغة، ولا يوجد سوى جرح صغير في يدها، لا يلفت النظر ولا يوحي بشيء، إذًا كيف ماتت صغيرته بذلك السُم؟.

عاد إلى منزله بخطواتٍ ثقيلة تكاد تُسمع صرختها من تحت الأرض، كل خطوةٍ كانت كأنها تنبش الجمر، والنار تشتعل داخله قبل أن تشتعل تحت قدميه، عيناه لا ترى مَن حوله، وكأنه عائدٌ من معركة خاسرة لم تترك فيه إلا الغضب، لم يعد في قلبه متّسع للتردّد، ولا رغبة في إخفاء ما يجتاحه من تساؤلات محمومة، الليلة لن تطول عليه والغد لا يحتمل التأجيل، قرر أن يتوجه صباحًا إلى المدرسة عازمًا أمره على أن يكشف الحقيقة، سيعرف من أين جاءت تلك الأفعى؟ ولماذا ابنته بالذات؟ هل رآها أحد حين لُدغت؟ هل كانت وحدها؟

أين كانت العيون؟ وأين ذهب الحذر؟ وهل كانت فعلًا أفعى؟ أم أن يدًا بشرية دسّت السم عمدًا؟، كانت ملامحه جامدة، كأنها نُحتت من صخر، لكن خلفها شيء يصرخ، لم يكن ينظر بعين رجل مكسور، بل بعين مَن لفظته الحياة كما يعرفها، وبدأ في حياة جديدة لا يعرف لها طريقًا ولا نهاية.

كانت عينه عين مَن سقط عنه آخر قناع، إن وُجد ذنب سيقتص، وإن وُجد تقصير سيُحاسب، وإن وُجد من أخفى الحقيقة، فليتهيأ، لأن انتقام الأب الموجوع لا يعرف حدودًا،

ولا يخاف شيئًا، فمن فقد كل شيء لا يهاب شيئًا.


______________________


فيلا سليمان النوري


عادت بسيل إلى منزلها والخوف يتسلّل إلى قلبها كدخانٍ أسود كثيف يسدّ حنجرتها ويجثم على صدرها، كل خطوة كانت أثقل من التي سبقتها وكأن قيدًا خفيًا يشدّها إلى الوراء، يمنعها من الفرار، يقطّع أنفاسها ويسرق منها روحها دون صوت، عندما أُغلقت خلفها بوابة البيت، ارتعدت وكأن العالم بأسره أغلق عليها قبضته، تسللت إلى غرفتها تتلفّت حولها كمن يهرب من عينٍ تراقبه، ألقت بجسدها على الفراش كجثة هامدة، متعبة من ذنبها، ارتجف جسدها وتقوقع بين الأغطية، عيناها تحدّقان في سقف الغرفة كمن يرى نهايته معلّقة فوقه، كل ارتجافة كانت ارتدادًا لما فعلت، وكل لحظة تمرّ كانت خنجرًا جديدًا في صدرها، فكل ما يدور بعقلها: "هل انكشف أمري؟ هل سيمسكون بي؟ هل سيأخذونني بعيد عن أبي؟"

ظلت أفكارها تتصارع في رأسها حتى غلبها الإرهاق ولم تدري بنفسها إلا وقد غفت، لا نوم حقيقي بل خدر ثقيل بين الوعي واللاوعي، حيث الذنب لا يرحم، والضمير لا يهدأ، وبعد وقتٍ ليس بالطويل، دخل سليمان إلى البيت عائدًا من شركته، وجد البيت هادئًا أكثر مما ينبغي، الظلمة تملأ أركانه والسكينة التي تحيط به بدت له غير مطمئنة، شعر بشيءٍ لا يُطمئن خفق قلبه، وتسارعت خطواته إلى غرفة صغيرته، فتح الباب، فرأى بسيل نائمة، لكنها لم تكن نائمة حقًا بل كانت ترتعش وتهذي بكلمات مشوّشة، شفتاها تهمسان بألم:

"ما قتلتهاش، ما قتلتهاش، هى اللى استفزتني، هى اللى بدأت الأول، أنا كنت بدافع عن نفسي"


جحظت عيناه، واندفع نحوها دون تفكير، يهزها برفق، وصوته يغالب القلق:

 بسيل! اصحي يا قلب أبوكي، قوليلي مالك يا حبيبتي؟


فتحت عينيها بفزع، كأنها كانت تغرق في كابوسٍ حقيقي، ما إن رأت وجهه، حتى ارتمت في حضنه بقوة، تتشبث به كغريقٍ وجد طوق نجاته، دموعها تسيل بلا كبح، وصوتها مشروخ:

"صدّقني يا بابا هي اللي استفزّتني الأول، أنا ما كنتش عايزة أعمل كدا، والله ما كنت عايزة"


احتضنها سليمان أكثر، وشعر أن أمرًا جللًا قد وقع، شيء لا يشبه خلافٍ عابر، فسألها بنبرة مشوبة بالقلق:

"هي مين يا حبيبتي اللي استفزتك؟"


ارتعشت بين أحضان أبيها وهي تهمس بتردد:

"أيتن زميلتي يا بابا، استفزتني قالت عليا مغرورة، أنا ما قتلتهاش، صدقني ما قتلتهاش"


جلس على الأريكة وجذبها بلطف لتجلس بجواره، وراح يربّت على ظهرها كأنه يُسكّن زلزالًا داخلها:

"احكيلي يا روحي إيه اللي حصل بينكم؟ وما تخافيش من حاجة، انا جنبك مش هسيبك"


تنهدت تنهيدة ثقيلة، كأنها تخرج كل ما في صدرها دفعة واحدة، ثم بدأت تسرد له كل شيء، كيف بدأ الشجار، كيف نفثت رذاذها في فوهة الزجاجة، كيف شربت أيتن، وكيف اختنقت أمام عينيها، وكيف جاء الطبيب وأخذها وهي على مشارف الموت، حتى وصل بها إلى المشفى، وحتى جاء خبر الوفاة، ثم رفعت رأسها إليه، والعبرة تخنقها:

"أنا مش عايزة أروح المدرسة تاني يا بابا، مش عايزة أشوف حد، خايفة يعرفوا ويقبضوا عليا ويبعدوني عنك."


طمأنها والدها بصوت هادئ، دافئ النبرة، يحمل في أعماقه قلقًا حاول جاهدًا إخفاءه خلف ابتسامة شاحبة:

"هتعدي يا بيسا صدقيني واللي حصل ده مش بس رد اعتبارك، ده درس لأي حد يفكّر يقلّل منك، فاهمة؟ كرامتك فوق كل حاجة."


ثم مال نحوها قليلاً، وضع يده على كتفها بحنانٍ أبوي، وعيناه تغوصان في عينيها كأنه يُحمّلها وصية العمر، ابتسم ابتسامة خافتة، مزيج بين الفخر والألم، ثم قال:

"أنا كنت متوقع أنك تعملي كدا من زمان".


قاطعت بسيل والدها، والكلمات خرجت منها وكأنها تنهيدة جريحة، حملت حزنًا واضحًا على ملامح وجهها، ونبرة صوتها المرتجفة كانت كافية لتكشف ما يعتمل بداخلها: "صدقني يا بابا اللي حصل النهاردة كان غصب عني، وزي ما قلت لحضرتك، أنا مش هاروح المدرسة لحد ما الموضوع ده يخلص."


أجابها سليمان بصوت هادئ، كمن يُخفي اللهيب تحت سطح ساكن، محاولًا أن يسكب الطمأنينة في قلبها المرتجف:

"اللي حصل النهاردة ده طبيعي جدًا يا بسيل، هقولك كلمتين يا حبيبتي، امشي عليهم طول حياتك، لما تفكري تنتقمي من حد، لازم تكوني موجودة معاه لحظة بلحظة، كإنك مالكيش يد في اللي حصل له، خليكي قوية ما تتهزيش، مهما سمعتي أو شوفتي"


رفعت بسيل عينيها إلى وجه أبيها، تحدق فيه بتركيز، تحاول أن تُمسك بطرف المعنى الهارب من كلماته:

"مش فاهمة يا بابا حضرتك تقصد إيه؟"


شدد سليمان على احتضانها، ضامًّا إياها إلى صدره وكأنه يود حمايتها من العالم كله، ثم أردف بصوت أكثر هدوءًا، ونظراته مليئة بما لا يُقال:

"بصي يا حبيبة أبوكي،

اللي أقصده إنك هتروحي المدرسة عادي جدًا، وكأنك ما عملتيش حاجة، ومش بس كدا أنا عايزك تعيّطي، عيّطي لدرجة إن كل اللي حواليكي يصدقوا إن دموعك دي حقيقية"


ثم أردف بخبث، يشعل في نفسها نارًا خفية، ويبث فيها روح الشر بثقة باردة:

وتبقي بنت أبوكي بجد، لو قدرتي تمثّلي عليهم إنك زعلانة على زميلتك زيهم بالظبط، وقتها كل اللي في المدرسة هيصدقوكي، ومحدش هيتخيّل أبدًا إنك السبب في كل اللي حصل وساعتها يبقى انتقمتي صح."


ابتسمت بسيل، كأن كلامه نزع الخوف من قلبها، وكأن ثقلًا سقط عن كاهلها، وانفرجت أساريرها بابتسامة ظاهرها بريء وباطنها مخيف:

" بابا حبيبي، طمّنتني أوي،

أنا هنفذ كل اللي قولتلي عليه بالحرف."


خفض سليمان نظره إليها، ونظرة ممزوجة بالحب والانبهار ملأت عينيه، تحدث بعاطفة لا تخلو من دهاء:

"بسيل بنتي حبيبتي شاطرة، وده أنا متأكد منه، بس خدي بالك، ولما حد يزعلك تيجي تقوليلي ع طول، عشان وقتها نخطط سوا هننتقم منه أزاى من غير ما حد يشك فيكي ولا تنكشفي."


طبعت بسيل قبلة على خد أبيها، وقالت بسعادة طفلة وجدت أخيرًا من يفهمها:

"حاضر يا أحلى بابا في الدنيا"


وبعد أن طمأنها، وأعاد إليها ثقتها، نهض سليمان وتوجّه إلى المطبخ، يحضّر لهما الطعام وكأن شيئًا لم يحدث، جلسا يتناولان عشائهما، تملؤهما لحظة غريبة من الدفء، يعلو فيها صوت الضحك فوق ركام التوتر، ويختبئ خلفها ما هو أعمق، ثم دلف كلٌّ منهما إلى غرفته، يحمل في رأسه سؤالًا لا يرتفع صوته لكنه حاضر بقوة،

هل انتهى الأمر فعلًا أم أن الغد سيحمل ما لا يُتوقع؟، وما هي إلا دقائق حتى ابتلعهم النوم، لا هربًا من التعب، بل من ثقل الحقيقة التي بدأت الآن فقط.


____________________


في المدرسة


في صباح يومٍ جديد، بدا كل شيء باهتًا، كأن الشمس نفسها خرجت مترددة من خلف الغيوم، تنثر ضوءًا خافتًا لا يدفئ ولا يبهج، كانت السماء رمادية بلا زرقة، كأنها تبكي في صمت، تسللت نسائم باردة بين الأشجار، كأنها تهمس بأخبار موجعة، أما العصافير فلم تغرّد كعادتها، وكأن الحزن كمّم أفواهها، وبدت الشوارع كأنها تستفيق على ذكرى موجعة لا تريد أن تُمحى، كل شيء في ذلك الصباح كان يُشبه صدرًا مثقلًا بالحزن، يتنفس بالكاد ببطء وبألم، ذهب حسام والد أيتن إلى المدرسة بعد أن ودّع طفلته إلى مثواها الأخير وقد أثقل الحزن قلبه وسكنت روحه مرارة الفقد، كان يسير بخطوات تجرّ خلفها الغضب والأسى يبحث عن إجابة واحدة فقط، كيف دخلت تلك الأفعى إلى المدرسة؟، دخل إلى مكتب المدير وعيناه تلمعان بشرر الحزن والغضب، وصاح بصوتٍ أجشّ يفيض بالقهر:

"ممكن أفهم إزاي الأفعى دخلت المدرسة؟! وحضراتكم كنتوا فين لما بنتي اتلدغت وماتت؟!"


حاول المدير أن يحتفظ بهدوئه في مواجهة العاصفة، فأشار له بالجلوس وقال بصوت منخفض:

"اتفضل ارتاح الأول يا أستاذ حسام، واهدى شوية."


لكن حسام كان كبركانٍ انفجر، صوته كريحٍ عاتية تقتلع الهدوء من جذوره:

"أنا مش جاي أقعد ولا أهدى! أنا جاي أخد حق بنتي اللي ماتت جوّة المدرسة بسبب إهمالكم!"


نهض المدير من مكانه، وتقدّم ببطء ليقف أمامه، متماسكًا رغم ارتباكه:

"أرجوك يا استاذ حسام أهدى شوية، انا مقدر حالتك وعارف ان حضرتك مريت بظرف صعب بس كمان ماينفعش في لحظة غضب منك تتهمنا بالإهمال كدا من غير دليل."


صرخ حسام ودمعة قهر تختبئ خلف صوته المشتعل، وبنبرة اندهاش غاضبة انفجرت كأنها صفعة على وجوه الحاضرين:

"دليل؟! عايز دليل إيه أكتر من موت أيتن؟"


توقف لثوانٍ يزفر أنفاسه المتقدة كجمرٍ يُلهب صدره، ثم أكمل بنبرة تحمل اتهامات صريحة خرجت من قلب مفجوع لا يعرف السكون:

"أومال حضرتك تسمي اللي حصل ده إيه لو ماكانش تسيّب وإهمال من إدارة المدرسة؟!

أنا بنتي ماتت! فاهم يعني إيه ماتت؟! ماتت وأنتم السبب."


أخذ المدير نفسًا عميقًا، ثم قال بنبرة هادئة، ممزوجة ببعض الدفاع:

"أستاذ حسام، حضرتك عارف إن المدرسة في منطقة جديدة، وحوالينا أراضي صحراوية ومليانة حشايش غريبة، وده يخلي احتمال دخول أفعى وارد لكن إحنا دايمًا بننضف المدرسة ونتابعها، وعندنا حملات تفتيش من الوزارة بشكل دوري. وبعدين، الدكتور بنفسه قال إنه ما فيش أي أثر للدغة! يعني احتمال كبير إن بنتك تكون أكلت أو شربت حاجة مسمومة من برة المدرسة."


سكن صوت حسام قليلًا، وراح يفكر هل فعلاً لم تُلدغ؟ هل شربت شيئًا مسمومًا؟

كلام الطبيب ما زال يتردد في رأسه، ماتت بسبب سمّ الأفعى، لكن دون وجود أي أثر للدغتها،

جلس أخيرًا، يحاول أن يربط بين أقوال المدير والطبيب، ويفكّ لغزًا لا يملك مفاتيحه، كيف وصل السم إلى جسدها؟ وإن كانت المدرسة نظيفة كما يزعم المدير، فأين حدث ذلك؟

بدأت الشكوك تنخر في رأسه كالسوس، فقرّر اللجوء للشرطة، علّهم يضعون حدًا لحيرته، وبالفعل، تحرّت الشرطة عن الأمر، وأجرت التحقيقات والفحوصات عبر البحث الجنائي والطب الشرعي، ليتبيّن في النهاية أن أيتن لم تُلدغ، بل شربت من زجاجة مياه كان قد نُفث فيها سمّ الأفعى، وهكذا، أُغلقت كل الاحتمالات وتأكد الجميع أن الأفعى دخلت وخرجت من المدرسة دون أن يراها أحد.


_____________________


في فيلا سليمان النوري


بعد مرور ما يقارب ثلاثة أعوام، أنهت بسيل دراستها الإعدادية، وقد بدأت ملامح الفتاة في النضوج، لكنها لم تَعُد كما كانت

الطفلة البريئة التي فقدت طفولتها وعاشت تتوارى خلف قفازين وكمامة بل تحوّلت إلى شخصية متجبرة رغم صغر سنّها، فلدغة الأفعى كانت مجرد لحظة، لكن أثرها لم يتوقف عند حدود الألم بل تسلل شيئًا فشيئًا إلى دمها، سيطر على خلاياها وأعاد تشكيلها من الداخل، لم تعد مجرد فتاة نجت من الموت بل صارت الموت ذاته، وجهها ساحر، فيه نعومة أنثى تخطف الأنفاس وعينان بلون الفيروز ثابتتان لا ترمشان، تُحدّقان فيك كأنهما تُقيمان عزاءً داخليًّا قبل أن تسقُط،

جسدها مرن كأنها خُلقت من قطعة حريرٍ ناعمة، تتمايل بخفة وتتحرك بهدوء الزاحف، وبثقة القاتل، خطواتها لا تُسمع، لكن أثرها لا يُمحى، رائحتها غريبة، مزيج من العطر والسم، كل من اقترب منها أكثر مما يجب شعر بدوار وبحرارة تجتاح صدره، ثم برد قاتل ثم صمت أبدي.

أنفاسها لا تُرى، لكنها مميتة،

فرذاذ خفيف يخرج من شفتيها كفيل بإسقاط أقوى الرجال في لحظات، أنفاسها تحمل سُمًّا لا يُرى، لكنه ينساب إلى القلب مباشرة، دون استئذان، خدش صغير من ظفرها يشلّ الجسد بالكامل، يبدأ بتنميل في الأصابع ثم بطء في التنفس، حتى يسقط الجسد هامدًا كأن الحياة قد سُحبت منه في هدوء تام، هي لا تصرخ، لا تُهاجم بعنف ولا تُعلن الحرب بل تبتسم، تلك الابتسامة نفسها التي رأوها قبل أن يفقدوا وعيهم للأبد، صارت كوبرا تمشي على قدمين، تُغريك لتقترب، ثم تلدغك دون إنذار، بلا ندم ولا رحمة، من اقترب منها، مات إما من سُمّها، أو من سحرها.


أما سليمان، فقد تمدّدت جذوره في السوق، واتسعت تجارته حتى وصلت إلى منافذ لا تُطرق إلا بجرأة وجشع، لم يكن صعوده نقيًّا، فالسوق لا يرحم، والخصوم يتكاثرون كالأشواك، ومع كل صفقة رابحة، كان يُمعن في القسوة، استخدم ابنته كسلاح لا يُرى ولا يُشكّ فيه، يتودّد إلى خصومه، يتظاهر بالرغبة في الشراكة ويعرض الصُلح والتعاون، ثم يدعوهم إلى عشاء في مطعم فاخر، وهناك، تُفتح أبواب الجحيم، كانت بسيل تظهر في التوقيت المحسوب بدقة، دون كمّامة ودون قفازات، بشعر منسدل وعينين لا تعرفان الذنب، تُسلّم بخجل واهي، تضحك بصوتٍ خافت، ثم ترحل بصمت وفي لحظة، يحدث كل شيء، الرذاذ الخفيف الخارج من أنفاسها يُربك التركيز، يزرع في القلب قلقًا لا تفسير له، وإن اقترب أحدهم أكثر، ولامست أظافرها جلده حتى لو خدشًا بسيطًا انتهى الأمر.


قُتل ثلاثة من أعدائه بهذه الطريقة، والغريب أن عائلات هؤلاء الرجال لم تُبلغ الشرطة،

فقيل عن أحدهم إنها سكتة قلبية مفاجئة، وقالوا عن الآخر إنه تُوفي نتيجة تسمم مجهول المصدر، أما الثالث فقد وُجد ميتًا في سيارته بعد ساعة واحدة من تناوله العشاء مع سليمان، وفي معصمه خدش صغير لم تُعرف أسبابه.

وهكذا، أُسدل الستار على القصة دون أن يُعرف السبب الحقيقي وراء موت أيٍّ منهم،

ولكن من يعرف سليمان، يدرك أن النهاية لم تكن مصادفة.

وفي كل مرة، كان سليمان يشدّ الرحال إلى صائد الثعابين أو ما يُعرف بالرفاعي، ليسافرا معًا إلى شرق آسيا، وتحديدًا الهند أو إلى أستراليا، ليستخرج له سُمّ أخطر أنواع الأفاعي الكوبرا الملكية، فسمّها يقتل في دقائق، ثم يعود ليُغذّي بسيل بذلك السُم، فيحقنه في جسدها تارة، ويذيبه في طعامها وشرابها تارة أخرى، وفي ليلة هادئة، كان جالسًا في غرفة المعيشة، يتابع التلفاز بنظرات شاردة، بينما أمامه طاولة منخفضة تعلوها صينية معدنية تحمل كوبًا من الشاي وآخر من الماء، بدا وكأن السكون يلف المكان، إلى أن شقّه إعلان مفاجئ على الشاشة، منتج جديد من مصانع رمزي الوزّان، خصمه اللدود، وعدوه الأبدي، الذي أعلن مؤخرًا نيّته خوض الانتخابات البرلمانية لمزاحمته على مكانه،

ارتسم اسم رمزي على الشاشة بحروف متوهجة، كأنها تُحفر على جدران صدره بمسمار صدئ، وفي تلك اللحظة تدفقت ذكرى اللقاء الحاد الذي جمعهما منذ يومين فقط، وداخله يشتعل من الغضب.


"فلاش باك"


ذهب سليمان إلى نادي رجال الأعمال، خطاه ثابتة كمن يعرف أن المكان ملكه، أو هكذا يعتقد، وضع هاتفه وسلسلة مفاتيحه بعناية على طاولته المعتادة، تلك التي تطل على كامل الصالة كعرش يراقب منه الممالك، ثم جلس بهدوء يوحي بعكس ما يمور داخله من نيران، كان ينتظر النادل ليأتيه بالقهوة، حين لفت انتباهه دخول رمزي الوزّان الرجل الذي لا يُفترض أن يكون هنا، تسلل البرود إلى عينيه، فعدل من جلسته ووضع ساقًا فوق الأخرى، ثم أخرج سيجارًا فاخرًا وأشعله ببطء مدروس، نفث الدخان كمن يكتب تهديدًا في الهواء، وعيناه لا تغادران وجه رمزي الذي اقتحم المكان كغريمٍ في حلبة مغلقة، لم ينبس ببنت شفة لكن تلك النظرة التي صوّبها نحو رمزي كانت كالسهم حادة، مغلّفة بابتسامة ساخرة تحمل من الاحتقار ما يكفي لإشعال حربٍ صامتة.


 وبينما كان سليمان يتأمل خصمه بصمت متعمد، اقترب رمزي بخطى واثقة من الطاولة، وسحب الكرسي المقابل له ببطء وجلَس عليه بكبرياء، واضعًا ساقًا فوق الأخرى. ارتشف من فنجان القهوة الذي يخص سليمان بعدما وضعه النادل، دون استئذان ثم رمقه بنظرة مليئة بالاستفزاز وابتسامة ماكرة، قبل أن يتحدث بنبرة ساخرة:

"امممم، حلو البن ده اوي يا سليمان"


لم يردّ سليمان على الفور بل اكتفى بابتسامة هادئة لا روح فيها، لكنها كانت مرعبة، نفث دخان سيجاره إلى الأعلى كمن يقصد حجب الهواء بينه وبين خصمه، ثم مال إلى الأمام ببطء، ساحبًا الفنجان من يد رمزي بهدوء، وبنبرة واثقة، متعجرفة وباردة حدّ التجمد:

"ده بن غالي يا رمزي، ما يتقدّرش بتمن، بييجي مخصوص من بلاده لسليمان النوري وبس."


لم يبتلع رمزي الإهانة بل ضحك بخفة ممزوجة بالاحتقار، ثم وقف من مجلسه وانحنى بجزعه للأمام كمن يهمس بسرٍ قاتل، ونبرته المسمومة تتلوّى خلف ابتسامة مميتة:

"أنصحك تنسحب بكرامتك من الانتخابات، قبل ما تضيف خسارة جديدة للصفقات اللي باخدها منك واحدة ورا التانية."


ثم انتصب واقفًا، يضحك بصوتٍ عالٍ لا يخلو من التحدي، كأنّه يسكب الزيت فوق جمر سليمان المشتعل، قبل أن يدير ظهره ويغادر المكان، تاركًا خلفه هواءً مشحونًا بالعداء.


أما سليمان، فكان كبركان على حافة الانفجار، أصابعه أطبقت على السيجار حتى كاد ينكسر،

وعيناه تشتعلان بنظرةٍ لم تعرف الرحمة، لم يتحرك لكنه في داخله أقسم أن هذه ستكون المرة الأخيرة التي يضحك فيها رمزي بهذا الصوت.


"عودة إلى الوقت الحالي"


عاد سليمان من غياهب تلك الذكرى التي أشعلت فيه نيرانًا دفينة، كأنما انتُزع من مقعده ليُقذف فوق صفيحٍ يغلي، عروقه نبضت بعنف، ووجهه اشتدّت قسماته، وقبل أن يستسلم لتلك العاصفة أكثر، دوّى صوت هاتفه قاطعًا تيار الذكرى بموجة لا تقل سخونة، حدّق في الشاشة دون أن يرمش، عيناه تتجمدان على اسم المتصل، ليجده فوزي  مدير مكتبه، خطف الهاتف كما لو كان ينتزع خنجرًا من خاصرته، وردّ بصوتٍ تصدّع فيه الصبر كزجاج تحت المطرقة:

"قول إن المناقصة رسيّت علينا."


ساد الصمت لثوانٍ، تباطأ فوزي في الرد كأنّه يختنق بالكلمات، لكنه لم يملك ترف التمهيد،

فجّرها دفعة واحدة دون تزيين:

"للأسف يا باشا، رسيّت ع رمزي الوزّان."


ساد صمت ثقيل لثانية ثم أغلق سليمان الخط بعنف، دون حتى أن ينبس بكلمة، وكأن فوزي لم يكن موجودًا أصلًا، ثبّت نظره في الفراغ أمامه، ثم هوى بكفّه على الطاولة، فتطايرت الأكواب، وتناثر زجاجها كما لو كان يصرخ غضبه بدلًا عنه، راح يذرع الغرفة جيئة وذهابًا، خطواته تُدوّي على الأرض وكأنها طبول حربٍ قادمة، تمتم بجمرةٍ في حلقه:

"نهايتك قربت يا رمزي."


لكن هل يدرك سليمان أن المعركة التي بدأها، قد لا تنتهي كما يشتهي؟



الكوبرا بقلمى✍️_____ لبنى دراز



يتبــــــع

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-